الليرة المريضة

التوتر الداخلي تسبب في تدهور اقتصادى وانخفاض الاستثمارات الأجنبيه

بقلم ناتالي بولاماسيوجلو

بالرغم من نجاح الحكومة التركية في إصلاح العديد من جوانب الخلل في اقتصاد البلاد خلال المراحل الأولى من تكليفها، فإن التوترات السياسية التي يتسبب فيها حزب العدالة والتنمية بصورة غير مباشرة من وقت لآخر أثارت حالة من التذبذب وعدم الاستقرار في الاقتصاد التركي. وبالرغم من أن هناك بوادر تدل على إمكانية تعافي هذا الاقتصاد، فإن أنقرة لا يزال أمامها شوط طويل ..

في عصرنا الحالي، للأسواق أهميتها، بقدر ما للسياسة من أهمية. ففي ظل تأثير العولمة، يزداد التفاعل بين الأسواق والسياسة على المستويين المحلي والدولي. ويمكن أن نلحظ هذا التفاعل بشكل خاص خلال الانتخابات الوطنية وبعدها. وهناك مؤشر يشيع استخدامه في تقييم مستوى نجاح أي انتخابات عامة وهو ردة فعل الأسواق المالية العالمية والمستثمرين الدوليين لنتائج تلك الانتخابات. وقد تم تعزيز هذا الاتجاه أخيراً من خلال تزايد استخدام الأسواق الدولية كمصدر بديل لرأس المال لتغطية الحاجات المحلية للحكومات الوطنية. وفي هذا الإطار، أصبحت الانتخابات العامة مليئة بالوعود والالتزامات بهدف توجيه "نوايا" المرشح إلى تحبيذ السياسات المؤيدة للأسواق حال انتخابه.

ومن هذا المنطلق يمكننا القول إن الهدف الضمني لبعض المرشحين في الانتخابات التركية سنة 2002 تمثل في بناء سمعة إيجابية لدى المستثمرين الدوليين. وينطبق نفس الشيء على حزب العدالة والتنمية؛ فأثناء حملته الانتخابية، سعى الحزب جاهداً لتهيئة الرأي العام لتطبيق ما اعتبره زعماء الحزب بمثابة إصلاحات معززة للسوق لابد منها. ومن أبرز وعود الحزب الالتزامات التي قطعها على نفسه بإصلاح الاقتصاد التركي لإبرام صفقة تركيا مع صندوق النقد الدولي والإسراع في انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

وكان عام 2002 بمثابة نقطة تحول بالنسبة للاقتصاد التركي. فأولاً، تم التخلي عن البرامج الاقتصادية غير الناجحة التي تبنتها الحكومات السابقة. وحتى نفهم مدى أهمية هذا التغيير في السياسة الاقتصادية في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، ينبغي أن نعود إلى عام 2001، وهو أحد أكثر الأعوام سوءاً في تاريخ الاقتصاد التركي الحديث.

كان عام 2001 عاما سيئا. فقد واجهت تركيا ركوداً شديداً أدى إلى انخفاض قيمة الليرة التركية، مما زاد من معدلات البطالة والفقر وتدهور الاقتصاد الحقيقي بشدة. ومن الناحية السياسية، كان هذا العام ناتجاً في الأساس عن عجز الحكومات السابقة عن إدارة وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية التي أدخلها تورجوت أوزال (الرئيس الثامن لتركيا) الذي سعى بين عامي 1989 و1993 لتحويل تركيا إلى "أمريكا صغيرة". ومن الناحية الاقتصادية، كان عام 2001، هو الأسوأ بالنسبة للأزمات المصرفية والتضخم المزمن والنمو الاقتصادي السيئ ومعدلات الفائدة الحقيقية والاسمية المرتفعة وتفاقم أعباء الدين العام. 

وفي هذا الصدد، رحب مجتمع الأعمال على المستويين المحلي والدولي ترحيبا حاراً بالاستقرار الذي وعد به حزب العدالة والتنمية وسعى بهدوء من أجل تمكين الحزب من الوصول إلى سدة الحكم. ولم تلفت نتيجة الانتخابات الأنظار؛ حتى وإن كانت غير متوقعة بالنسبة للكثير من المراقبين، فقد فاز الحزب في الانتخابات العامة 2002 بأغلبية كبيرة. 

واليوم، هناك اعتقاد شائع بأن مجال الأعمال في تركيا قد تحسن بشكل ملحوظ منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في 2002. ومع ذلك، فإن هذا التحسن لم يكن متجانساً وهناك دلائل واضحة الآن على أن النشاط الاقتصادي بشكل عام كاد يتوقف. وفي وقت مبكر من تنصيبه، نجح حزب العدالة والتنمية في تحقيق الاستقرار للاقتصاد الكلي من خلال دعم إصلاحات الاقتصاد الكلي بقوة، الأمر الذي ضبط بنجاح السياسات النقدية والمالية وأسعار الصرف، والإصلاحات الهيكلية في النظام المصرفي والتمويل الحكومي. ونتيجة لذلك، ازداد متوسط معدل نمو إجمالي الناتج المحلي سريعاً، وهبط معدل التضخم إلى أدنى مستوياته خلال 35 عاماً، وتراجع الدين العام بشكل هائل وحقق الاستثمار الأجنبي المباشر قفزة في النمو.

يبدو أن الانتعاش الذي شهده الاقتصاد التركي قد انتهى. فهناك دلائل تشير إلى زيادة معدلات التضخم وارتفاع عجز الحساب الجاري. ويبدو أن المؤشرات الاقتصادية الأخرى تنسجم أيضاً مع هذا الاتجاه الهبوطي: فتدفقات الاستثمار الأجنبي هبطت بشدة وزادت معدلات البطالة وانكمش إجمالي الناتج المحلي وارتفع عجز الموازنة.

وبالرغم من أن الأزمة الاقتصادية العالمية أسهمت إسهاماً لا يمكن إنكاره في التدهور الذي شهده الاقتصاد التركي، كانت التوترات السياسية الداخلية من أبرز العوامل التي أثرت سلباً على الاقتصاد. فقد كانت الفترة التي سبقت الانتخابات وأعقبتها مؤلمة بالنسبة لتركيا؛ "فالمخاوف القديمة" من الحركة الإسلامية تجددت مع احتمالات خضوع البلاد لحكومة حزب العدالة والتنمية. وخلال السنوات السبع الماضية، كانت هناك مواقف كثيرة أصبح فيها الاستقرار الاقتصادي التركي في مهب الريح نتيجة للخلاف السياسي المتزايد بين الإسلاميين والعلمانيين من الجيش والسكان.   

ثمة مثال جيد على هذا التوتر وتأثيره على الاقتصاد التركي وهو النزاع الذي نشب في عام 2008 بين رئيس محكمة الاستئناف العليا عبد الرحمن يالسينكايا وحزب العدالة والتنمية. ففي مارس آذار 2008، طلب السيد/ يالسينكايا بعد اقتراح دوغو سيلاهسيوغلو (أحد جنرالات الجيش المتقاعدين) من المحكمة إلغاء حزب العدالة والتنمية مبرراً موقفه هذا بأن الحزب قد أصبح مرتعاً خصباً للأنشطة المعادية للعلمانية وأن وجود الحزب وأنشطته تتعارض مع الأفكار العلمانية في الدستور التركي. وأدى ذلك إلى تراجع تلقائي في ثقة المستثمرين الذي تُرجم إلى زيادة في معدلات الاقتراض بالنسبة للخزانة إضافة إلى حدوث انخفاض مفاجئ في مؤشر بورصة اسطنبول. وتم التغلب على هذا العائق الاقتصادي والمالي فقط في تموز يوليو عندما لم تقبل المحكمة دعوى يالسينكايا.

ومنذ عام 2007، تفاقمت العواقب الاقتصادية التي ترتبت على هذه المناوشات السياسية بسبب اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في أواخر عام 2007. هذا صحيح ولكن كما شدد وزير اقتصاد تركيا على باباجان خلال محاضرة عامة ألقاها أخيراً في كلية لندن للاقتصاد، حين قال إن القطاع المصرفي التركي اجتاز الأزمة المالية بشكل جيد نسبياً بفضل قوانينها العقلانية القوية. ونتيجة لذلك، لم يكن القطاع المصرفي في تركيا بحاجة إلى إنقاذ الدولة له مالياً خلال الأزمة الأخيرة. ومع ذلك، لم تحظ المؤشرات الاقتصادية الرئيسية بنفس النجاح وانعكس انخفاضها على الانتخابات المحلية التي عُقدت مؤخراً. وأدت عوامل مثل ارتفاع معدلات البطالة، وتقلص الناتج الإجمالي المحلي، وعدم استقرار العملة، واحتمالات انكماش الاقتصاد إلى خسارة حزب العدالة والتنمية لنسبة كبيرة من الأصوات التي اعتاد الحصول عليها.

  ولكي نختتم المقال بنظرة تفاؤلية، قامت وكالة فيتش - وهي واحدة من وكالات التصنيف العالمية - بمراجعة التصنيف الائتماني لتركيا فيما يتصل بالعملة المحلية والأجنبية لتضعه في درجة أعلى. وأعرب بيان أصدره صندوق النقد الدولي أخيراً عن تحمس المنظمة بشأن "إطار العمل متوسط الأجل" الذي أعلنته تركيا ويهدف إلى مواجهة تدهور مواردها المالية، وتحفيز القطاع الخاص والنمو الاقتصادي. وبالنظر إلى هذه التطورات المحلية والدولية ، سوف ينبئنا الزمن وحده بمدى كفاءة تركيا في تعزيز النمو الاقتصادي وحماية اقتصادها من الاضطرابات الاقتصادية العالمية في المستقبل.

أضف تعليقك

حقل مطلوب

الإيميل المطلوب لن يتم إظهاره أبداً

سوف يتم مراجعة التعليقات وحذف أي تعليق غير لائق

بنود وشروط

ما بعد النفط والأمن

بينما تلعب الكثير من المتغيرات الإقليمية دورا في تعريف مستقبل العلاقات السعودية الأميركية، لم تعد صيغة "النفط والأمن" التي كانت تميز الصلات السعودية الأميركية ملائمة لوصف تلك العلاقة. كاريل ميرفي

تحميل العدد

جيه ستريت تنافس أيباك

نمت » جيه ستريت « في غضون عامين من تأسيسها لتصبح قوة يحسب لها حساب في السياسة الأميركية، فلم تعد أيباك اللوبي اليهودي الوحيد في الولايات المتحدة. في هذا العدد يناقش ستيفن غلين الاختلافات بين جيه ستريت و أيباك ومدي تأثيرهما على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

تحميل العدد

نشرة بريدية

نعم أود أن أتلقى آخر الأخبار يوميا من المجلة في صندوق الوارد ببريدي الإلكتروني

تعليقات

رحيل عراب التجديد..

رحم الله الشاعر و الأديب و الإنسان ، فقد خسرناه جميعاً ، إنا لله و إنا إليه راجعون ، و شكراً للمجله و لكاتبه المقال المحترمه.

كاظم العراقي في Aug 18, 2010 9:46 PM

1 تعليقات

القيادي البارز بتنظيم عصائب اهل الحق اكرم الكعبي : لدينا رهائن بريطانية وأمريكية نساوم عليهم

نصر الله مجاهدي عصائب أهل الحق وكل مجاهدي العراق ضد المحتلين المستعمرين وأحبط الله كل المعتدين وغيرهم 0

أبو آلاء في Aug 18, 2010 9:40 PM

11 تعليقات

اليمن ما بعد الهدنة

اتمنى من المجلة بأن تأتي بكتاب ومحللين أفضل يكونوا على وعي ثقافي وسياسي أفضل ,ودمتي لنا دائما مجلتنا الجميلة

ali imran في Aug 18, 2010 9:40 PM

2 تعليقات