كعكة النفط العراقي

الشركات النفطية الأمريكية تتخلى عن غنيمة الحرب في العراق

بقلم أندريه كالا

لم يكن من السهل التنبؤ بنتيجة مزادات النفط العراقي. ففي حين سارعت الشركات الأوروبية والآسيوية والأفريقية إلى ضمان نصيبها من الكعكة، لم تشارك الشركات الأمريكية بعطاءات مهمة في تلك المزادات.

منذ وقت طويل، قامت القوات الأمريكية بغزو العراق للإطاحة بالنظام الديكتاتوري للرئيس صدام حسين، وقد ألمحت قلة إلى أن الدافع وراء الغزو يتمثل في النفط.

وقد أثير جدل واسع حول نظرية المؤامرة حتى في الأوساط الدبلوماسية رفيعة المستوى، مثل الأمم المتحدة. واعتقد الكثيرون أن أمريكا قامت، تحت قيادة صقور النفط في البيت الأبيض بدءًا من الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، بتعبئة أقوى جيوش العالم في ظل مزاعم زائفة بتأمين احتياطيات النفط الخام والغاز في العراق.  

وبعد مرور سنوات، توقع حتى أكثر المراقبين اعتدالًا أن يتم توزيع غنائم الحرب خلال أول مزادين على حقول النفط منذ غزو عام 2003، إذا لم يتم التعويض بأي شيء آخر عن مليارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين التي ذهبت لتعزيز بلد مزقته الحرب.

لكن إذا كان هدف بوش تمثل في تمهيد الطريق أمام شركات النفط الأمريكية، فإن هدفه لم يتحقق. فمن بين 15 شركة أجنبية، لم تحظ سوى شركتين أمريكيتين بعطاءات خاصة بالحقول العشرة التي تم منحها.

والسبب أنها ببساطة لم تكترث كثيرًا بالأمر. فلم تهتم سوى شركة أمريكية واحدة بالتقدم بعطاء في الجولة الثانية، والتي أُعلنت نتائجها في ديسمبر/كانون أول. وأما الجولة الأولى فلم تشارك فيها سوى أربع شركات أمريكية. ولا تزال وزارة النفط بصدد توقيع عقود مدتها 20 عامًا مع تمثيل قوي من شركات أوروبية وآسيوية وروسية بل وحتى أفريقية. وسوف تستولي شركة النفط الوطنية العراقية على 25% من جميع الحقول. وليس من المخطط له إجراء جولة ثالثة.    

ويتوقع العراق أن يزيد إنتاجه لأكثر من أربعة أضعاف ليصل إلى إنتاجية تقدر بنحو 11.14 مليون برميل يوميًا خلال سنوات ليقوى على منافسة أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم وهي المملكة العربية السعودية. وهذا تقدير حذِر إذا ما أخذنا في الاعتبار الموارد التي لم يتم اكتشافها بعد.

وعدم مشاركة شركات النفط الأمريكية بقوة في المزادات كان بمثابة قرار إستراتيجي. ويعزو البعض ذلك إلى استعداد الشركات الآسيوية أو المملوكة للدولة لمستوى مرتفع من المخاطر. ولكن بإلقاء نظرة أعمق، يتبين لنا أن الشركات الأوروبية وشركات التداول العام من جميع أرجاء العالم كانت بمثابة الرابح الأكبر، تلك الشركات التي تلتزم بنفس منطق السوق الذي تتمسك به شركات النفط العالمية في أمريكا.

ولنلق نظرة على الحقول العملاقة الأربعة التي تم منحها: حقل مجنون الذي يبلغ احتياطيه نحو 12.6 مليار برميل، كان من نصيب شركة شل الهولندية وهي أكبر شركة تداول عام في أوروبا، حيث بلغت حصتها 45%، وحظيت شركة بيتروناس المملوكة للحكومة الماليزية بنسبة 30%، وكان حقل القورنة ـ المرحلة الثانية ـ باحتياطي يبلغ 12.9 مليار برميل من نصيب الشركة الروسية العملاقة لوكويل، بنحو 64%، وشركة ستيتويلهيدرو النرويجية بنسبة 11%؛ أما حقل القورنة الغربي ـ المرحلة الأولى ـ باحتياطي يبلغ 8.7 مليار برميل، فكان من نصيب إكسون موبيل التي مقرها الولايات المتحدة الأمريكية بنصيب يبلغ 60%، وحصلت شركة شل على نسبة الـ 15% المتبقية، أما حقل الرميلة الذي يبلغ احتياطيه 17 مليار برميل، فقد كان من نصيب شركة بريتيش بيتروليوم بنسبة 38%، وشركة النفط الوطنية الصينية بنسبة 37%.

وبالنسبة للحقول الأخرى، فإن شركة أوكسيدنتال، هي الشركة الأمريكية الوحيدة بخلاف إكسون التي شاركت في المزادات، وقد فازت أوكسيدنتال بحصة ضئيلة ضمن ائتلاف تقوده شركة إيني الإيطالية لتطوير حقل الزبير الذي يبلغ احتياطيه 4.1 مليار برميل. كما حصلت شركة النفط الوطنية الصينية على ما نسبته 37.5% في الحلفاية، باحتياطي يقدر بـ 4.1 مليار برميل، وكانت الشركة الصينية تقود ائتلافًا يضم أيضًا بتروناس وتوتال الفرنسية حيث حصلت كل منهما على 18.75%.

ومن ضمن الفائزين الآخرين في الحقول الأخرى الأصغر حجمًا، جابكس وشركة جازبروم الروسية وشركة تابو التركية. كما فازت شركة بتروناس بأربع حصص في العديد من الحقول، من بينها اثنان من الحقول الكبيرة.

وعزا الكثيرون اللامبالاة الأمريكية إلى انعدام الأمن وعدم الاستقرار وهشاشة الإطار التنظيمي والفساد، والشروط غير الجذابة التي تقدمها بغداد في شكل عقود خدمية بدلا من صفقات تقاسم الإنتاج التي تفضلها هذه الشركات. ولكن جميع الشركات المطروحة للتداول العام قد خضعت لهذه الشروط، بما في ذلك الشركات الفائزة.

وليس هناك شك في أن الشركات الأمريكية تميل إلى النفور من تحمل المخاطر الكبيرة. ولكن من الصحيح أيضًا أنها ببساطة تستخدم النماذج الكلاسيكية الاقتصادية الخاصة بالتنقيب والإنتاج. وفي حالة العراق، فإن العائد المنخفض وعدم الاستقرار معا قد قللا من جاذبية الصفقات. فشركة بريتيش بيتروليوم، على سبيل المثال، ستحصل بالكاد على نسبة 20 في المئة كعائد على الاستثمار من وراء الصفقة التي أبرمتها، في حين أن الشركات الأمريكية تستهدف عادة ما لا يقل عن 25 في المئة كعائد على استثماراتها.

كما تخشى الشركات الأمريكية أيضًا أن يتم اعتبار مشاركتها سابقة أولى تمهد الطريق للمزيد من الصفقات المجحفة. أو بمعنى أخر لا يبرر تحقيق فوز كبير في العراق المخاطرة بحدوث موجة من عمليات إعادة التفاوض بشأن العقود والصفقات التي أبرمتها هذه الشركات في أي مكان آخر في العالم. وقد سبق أن رفضت شركات النفط العالمية في الولايات المتحدة الاستثمار في فنزويلا من قبل عندما قامت فنزويلا بتغيير القواعد، بينما وافقت الشركات الأوروبية على الشروط الجديدة.

ومن المؤكد أن الشركات الأوروبية والآسيوية قبلت هذه الخطوة بالفعل، ولكن الأمريكيين ليسوا مستعدين بعد على الأقل، لأن عقود الخدمة لا تحتسب في حجز الاحتياطي، وهو الحافز الأكثر جاذبية للمساهمين.

وليس هذا بالضرورة أمرًا سيئًا. ولم تتعرض شركات النفط العالمية الأمريكية لعقوبات نتيجة قرار إداراتها بالبقاء بعيدًا، مما يشير إلى دعم المساهمين لها لكونها من المساومين الأقوياء.

من الناحية المالية، كانت الشركات الأمريكية ستواجه أيضًا مسئوليات أكبر، وبالتالي تتطلب عوائد أفضل من نظيراتها الأوروبية والآسيوية. وربما يكون السبب أن الشركات الأمريكية تفضل الدخول من الباب الخلفي، وتدع الفائزين بالمناقصات يتعاملون مع جميع المشاكل الأولية ومخاطر البداية حتى يشتروا لأنفسهم حصة أقلية فيما بعد.

على أية حال، تسمح عقود الخدمات للشركات بالانسحاب بسهولة، على النقيض من عقود تقاسم الإنتاج والتي تتطلب التزامات أطول أجلا. وتفضل شركات النفط العالمية الأمريكية الانتظار لحين الانتخابات الرئاسية المقبلة وصدور قانون للنفط، بالإضافة إلى صدور قرار حول المأزق الكردي الخطير والمستمر مع الحكومة المركزية. وقد يثمر هذا الفعل نظرًا لأنه لا تزال هناك سبعة حقول تم عرضها في الجولتين الأوليين، والتي لم تتلق عروضًا. وعلاوة على ذلك، لا يزال العراق غير مستكشف إلى حد كبير وسوف يكون هناك المزيد من الفرص في المستقبل بالتأكيد.

ولا يعنى هذا أن الشروط الاقتصادية ستكون أفضل، ولكن على الأقل ستكون المخاطرة أقل.
ومع ذلك، تتنازل معظم شركات النفط العالمية الأمريكية عن ميزة الدخول المبكر. وإذا سارت الأمور كما يخطط العراقيون، فسوف تشتد المنافسة فقط، وكذلك الشروط. إلا أنه إذا لم يتمكن العراقيون من تدعيم طريقهم نحو الاستقرار، فإن أول الوافدين سيطرقون الأبواب الأمريكية ساعين وراء المزيد من الأموال لتلبية عقودهم.

غير أنه في كلتا الحالتين فإن مليارات الدولارات التي أنفقها العم سام وآلاف الأرواح الأمريكية التي أُزهقت لتأمين العراق، لن تترجم إلى ما يتوقعه الكثيرون من غنائم الحرب الضخمة. وهذا الأمر أفضل للجميع.

تعليقات

أيمن عبد الله

الإبلاغ عن تعليق غير لائق
لا شك ان غزو العراق كان يهدف في الاساس الي وضع يد الأمريكان علي البترول و لكن الولايات المتحدة لم تضع في اعتبارها المخاطر الأمنية التي ترتبت علي هذا الاحتلال قبل الغزو و قد أدي ذلك بالطبع علي قلة إقبال الشركات الأمنية علي الإدلاء بدلوهم في المناقصة التي أجريت علي حقول البترول العراقية , و لا يعني ذلك ان الولايات المتحدة لن تستفيد بشكل كافي من هذه الحقول , فاذا ظننا ذلك سنكون مخطئين .
أضف تعليقك

حقل مطلوب

الإيميل المطلوب لن يتم إظهاره أبداً

يرجى إدخال الأحرف التالية في المربع (حساس لحالة الأحرف) فهذا يساعدنا على منع البرامج الأوتوماتيكية من عمل حسابات إلكترونية وإرسال بريد عشوائي

سوف يتم مراجعة التعليقات وحذف أي تعليق غير لائق

بنود وشروط

دبلوماسية العثمانيين الجدد

أثرت الأزمة العالمية على اقتصادات الدول المتقدمة بشكل يفوق كثيرًا تأثر تركيا بتلك الأزمة ويفوق تأثر الدول المجاورة لها في الشرق والأقل تقدمًا من الناحية الاقتصادية. وقد سارعت أنقرة بفتح سفارات وقنصليات لها في دول تقع جنوب وشرق تركيا ( 15 دولة في إفريقيا على مدى العامين الماضيين) كمجرد استجابة سياسية لتغير موازين التجارة الدولية، فهل هذا دليل على أن تركيا سئمت من اللهاث وراء أوروبا وأصبحت ترى أن قيامها بدور إقليمي أكثر ملاءمة لمصالحها؟ وهل تسعى تركيا حاليًا لأن تصبح لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط؟

تحميل العدد

الاختبار الكبير

 سبقت الانتخابات العراقية الحالية الكثير من الأحداث المضطربة والمقلقة، مما أضعف الأمل في أن تكون هناك دولة ديمقراطية حقيقية في العراق تخضع ل"حكم القانون". وسيتوقف جزء كبير من مستقبل العراق القريب على هذه الانتخابات، ولن يكون هذا مقصورًا على ميزان القوى الداخلي، ولكن سيمتد أيضًا ليشمل علاقات العراق الدبلوماسية

مع الدول العربية الأخرى والولايات المتحدة وإيران.

تحميل العدد

نشرة بريدية

نعم أود أن أتلقى آخر الأخبار يوميا من المجلة في صندوق الوارد ببريدي الإلكتروني

تعليقات

ماذا بعد مقتل المبحوح في دبي ؟

هل بوسع الاخوة الفلسطينيين الذين يتقاتلون من أجل عيون اسرائيل أن يفهموا الدور قادم على كل واحد منهم مهما كانت انتماءه الحزبى ؟ هل يفهمون ؟ هل يضعوا مصلحة الوطن أمام أعينهم قبل المصالح الشخصية .... لا أظن.... سيظلوا عملاء للصهاينة حتى النخاع ثم بعد ذلك يجاهدون من وراء الميكرفونات ويتهمون الشرفاء فى مصر بالذات بالعمالة مع أننا قدمنا من أجل القضية الفلسطينية ما لم يقدموه هم فى الواقع.... وصدق من قال اذا لم تستح فافعل وقل ما ئئت.... ومبروك عليكم الخلافات والتشرذم والتقاتل وجعل الله بأسكم بينمكم كبير.... كبير ... كبير الى يوم الدين .... يامن بعتم القضية بحصاد الهشيم فلم يعد لديكم وطن ولا دين.

morateen في Mar 7, 2010 1:42 PM

1 تعليقات

المالكي يأمر باعتقال مقتدى الصدر إذا عاد للعراق

يجب على جميع الافواه التي لاتريد للعراق الخير ان لاتنشر مثل هكذا اخبار كاذبة.
وخصوصا ونحن نعلم ان العصابات البعثية هي من قتل ويقتل العراقيين من امثال الراحل السيد عبد المجيد الخوئي (قدس سره الشريف).
ونحن نعلم ان السيد مقتدى الصدر زعيم المقاومة العراقية الباسلة وهو من الخطوط الحمراء لدى العراقيين ولا يحق لاي جهة اتهام الناس جزافا.
وكذلك محاولة بعض الاطراف البعثية الضغط على حكومة العراق المنتخبه المتمثلة بالسيد نوري المالكي حفظه الله ورعاه.

عراق ابن سومر ابن اكد ابن بابل ابن علي ابن ابي طالب في Mar 7, 2010 1:36 PM

2 تعليقات

المالكي يأمر باعتقال مقتدى الصدر إذا عاد للعراق

هاي شنو انتم ليش ما تبطلون هي السوالف الاعلامية المغرضة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

غزوان الشباني في Mar 7, 2010 1:34 PM

2 تعليقات

هل ستصبح تركيا إسلامية؟

أوافق في الرأي الكاتب مايكل ثومان فتركيا تحتاج الآن إلى إصلاح دستوري كبير يهدف إلى اللامركزية ونشر الديمقراطية في البلاد، لقد تأخر كثيرًا التقسيم الجيد للسلطة على المستوى المركزي وفي الأقاليم، ويجب أن يدفع حزب العدالة والتنمية والبرلمان التركي والاتحاد الأوروبي خلال محادثات عضوية تركيا في الاتحاد، بقوة من أجل هذه الإصلاحات.

محمد سيد في Mar 7, 2010 1:28 PM

1 تعليقات

نصير الديمقراطية

بالرغم من تضارب الآراء حول رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي،فهناك من يقول انه ديمقراطي و هناك من يقول العكس ، إلا أنني أري أن الشعب الأثيوبي هو فقط من سيحدد صلاحية ميليس زيناوي او لا ، و لذا يجب أن يتم التركيز هنا علي ضرورة أن تكون الانتخابات نزيهة .

عبد الرحيم عامر في Mar 7, 2010 1:27 PM

1 تعليقات

تجميل الإرهاب

ليس من المستبعد أن تكون الأجهزة الأمنية الباكستانية و الأمريكية هي المسئولة عن التفجيرات الأخيرة و ذلك لإضفاء المبرر علي التواجد الأمريكي في هذه المنطقة و كذلك من اجل شغل العالم بتنظيم القاعدة و أفعاله و شغله عن قضايا أخري .

إيهاب عبد الكريم في Mar 7, 2010 1:26 PM

1 تعليقات