أزمة "البيبي بومر"
النفوذ الأمريكي يتراجع والصين تتقدم لقيادة العالم اقتصاديًا
تاريخ النشر: الجمعة 26 فبراير 2010 تم التحديث: الجمعة 26 فبراير 2010
أدى الإعلان عن الميزانية الفيدرالية الأمريكية لعام 2011 ، إلى إثارة جدل واسع النطاق ليس فقط بشأن العجز المالي المتوقع، ولكن أيضًا بشأن الافتقار إلى الجهود الحكومية المبذولة للتقليل منه. ففي حين أثبت الكونجرس الأمريكي عجزه عن زيادة الضرائب، فإن هذا يعني أن الولايات المتحدة سوف تكون مُثقلة بالديون على مدار جيل على الأقل.
لم تكد الحكومة الأمريكية تعلن عن ميزانيتها للعام المالي 2011، حتى أعلنت وكالة موديز لخدمات المستثمرين عن ردة فعل قوية، حيث قالت وكالة التصنيف هذه: "ما لم يتم اتخاذ المزيد من التدابير للتقليل من عجز الميزانية وإذا لم يتعافَ الاقتصاد بقوة أكثر مما هو متوقع، فإن الرؤية المالية الفيدرالية كما هي معروضة في تصورات العقد القادم سوف تؤثر سلبًا على وضع السندات الحكومية الأمريكية المصنفة بأنها من الدرجة الأولى.
كان الكثيرون لا يصدقون أن الولايات المتحدة اقتربت خطوة من الإفلاس الوطني، وهو التحذير الذي كان من الممكن أيضًا توجيهه بسهولة لليونان أو البرتغال أو إسبانيا أو إيطاليا. ومع الإنقاذ المالي وحزم التحفيز الضخمة التي تم إصدارها استجابة لأزمة الائتمان في عام 2008، التي أجهدت الميزانيات على مستوى العالم، ينتظر المستثمرون في قلق أول دولة كبرى تعجز عن سداد ديونها. ومسألة اعتبار أمريكا أنها مجرد واحدة من بين عدد من الدول التي تواجه مخاطر الإفلاس لم يتم الالتفات أو التنبه إليها في واشنطن العاصمة رغم أن ذلك يمثل حقيقة ينبغي أن تكون الشغل الشاغل للأشخاص الذين يأخذون الأمور بجدية في كل مكان.
ومنذ عدة سنوات، بينما كانت تدير الولايات المتحدة عجزًا في الميزانية يبلغ نصف تريليون دولار أمريكي سنويًا وكانت الحكومة الفيدرالية تزداد تضخمًا -عشية أزمة عام 2008، كان الإنفاق التقديري الفعلي خلال فترتي حكم جورج دبليو بوش قد تزايد بنسبة 44% - تم استبعاد احتمالية عجز واشنطن عن سداد ديونها. فقد قيل طالما أن واشنطن تمثل العملة الاحتياطية للعالم، فإن وزارة المالية الأمريكية يمكنها أن تواجه أي أزمة ببساطة من خلال طباعة النقود.
وبعد مرور عام على إدارة أوباما، لم يعد الاقتصاديون والمستثمرون يستخفون بإمكانية عجز الولايات المتحدة عن الوفاء بديونها. فالمسئولون في الصين ـ التي تعتبر المقرض الأول للولايات المتحدة والتي ينظر إليها بشكل متزايد على أنها خصم محتمل وليس شريكاً لأمريكاـ يرون أن أيام اعتبار الدولار الأمريكي عملة معتمدة عالميًا أصبحت معدودة. وفي أواخر العام الماضي، دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى نظام مالي عالمي جديد أغفل فيه الدولار الأمريكي بشكل واضح. وهناك تقارير تفيد أن بعض صناديق الثروة السيادية الضخمة تقوم بتنويع احتياطيها من النقد الأجنبي بعيدًا عن العملة الأمريكية.
إذا تأملنا هذه التصريحات كل على حدة، سوف نشعر بأنها لا تعني الكثير.. لكن عندما ننظر إليها مجتمعة، نجد أنها تعكس قلقًا متزايدًا بأن يتراجع الدولار الأمريكي، الذي كان في يوم من الأيام عملة قوية، وذلك بسبب انتكاسة الاقتصاد الأمريكي في الوقت الحالي.
يقول موريس جولدشتاين، وهو زميل في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي،: "يزداد المستثمرون قلقًا من هذا الوضع. والسؤال هو: هل تعتقدون أن ميزانية أوباما يمكن أن توقف العجز؟ إذا كانت إجابتكم بالنفي، فإن توقع زيادة العجز المالي يعني زيادة طويلة الأمد لأسعار الفائدة، خصوصًا إذا كان الدولار يتراجع. لذلك من المهم إقناع الناس بأن هذا الأمر مأخوذ في الحسبان".
والأمر الجيد بالنسبة للاقتصاد العالمي، أن الصين قد تعافت من التأثير المباشر لأزمة الائتمان وخففت، إلى حد كبير، عن كاهل الولايات المتحدة دورها كمحرك للنمو العالمي. فمع بلوغ إجمالي الناتج المحلي 4.3 تريليون دولار أمريكي، سرعان ما ستحل الصين محل اليابان كثاني أكبر اقتصاد عالمي.. لكن إجمالي الناتج المحلي لديها لا يزال أقل من ثلث حجم إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة. وهذه أخبار جيدة خصوصًا بالنسبة للمناطق النامية مثل الشرق الأوسط الذي أصبحت الصين مصدرًا هائلًا للاستثمار وشريكًا تجاريًا أساسيًا له.
ومهما كان انبهارنا بصعود نجم الصين، فإنه لا يستعصي على الانهيار. فعاجلًا أو آجلًا، سوف تتراجع دورة النشاط التجاري في البلاد.. ويواجه البلاد شبح تضخم محتمل، حيث تدخل أسعار العقارات والأسهم منطقة الفقاعة. وسوف تُضطر بكين إلى زيادة قيمة عملتها مقابل الدولار الأمريكي في محاولة للحد من التضخم، وهو تحول حساس يمكن أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار إذا لم يتم إدارته بشكل جيد.
بيد أنه يبقى التركيز قصير الأمد منصبًا على الولايات المتحدة. والقلق المثار حول حجم الديون الأمريكية بالغ الضخامة لا يعدل القلق بشأن تدهور الكيان السياسي لواشنطن. وفي تحرك غير معتاد، تضمن تصور الميزانية الذي وضعته إدارة أوباما رؤية مستقبلية على مدى عشر سنوات حيث تم تقدير متوسط العجز السنوي على مدار العقد القادم بنحو 1 تريليون دولار أمريكي. وكرد فعل لذلك، قضى أعضاء الكونجرس قدرًا كبيرًا من الأسبوع التالي في محاولة لإنقاذ مشروعاتهم المفضلة، بما في ذلك أنظمة الأسلحة المكلفة التي اعتبرها البنتاجون غير ضرورية. وباختصار، لم تبذل واشنطن الجهد الكافي لطمأنة المستثمرين بأنها تأخذ مسألة خفض عجز الميزانية بجدية شديدة.
ويستشهد المتفائلون بالأداء التعويضي لأمريكا في فترة التسعينيات عندما حقق الاقتصاد القوي – المدفوع بازدهار عالي التقنية يمكن أن يواجه إفلاسًا في نهاية الأمر - نموًا أخرجه من عجز الميزانية ليدخل الألفية الجديدة بفائض ملائم، ومع ذلك، فإن أزمة الديون الضخمة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم هي الأكبر منذ عام 1950، وحتى تستعيد الولايات المتحدة بعض الاستقرار المالي، فإن الأمر يتطلب منها نوعية القيادة والشجاعة السياسية التي تفتقر إليها واشنطن.
ووفقًا لميزانية أوباما، فإن نسبة الديون إلى إجمالي الناتج القومي سوف ترتفع إلى 77% بحلول عام 2020. ومما يزيد الأمر سوءًا أن جيل "البيبي بومر" وهم مواليد حقبة ما بين 1945 و1960 يبدأون بالفعل في التقاعد. وسوف تنكمش برامج الاستحقاق القومية (الإعانات التي تُمنح للأفراد الذين تتوفر فيهم متطلبات الاستحقاق المحددة قانونًا) حيث إن عددًا متزايدًا من المتقاعدين يسحبون من حساباتهم أكثر مما يودعه الأفراد الذين هم في سن العمل. وتقدر صحيفة الإيكونوميست فجوة التمويل طويلة الأمد فقط بالنسبة للرعاية الصحية وخطة الرعاية الصحية القومية للكبار بـ 36 تريليون دولار أمريكي. والرعاية الصحية إضافة إلى الضمان الاجتماعي وخطة التقاعد القومية والميديكيد (برنامج مدعم للمساعدة الطبية للفقراء) تمثل ثلثي الميزانية.
وتشير بعض الدراسات إلى أن غياب النفقات الإجبارية من الإصلاحات الأساسية سوف تزيد، على الأرجح، من تعثر الميزانية الأمريكية بحلول عام 2020، ويحذر الاقتصاديون أنه بعد عقد من عام 2020، يتوقع أن تصل قيمة الدين الحكومي إلى 100% من إجمالي الناتج القومي.
وبالطبع فإن الإصلاح يتطلب التفاوض والتنازل. وبعد أن شاهدنا المشرعين الأمريكيين يجهدون أنفسهم دون نتيجة بشأن خطة الرعاية الصحية الأمريكية، لا يأمل الاقتصاديون في أن يتمكن الكونجرس من الإقدام على الخيارات الصعبة الضرورية لإنقاذ الاقتصاد من مخاطر التعرض للإفلاس. وعلى أقل تقدير، يخشى الكثيرون الانحدار نحو ركود جديد، متبوعًا بنمو بطيء.
كانت العقود العديدة الماضية مليئة بنبوءات غير محققة عن تراجع أمريكا كقوة عظمى، بدءًا من فترة الخمسينيات عندما ألهت "الحركة اليمينية للتحذير الزائف من المخاطر" الحكومة الأمريكية عن تفوقها وسيادتها الواضحة على الاتحاد السوفيتي، وفي فترة الثمانينيات، كان من المفترض أن تحل اليابان محل الولايات المتحدة في قيادة العالم اقتصاديًا. ويتوقع الخبراء أن الصين هي التي ستتولى هذا الدور قريبًا.
وهناك بعض الطرق التي ستسلكها الولايات المتحدة قبل أن تصبح مجرد قوة عالمية بين قوى عدة. فالنفوذ الذي تحقق باقتصاد قوامه 14 تريليون دولار لا يمكن التخلي عنه بسهولة. لكن واشنطن أثبتت بوضوح أنه حتى أكثر دول العالم قوة لا يمكن أن تضعف اقتصاديًا دون أن تفقد نفوذها السياسي بموازاة ذلك.


