عودة الملك
عودة أسواق الذهب للازدهار
تاريخ النشر: الاثنين 28 يونيو 2010 تم التحديث: الاثنين 28 يونيو 2010
بالرغم من أنه كان ينظر إلى الذهب كصمام أمان خلال فترة ما بعد بريتون وودز، إلا أن أداء أسواق الذهب تضائل مقارنة بالأسواق المالية المتنامية والطفرة في أسعار سوق العقارات وغيرها من المشتقات الجديدة ذات القيمة العالية. ولكن خلال السنوات الثلاثة الماضية عاد الذهب للظهور من جديد كملاذ آمن للمستثمرين، فذكريات الكارثة الاقتصادية التي لا تزال ملتهبة في أذهان المستثمرين ومن المرجح جدًا أن تزيد من أهمية الموجودات المدعومة بالذهب في المستقبل القريب.
لقد مضى قرابة الأربعين عامًا على استبدال ريتشارد نيكسون للذهب بالدولار كعملة تعامل رسمية. وفي ظل استمرار الأزمة الاقتصادية الحالية والخوف من المزيد من الفوضى في النظام المالي العالمي، نرى أن الذهب قد عاد كملك النظام النقدي مرة أخري. تاريخيًا، كان ينظر إلى الذهب على أنه ملكية آمنة مقارنة بالموجودات الورقية كالأوراق المالية والسندات والعملة الرسمية. فانتشار الأوراق المالية الدخيلة على السوق وغيرها من الأدوات المالية " الالكترونية " في العقود الأخيرة يتناقض مع الإصرار الثابت والمستمر على تواجد كميات مستقرة من الذهب في العالم. ولفترة طويلة من الزمن خلال فترة مابعد بريتون وود , عانى سوق الذهب من أداء باهت مقارنة مع الأسواق المالية النامية وطفرة أسعار السوق العقاري والمشتقات الجديدة ذات القيمة العالية. بدأ مستثمرو القطاع الخاص الذين عزفوا عن الذهب وحتى الجماعات الرزينة من مسئولي البنوك المركزية والذين عادة يمثلون التفكير المحافظ والبعيد المدى بإطلاق احتياطات الذهب في متابعة منهم للأداء العالي للموجودات ذات فائدة عالية. وعلى كل حال، فعلى مدار السنوات الثلاثة الماضية عاد الذهب من جديد كملاذ آمن للمستثمرين. وأدت عودته الأخيرة إلى إنهاء ثلاثة عقود من الهبوط الذي شهدته أسعار الذهب كما عكست الانخفاض في أسعار فائض البنوك المركزية وأنعشت من جديد الاستثمار في سوق الذهب. فسعر الذهب الذي اتخذ منحى تصاعديًا منذ عام 2005 قد ارتفع بشكل حاد ويصل سعر الأونصة حاليًا إلى 1.200 دولار. بعض التحولات الكبيرة في مصادر العرض والطلب على الذهب تؤكد هذه الاحتمالات المتغيرة . فقد الثورة الحقيقية على صعيد الطلب حيث أن الدور التقليدي المسيطر للمجوهرات كان قد انهار في مواجهة الأزمة الاقتصادية وعاد الذهب كاستثمار للظهور من جديد.
انخفض الطلب على المجوهرات والتي شكل الذهب منها بالأصل 80 بالمائة في أوائل عام 2000 بنسبة تصل إلى أكثر من 50 بالمائة بحلول عام 2009. وفي الوقت الذي أبقي فيه السعر المرتفع للذهب على قيمة قطاع المجوهرات العالية – حوالي 54 مليار دولار وهي ثاني أعلي إجمالي سنوي على الإطلاق إذ ارتفعت من 29 مليار دولار عام 2000 – فإن الـ1747 طنًا من الذهب التي استخدمت كحلي عام 2009 تعتبر انخفاضًا بنسبة 50 بالمائة تقريبًا من الـ3204 طن التي استخدمت للغرض ذاته عام 2000. وعلى النقيض، فإن الطلب على الذهب لأغراض الاستثمار في ظل ظهور رؤوس أموال سوق تداول العملات exchange –traded – funds الذي يبدأ عام 2002. ويشكل استثمار الذهب حاليًا 38 بالمائة من حجم الطلب على الذهب أي بارتفاع من 4 بالمائة فقط عام 2000.
هذه التغيرات في حجم الطلب كانت لها تبعاتها على صعيد العرض في سوق الذهب حيث يأتي عرض الذهب أصلًا وبشكل أساسي من التعدين وإعادة تصنيع الذهب ومن مبيعات القطاع الرسمي. ويعتبر إنتاج الذهب من المناجم عملية رأسمالية مكثفة للغاية فالحصول على أونصة واحده من الذهب يحتاج إلى إزاله طن من الأتربة من الناجم. ومع ارتفاع أسعار الذهب فإن عمل المناجم أصبح أكثر ربحية بينما كان ارتفاع الإنتاج ضعيفًا. ومع ذلك، ونظرًا لأن تشغيل خطوط الإنتاج في مناجم جديدة يستغرق وقتًا طويلًا فإن إجمالي عرض الذهب المنتج من المناجم تراوح فقط ما بين 2000-2200 طن سنويًا خلال السنوات العديدة الماضية. ومع ارتفاع سعر الذهب، تناقصت مبيعات الذهب من القطاع العام تدريجيًا بالإضافة إلى صافي مشتريات الذهب خلال الثلاثة أرباع الماضية من العام مقابل حجم مبيعات سنوي طبيعي يزيد عن 400 طن في السنوات السابقة. ومع تراجع مبيعات القطاع الرسمي، فإن التحرك الكبير والأكثر مبيعًا في الشارع هو نمو إنتاج الذهب المعاد تصنيعه فقد ارتفع الإنتاج مما يسمى بالذهب الخردة الذي يتم صهره من المجوهرات الموجودة أصلًا ومن مصادر أخرى من 23 بالمائة من عرض الذهب من عام 2002 إلى 40 بالمائة العام الماضي .
والسؤال الذي يطرح نفسه هو، بما تنبئ التوجهات بالنسبة للمستقبل؟ على صعيد الطلب، فإن نمو الطبقات الوسطى في المجتمعات الصينية والهندية وانجذابها التقليدي للذهب سيستمر في دعم كل من سوق المجوهرات والطلب على الاستثمار بالذهب وهو ما عوض عن تراخي الاهتمام بالذهب المزخرف في بلدان الاقتصاديات المتقدمة. ومع كل ذلك فإن الذهب كاستثمار يبدو وكأنه جعل من نفسه سوقًا رئيسيًا وربما على نحو دائم. ومن المؤكد أن العودة إلى بيئة اقتصادية عالمية أكثر استقرارًا وثباتًا ستؤدي إلى إعادة توازن للمحفظات الاستثمارية والانخفاض في المقبوضات من الذهب. وعلى كل حال، فإن الكثير من المستثمرين الذين لم يسبق لهم أن يعتبروا الذهب خيارًا آمنًا وقابلًا للبقاء سيتعاملون مع الذهب الآن على أنه استثمار يتصف بالدوران المعاكس وحقيقة أن سوق الاستثمار في الذهب عام 2009 قد استدعى توفير 40 مليار دولار كقيمة استثمارات مرتبطة بالذهب هي شهادة على كل من الرغبة في الاستثمار في هذا السوق ونجاحه كذلك. ومن حيث العرض فإن الوضع أكثر محدودية ، وذلك لأن مناجم الذهب الحالية مستقرة نسبيًا كما أن المناخ الاقتصادي الحالي قد ذكر القائمين على البنوك المركزية بالمزايا النقدية للاحتفاظ بالذهب.
مارك دكنفيلد - أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بكلية الحرب الجوية الأمريكية – قاعدة ماكسويل الجوية
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر كلية الحرب الجوية الأمريكية أو وزارة الدفاع الأمريكية


