نفاد الطاقة زهيدة الثمن في دول مجلس التعاون الخليجي
توشك معظم دول مجلس التعاون الخليجي على فقدان خياراتها من أجل الاستمرار في إمداد اقتصادها المتنامي بالمزيد من الغاز زهيد الثمن.
لقطة من الجو للمنصة النفطية البحرية الإيرانية "بلال" الواقعة في الخليج العربي قرب المياه الإقليمية لدولة قطر.
تاريخ النشر: الخميس 29 يوليو 2010 تم التحديث: الخميس 29 يوليو 2010
أوضح الخيارات المتاحة هي قطر وإيران، ولكن يقوض السعر والسياسة أية فرصة في التفاوض حول كميات كبيرة من الإمدادات على المدى القصير. ويشير هذا حتما إلى ارتفاع تكاليف الطاقة ويستدعي تخطيطا حذرا في المستقبل.
يواجه بعض أكبر منتجي النفط في العالم و يجمعهم مجلس التعاون الخليجي ارتفاع تكاليف الطاقة في المستقبل، حيث بدأت ندرة الغاز الطبيعي زهيد الثمن، وسوف يتعين استخدام البدائل الأغلى سعرا لتوفير الوقود للنمو الاقتصادي الشره في المنطقة. لا يتوقف الأمر على صعوبة الحصول على الغاز، بل في الحقيقة، تملك المنطقة نسبة كبيرة من الإنتاج والمخزون العالمي. ولكن لم تلب زيادة الإنتاج الإقليمي، التي وصلت إلى سبعة أضعاف على مدار 25 عاما، النمو المتزايد أيضا في الطلب لتنفيذ عقود تصدير الغاز طويلة المدى، وتعزيز سبل الحصول على النفط، ودعم توليد الطاقة، وبناء سعة صناعية بتروكيماوية ضخمة. ومن المؤكد في الوقت الحالي أن مجموعة من القرارات الاقتصادية والجغرافية السياسية قد اتخذت لتحرم في النهاية كلا من المملكة العربية السعودية والكويت وعمان والبحرين والإمارات العربية المتحدة من الحصول على إمدادات ضخمة من الغاز من الدولتين الجارتين (إيران وقطر)، وهما أرخص الخيارات وأكثرها أمانا. كان هذا المخطط قيد الإعداد منذ فترة طويلة. وقد حاولت دول مجلس التعاون الخليجي بلا جدوى التفاوض على مدار عقدين تقريبا مع إيران وقطر، وهما معا يملكان نحو 30 في المائة من مخزون الغاز في العالم. ولكن عرقلت الخلافات حول السعر، بالإضافة إلى المنافسات الإقليمية والنزاعات حول الحدود، معظم الجهود المبذولة حتى الآن. وفي الوقت ذاته، من المتوقع أن يستمر الطلب الإقليمي على الكهرباء في الازدياد بنسبة 6 في المائة سنويا، ولا يصل الغاز بالسرعة الكافية ليغذي مصانع البتروكيماويات والطاقة وتنقية المياه المدعمة في المنطقة، حيث أجبرت دول مثل الكويت على وضع أولوية للطاقة قبل الإنتاج الصناعي. وكانت النتيجة هي أن دول مجلس التعاون الخليجي أصبحت تعاني من ضغوط شديدة للبحث عن مورد جديد للطاقة سريعا؛ لأن إيران وقطر لن يكون لديهما فائض من الغاز لتصديره على المدى القصير. في بداية العام الحالي، خصصت قطر إمدادات أحد أحدث مشروعي غاز غير مخصصين لديها لتلبية الطلب المحلي. ويساوي ذلك نحو 17 في المائة من إنتاجها السنوي وأكثر من إنتاج الكويت أو البحرين من الغاز في عام 2009. ولن يدخل المشروع المتبقي في خط الإنتاج قبل عام 2015، بينما من المتوقع أن يظل قرار توقيف الاستكشافات الجديدة في حيز التنفيذ على الأقل حتى يحل هذا الموعد. وتتصل قطر، التي تعالج ثلاثة أرباع إنتاجها من الغاز من أجل تصديره كغاز طبيعي مُسال بموجب عقود طويلة المدى، عبر خط أنابيب، بالإمارات وعمان من خلال «مشروع دولفين» في صفقة سياسية إجبارية. وقد تم الانتهاء منه عام 2007. وفي الواقع، تدعم قطر النمو الصناعي لجيرانها بقبول ربع القيمة السوقية مقابل الغاز. وقد أحبط مشروع مماثل كان سيصل قطر بالبحرين والكويت عبر أنابيب عام 2006، عندما منعت السعودية استخدام مياهها الإقليمية. ومنذ ذلك الحين، أصيبت قطر بالإحباط لمعارضة جيرانها تسديد ثمن الغاز الصادر منها. أما بالنسبة لإيران، فقد وقّعت في الشهر الماضي عقد تصدير غاز مدته 25 عاما مع باكستان، لتصدير ما يقرب من 60 في المائة من إنتاج الكويت أو البحرين. ويجعل الطلب المحلي لديها والعقوبات من غير المرجح عقد صفقات تصدير إضافية كبرى على مدار الأعوام المقبلة. ولم تتوقف الجمهورية الإسلامية، التي تصدر غازا إلى تركيا أقل مما تستورده من دول آسيا الوسطى، على الإطلاق، عن المفاوضات مع جميع دول مجلس التعاون الخليجي، فيما عدا السعودية. ولكن عرقلت الخلافات السياسية الجغرافية والسعر جميع المفاوضات من جديد. وفي الوقت الحالي، تقترب الإمارات والكويت من توقيع اتفاق مع طهران، ولكن كان يتم الإعلان عن تصريحات مماثلة في الماضي. وفي الحقيقة، يعمل مجلس التعاون الخليجي على رسم خطط للطوارئ للتعامل مع أي نقص في الطاقة في المستقبل. وتريد الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بناء أسطول نووي. وتتحول عمان إلى استخدام الفحم. بينما تريد كل من البحرين والكويت حصة من الطاقة النووية من جيرانهما، كما ستلجآن إلى واردات الغاز الطبيعي المُسال، إضافة إلى أن جميع تلك الدول تستثمر في مجال الطاقة المتجددة إلى حد ما. وبغض النظر عن ذلك، فإن بدائل الغاز القطري والإيراني أعلى تكلفة وتستغرق مزيدا من الوقت لتطويرها. وسيكون على المنطقة أن تخطط لمدة عقد على الأقل لارتفاع تكاليف الطاقة، سواء كان السبب هو استهلاك مزيد من النفط بدلا من تصديره (لأن إنتاج النفط ينخفض مع انخفاض كمية الغاز المستخدم في زيادة معدلات استخلاص النفط)، أو كان السبب ارتفاع تكلفة إمدادات الطاقة الأخرى عن الغاز الطبيعي. والسؤال المطروح: كيف سيكون رد فعل الحكومات؟ يهدد تقديم المزيد من الدعم للسعر باستنزاف لا يمكن تبريره في ميزانية الإنفاق العام المفرط السخاء، مع إلغاء جميع الحوافز المقدمة لإنتاج المزيد من الغاز الطبيعي. والأهم من ذلك هو أنه سيؤدي بالتأكيد إلى زيادة في طلب الغاز، كما هو الحال حتى الآن، مما يفاقم أزمة الطاقة. ولكن تعد المخاطر السياسية لتقليل التكاليف هائلة، وقد تفقد الصناعات المحلية ميزتها التنافسية الأساسية على المستوى الدولي. ولكن في النهاية يصبح الأمر مسألة وقت، قبل أن تصبح تكاليف الطاقة قضية سياسية واقتصادية تتطلب توازنا حذرا. ماذا ستفعل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بشأن العجز المتزايد الذي سيكون عليها تسديده للحفاظ على نموها الاقتصادي القائم على الطاقة زهيدة الثمن؟ أليس استيراد الغاز من قطر وإيران أقل سعرا، حتى بأعلى سعر لهما، من أية خيارات أخرى متاحة؟ ما زال على دول مجلس التعاون الخليجي المتعطشة للغاز أن تلبي الطلب المستقبلي من الطاقة، وسيكون عليها اللجوء إلى بدائل أعلى تكلفة، مثل الطاقة المتجددة أو استيراد الغاز الطبيعي المُسال بأسعار أعلى من تلك التي ترغب إيران وقطر في التفاوض حولها. وحتى في حالة الإمارات العربية المتحدة، التي ما زالت تملك احتياطيا غير مستغل من الغاز الحامضي، من المرجح أن تكون تكاليف تطوير مشاريع جديدة باهظة الثمن مثل استيراده من الدول المجاورة. وفي الحقيقة، في بداية العام الحالي، انسحبت شركة «كونكوفيليبس» من عقد غاز حامضي قيمته 12 مليار دولار بسبب مخاوف من أن الأسعار الاستهلاكية والصناعية المدعمة في الإمارات ستقلل من الأرباح. وهكذا لا يمكن تجنب التكاليف الإضافية، على الأقل على المدى القريب. وأقل دول المنطقة المعرضة لهذا الخطر هي المملكة العربية السعودية، وذلك بفضل سعة إنتاجها الهائلة لفائض النفط مما يمنحها بعض المرونة في خياراتها. ولكن على الرياض أيضا أن توضح أسباب لجوئها إلى حرق إنتاجها المربح من النفط لتوليد طاقة مدعمة مع تكبد خسارة فادحة.
* أندريا كالا - صحفي مستقل مقيم بمدريد.


