طريق السودان الجديد
حوار الشمال و الجنوب خطوة لتقويض التوتر في السودان
تاريخ النشر: الجمعة 29 يناير 2010 تم التحديث: الجمعة 29 يناير 2010
اتفاقية السلام الشامل التي أنهت الحرب الأهلية في السودان أصبحت الآن في مفترق طرق. والانتخابات التي ضمنتها الاتفاقية تعد بمثابة فرصة لتحقيق الاستقرار الضروري، خصوصًا لكون الاستفتاء الشعبي حول مستقبل منطقة الجنوب قد أصبح وشيكًا. ومع ذلك، تشير الظروف الحالية إلى أن الانتخابات المنتظر إجراؤها في أبريل/نيسان من غير المحتمل أن تبدأ في بناء المؤسسات بالصورة الضرورية لتحقيق المصالحة.
بعد عقود من الحرب الأهلية، حصل السودان على الفرصة المناسبة لتنفيذ مجموعة من التدابير التحويلية التي من شأنها أن تؤدي إلى معالجة المظالم التي كانت السبب وراء الصراع. فقد كان اتفاق السلام الشامل الذي تم توقيعه في عام 2005، بين الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب، وحكومة حزب المؤتمر الوطني، وسيلة لتحقيق آمال السودانيين التي فشلوا في تحقيقها منذ الحقبة الاستعمارية، والمتمثلة في الحق في تقرير المصير.
ولم تكن أهداف اتفاق السلام الشامل مقصورة على ضمان نزاهة انتخاب المسئولين الحكوميين على جميع المستويات، بل كانت هذه الانتخابات خطوة صغيرة في طريق الاستفتاء الذي من شأنه أن يسمح للجنوب بالاختيار بين بقاء جزء من السودان، أو الانفصال وإقامة دولتهم المستقلة. وفي حين أن اتفاق السلام الشامل قد نجح في وضع حد للحرب الأهلية، فإنه لم يفلح في تحقيق الكثير من أهدافه، إن لم يكن معظمها.
وكان التأجيل المتكرر للانتخابات أحد الأمثلة على الفشل الذي مني به اتفاق السلام الشامل، بالإضافة إلى القرار الخاطئ الذي تم اتخاذه بشان اقتصار الانتخابات على منصب الرئيس بدلًا من أن تشمل الهيئة الإدارية برمتها. فقد تم تأجيل الانتخابات التي كان من المقرر أن يتم إجراؤها قبل نهاية يوليو/تموز 2009، لكي يتم عقدها في أبريل/نيسان، بعدما تم تأجيلها ثلاث مرات من قبل.
وأدى العجز الواضح للحكومة، والمجتمع الدولي، عن الوفاء بالمواعيد النهائية التي حددها اتفاق السلام الشامل إلى إضعاف مصداقية واحترام الدستور، وقوض من إمكانية ضمان استقرار السودان. وتعد التحديات التي يواجهها السودان الآن درسًا مهمًا في عملية بناء السلام. ولو أننا أعدنا النظر في المظالم التي أدت إلى حدوث الحرب الأهلية في المقام الأول، سنجد أن حرمان المجتمعات المحلية من حقوقها السياسية كانت السبب الرئيسي وراء اشتعال الصراع، وقد أدى انعدام الثقة في السنوات اللاحقة الذي ساد الحياة السياسية السودانية، خاصة بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب المؤتمر الوطني، إلى زيادة أهمية إجراء انتخابات شرعية، حتى يتمكن اتفاق السلام الشامل من تعزيز عملية السلام.
ومع ذلك، فقد لاحظ المراقبون مرارًا وتكرارًا أن هناك احتمالًا ضعيفًا في أن يتم إجراء انتخابات حرة ونزيهة وسلمية. فقد أعربت الولايات المتحدة عن قلقها إزاء الزيادة التي حدثت أخيرًا في تدفق الأسلحة إلى جنوب السودان، الذي يتمتع بشبه حكم ذاتي، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة. كما أكدت التقارير التي صدرت أخيرًا عن منظمة أوكسفام ومنظمة هيومن رايتس واتش أيضًا أن السودان يعاني من انعدام الأمن، حيث حذرت منظمة هيومن رايتس وتش من أن قمع المعارضين السياسيين في شمال السودان وجنوبه شبه المستقل قد أصبحت صارخة، خاصة مع استهداف كلا الجانبين للمعارضة.
وقد لاحظ توماس إدوارد من معهد شاثام هاوس أن الإجراءات التي تهدف إلى مساعدة الشعب السوداني "من الممكن أن تؤدي لإثارة العنف" .. حيث تمثل الانتخابات المزمع عقدها مفترق طرق مهمًا في تاريخ السودان، مما يجعل أي شك في عدم شرعيتها يؤثر بشكل سلبي على الاستفتاء الذي سيعقبها. وعلاوة على ذلك، كما يلاحظ توماس في تقريره الذي كتبة أخيرًا، والذي يحمل عنوان "القرارات والمواعيد النهائية: عام الحسم بالنسبة للسودان"، أنه بالرغم من أن الحركة الشعبية لتحرير السودان كانت تحبذ في البداية رفض الانفصال، فإن "الإدراك الذي ساد على نطاق واسع في جنوب السودان بأن الحكومة المركزية قد فشلت في اغتنام الفرصة لإصلاح نفسها قد عزز من قوة تلك القيادات الموجودة في الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي تميل لتأييد الانفصال". ومن المؤكد أن هذا التصور السلبي للحكومة في الجنوب سيزداد قوة لو شاب العملية الانتخابية أي ريب في نزاهتها وشرعيتها، كما من الممكن أن يؤدي احتمال تكرار نفس الأخطاء عند إجراء الاستفتاء إلى حرب طاحنة لا يحمد عقبها.
ويعد توجيه أصابع الاتهام لعبة غير حاسمة في هذه الحالة، لأن كلا الطرفين قد أهمل القيام بأمور تعتبر في غاية الأهمية لتعزيز مصداقية العملية الانتخابية. فكلا الطرفين قد أهمل الاهتمام بمشاكل ناخبيهم. وفي بلد يعاني من نسبة عالية من الأمية، تعد برامج التربية المدنية ضرورية لضمان حصول المدنيين على فكرة دقيقة عن الخيارات المتاحة أمامهم. وعلاوة على ذلك، يعد ارتباط العديد من الوظائف الإدارية بالجماعات المسلحة من الأمثلة المهمة على إخفاق الأطراف المحلية في الالتزام بتعزيز الاستقرار.
وإذا لم تكن كل هذه الظروف كافية، فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان قد فاجأت الكثيرين بالتخلي عن فكرة تعزيز ما سمته جريدة الإيكونومست بـ"إستراتيجية حقيقية للانتخابات الوطنية". فمع توقع إعادة انتخاب الفريق عمر البشير من حزب المؤتمر الوطني، يشك الكثيرون، في أن الحركة الشعبية لتحرير السودان سوف تقدم مرشحًا لها. وتعتبر الكثير من المجموعات العرقية هذا التصرف نوعًا من السلبية من جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان، خاصة أن هذه المجموعات كانت مهمشة سياسيًا من قبل حزب المؤتمر الوطني، وكانت ترى في الحركة الشعبية لتحرير السودان وسيلة لتحسين الأوضاع المتردية. ولكن بدلًا من ذلك، يبدو أن الحركة الشعبية لتحرير السودان تعتمد على الاستفتاء وعلى أمل أن الانفصال سوف يضمن لهم الوصول للسلطة التي من المؤكد أن هذه الانتخابات لن تمكنهم من الحصول عليها.
ولكن ماذا عن عمر البشير؟ إن لعبة إلقاء اللوم على الآخرين لن تكتمل بدون القيام بمناقشة جادة حول كيف سيسمح السودان، والمجتمع الدولي، بإعادة انتخاب رجل متهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وإذا كان الغرض الرئيسي من اتفاق السلام الشامل هو السماح للمؤسسات الديمقراطية بالقيام بعملية مصالحة بين مختلف الجماعات التي كانت في حالة حرب في السودان، فإن السماح لعمر البشير، المتهم بمحاولة القضاء على القبائل غير العربية من دارفور، بقيادة البلد، يتنافى تمامًا مع المبادئ التي قام عليها اتفاق السلام الشامل. ومع ذلك، فإن الجهود التي تقوم بها المحكمة الجنائية الدولية لتعزيز عملية السلام في السودان، ينظر إليها أهل الشمال على أنها مجرد خدعة استعمارية جديدة. والحقيقة المؤكدة هي قبضة المؤتمر الوطني القوية على السلطة، والذي يتبعه البشير، سيوفر للبشير الحماية الأزمة، على الأقل في الوقت الحاضر، من المساءلة حول الإبادة الجماعية التي وقعت في دارفور.
وعلى الرغم من عدم ثقة البعض في تحقيق اتفاق السلام الشامل للآمال المرجوة منه، فلا تزال هناك مجموعة من الطرق التي يمكن أن يؤدي اتباعها إلى تعزيز هذا الاتفاق. فالاتفاق يعد فرصة بالنسبة للمجتمع الدولي للبرهنة على مدى التزامه بتحقيق السلام، حيث تم تنفيذ اتفاق السلام الشامل بسبب الضغوط الدولية التي كان يواجهها السودان في ذلك الوقت. والسودان الآن بحاجة إلى هذا الضغط والموارد المصاحبة له، لتعزيز التدابير الموصى بها في اتفاق السلام الشامل.
وللأسف، فقد لاحظ العديدون كيف أن الأزمة التي وقعت في دارفور، والتي تزامنت مع توقيع الاتفاق، استنزفت الكثير من الموارد الدبلوماسية الموجودة في المكان. وعلى الرغم من أن هذه عقبة كبيرة يصعب التغلب عليها، فإنها لا تصلح أن تكون سببًا شرعيًا كافيًا لعدم التزام المجتمع الدولي. فينبغي أن تحاول مختلف الدول تحقيق الاستقرار في السودان، ولو حتى بغرض تحقيق مصالحها الخاصة في المنطقة. وقد أدركت الولايات المتحدة هذه المشكلة بشكل يثير الإعجاب، وأعلنت عن عزمها تطبيق سياسة جديدة بدءًا من أكتوبر 2009 توازن بين الحاجة لإنهاء العنف وبين الحاجة إلى دعم اتفاق السلام الشامل.
ولكن كالعادة، يجب أن تكون الحكومة الأمريكية حذرة في علاقتها مع السودان بحيث لا يؤثر ذلك على سياستها الداخلية. ونظرًا لأن جزءًا كبيرًا من مستقبل السودان سيظل رهنًا بما سيقرره كبار الساسة، يوضح إدوارد توماس إن سياسة الإقصاء التي تقوض استقراره يمكن أن تزداد سوءًا إذا ما اختار هؤلاء الساسة أن يزيدوا من انخراطهم واهتمامهم بالصراعات الدولية بدلًا من اهتمامهم بالشعب السوداني. وفي هذه الحالة، يمكن للجهات الفاعلة الإقليمية، بما في ذلك الاتحاد الإفريقي، أن تدعم السودان وتساعده على إتمام تنفيذ اتفاق السلام الشامل في المواعيد المحددة له. والأهم من ذلك، أن هذه الهيئات يمكنها تعزيز نوع من الحوار بين الأطراف المحلية والوطنية من شأنه أن يقوض التوتر الحالي السائد في السودان.
وأخيرًا، فإن هناك أملًا في أن يتمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يشجع على حدوث تحول سلمي، بغض النظر عن نتائج الانتخابات. فعلى سبيل المثال، فإن إبرام اتفاق نفطي يدعم على قدم المساواة كل من الشمال والجنوب سوف يكون آلية هامة لخلق حوافز لتحقيق المصالحة. فمن الممكن أن تؤدى مثل هذه المصالح المشتركة خلال الشهور القادمة إلى تقويض عدم الثقة الذي ساد العلاقة بين الطرفين.
ومستقبل اتفاق السلام الشامل متوقف على الانتخابات التي سيتم إجراؤها في أبريل/نيسان. ومع ذلك، فلا ينبغي أن نفقد الأمل، وينبغي أن يقوم اللاعبون على الصعيدين الوطني والدولي بدورهم للتأكد من أن بناء مؤسسات ديمقراطية يخلق الأسس لتحقيق المصالحة في هذا البلد الذي مزقته الحرب.



تعليقات
محمد عبد القوي
February 02 2010 04:31
الإبلاغ عن تعليق غير لائقمحمد عبد القوى - السودان