من الأجدر بقيادة العالم؟

التخبط سيحكم العالم اذا فشلت الحكومات في بناء التعددية

بقلم جاي دي جونكويريس

بالرغم من أن الساسة يدعون دائمًا إلى الجهود متعددة الأطراف باعتبارها أفضل سبيل لحل المشكلات العالمية، فإن تلك الجهود لا تكون فعالة بشكل دائم. والسبب في ذلك أن التحولات الكبيرة في الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي جعلت من الصعوبة بمكان التوصل إلى اتفاقيات دولية.

عقد من الزمان يفصل بين انهيار اجتماع منظمة التجارة العالمية في سياتل عام 1999، وقمة تغير المناخ التي عُقدت في كوبنهاجن في ديسمبر/كانون أول الماضي. وثمة تشابه بين الحدثين. فكلا الاجتماعين أعطيا وعودًا كثيرة ولم يحققا سوى القليل. وكلاهما كشف النقاب عن وجود فجوات عميقة بين الحكومات، كما انتهى كلاهما بتبادل الاتهامات اللاذعة.

ويُظهر هذان الحدثان كغيرهما من الأحداث الدولية الأخرى غير الحاسمة التي وقعت في الفترة التي تفصل بينهما، إلى أي مدى تبلغ صعوبة تحويل التزامات السياسيين الجديرة بالثناء ببذل الجهود متعددة الأطراف إلى واقع عملي. فبالرغم من وجود الرؤى والآراء التي تسعى إلى إيجاد حلول مشتركة للمشكلات الدولية، هناك غياب للإرادة القوية لتحقيق الأهداف المنشودة. فأين الخطأ إذن؟

لا تزال أفكارنا المتعلقة بالجهود متعددة الأطراف تتشكل عن طريق البنية الدولية التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد تجسدت هذه البنية في مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتفاق العام على التعريفات والتجارة. وجميع هذه المؤسسات تم إنشاؤها بطرق مختلفة لتعزيز النظام الدولي عن طريق تأسيس أطر متفق عليها من القواعد والسلوك. 

وقد نشأ مفهوم "الجهود متعددة الأطراف" القديم من ظروف خاصة وفريدة من نوعها كما يعتقد الكثيرون. ومن المفارقة أن تصميم وتعزيز مفهوم الجهود متعددة الأطراف يتطلبان المزيد من الهيمنة وفي هذا الصدد تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في صدارة القوى الدولية. ولم تقم الولايات المتحدة بوضع جدول الأعمال والتوجيه والتنظيم للدول الأخرى فحسب، ولكنها قامت أيضًا بممارسة نوع من القيادة البناءة عن طريق تبني رؤية واعية وطويلة الأمد لمصالحها الخاصة بما يتجاوز المصلحة الوطنية قصيرة الأمد.

ومع ذلك، فإن نهاية الحرب الباردة قللت من أهمية كل من الأساس الجغرافي والسياسي المتعلق بالسياسات واستعداد الناخبين الأمريكيين لدعمها. وفي غضون ذلك، كانت أوروبا قد أصبحت كيانًا اقتصاديًا قويًا لا يستهان به. وظهرت قوى اقتصادية جديدة كان في مقدمتها اليابان وحاليًا الصين لتتحدى الهيمنة الأمريكية. وشجع ارتفاع أسعار النفط على تعزيز الجهود الدبلوماسية من قبل الدول المصدرة للطاقة. ونشرت العولمة الرخاء في ربوع واسعة من العالم المترابط بشكل كبير.

ولكن لم تتقدم أية دولة لتحل محل الولايات المتحدة في قيادة العالم. ولن يحدث ذلك قريبًا على الأرجح. فالاتحاد الأوروبي يفتقر إلى التماسك والقوة السياسية اللازمة. ولا تريد الصين ولا الهند تحمل التكاليف والمسئوليات التي تترتب على  تلك القيادة، حيث تشغلهما على حد سواء التحديات في الداخل. وتبدو اليابان متحفظة بالمثل. وفي جميع الأحوال، لن تكون أحد هذه البلدان الآسيوية مقبولة لقيادة العالم حتى من قبل الآخرين في منطقتها.

ونتيجة لذلك، تفرق النفوذ بين مراكز قوى مختلفة، ولا يمكن لأحد أن يخضع الآخرين وفقًا لإرادته، ولكن يتطلب الأمر موافقة الجميع للتوصل إلى اتفاقات متعددة الأطراف. وتسبب هذا الأمر في خلق توترات خطيرة بين شرعية المؤسسات العالمية، فيما يتعلق بشموليتها، وكفاءتها في صنع القرار. حتى الأطراف الثانوية نسبيًا يمكنها الآن استعراض قوتها، ومنع حدوث إجماع في الآراء، كما حدث في قمة كوبنهاجن، وأيضًا في جولة منظمة التجارة العالمية المتعثرة التي أقيمت في الدوحة.

وحلت مجموعة دول العشرين مكان مجموعة دول الثماني القديمة كأبرز منتدى اقتصادي عالمي. وتعتبر المجموعة أحدث محاولة للتوفيق بين تلك التوترات. فحتى الآن، يتماسك مختلف أعضاء المجموعة معًا في مواجهة الأزمة الاقتصادية. ولكنه من غير الواضح ما إذا كانت المجموعة ستصبح أكثر فعالية من مجموعة دول الثماني كمحفز للعمل المشترك الحاسم حال ما تنتهي الأزمة.

وعلاوة على ذلك، هناك عزوف متزايد بين الحكومات عن الإذعان لقواعد خارجية ملزمة. واعتاد هذا الأمر أن يكون من اختصاص الولايات المتحدة. لكنه انتشر الآن على نطاق واسع. ويفسر ذلك، إلى حد ما، المشكلات التي طرأت في قمة كوبنهاجن، وفي محادثات الدوحة، حيث لا ترغب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الالتزام بحدود قصوى واجبة النفاذ من منظمة التجارة العالمية على دعهم الحالي في مجال الزراعة، حيث إن البلدان النامية سوف تحدّ من رسومها الجمركية عند المستويات الحالية.

وربما كانت طموحاتنا مبالغًا فيها. فالأرجح أن أهداف قمة كوبنهاجن كانت آمالًا غير واقعية، بينما بدت الحالة الاقتصادية لجولة الدوحة مثيرة للتساؤل دائمًا. ولكن إذا كان المفهوم الجديد "للجهود متعددة الأطراف" " سيصبح أكثر من ذريعة لمواقف سياسية فارغة، وتحقيق أهداف معينة، فإنه ينبغي تعلم دروس أخرى.

واحد من هذه الدروس هو ضرورة بناء الثقة. وقد أزالت العولمة الحواجز وجعلت اقتصادات الدول أكثر ترابطًا. لكن السياسة لم تواكب الأمر. ولا تزال هناك فجوات كبيرة بين أولويات وتصورات الحكومات المختلفة والدوائر المحلية المسئولة أمامها. ويتوافر سوء الفهم المتبادل، وتتولد عنه الشكوك والتنافس -- قبل كل شيء بين القويين العظميين – مما يحبط السعي من أجل إيجاد أرضية مشتركة.

أما الدرس الثاني فهو أن فاعلية جهود الأطراف المتعددة لابد أن تبدأ من الداخل أو بعبارة أخرى على المستوى المحلي أولًا. والأمل في أن تخلق الاجتماعات الدولية الكبيرة اتفاقيات جماعية أمر محكوم عليه بالفشل ما لم يكن المشاركون لديهم الاستعداد الجدي لتقديم التعهدات اللازمة للتوصل إلى اتفاقات وكذلك الكفاح من أجلها في مواجهة المعارضة الداخلية. وبطبيعة الحال، يمكن أن يؤدي الضغط الجماعي إلى إقناع بطيئي الاستجابة، فقط إذا كانوا على استعداد للاقتناع. ولكن محاولة فرض حلول من أعلى إلى أسفل، عندما يكون الأساس ضعيفًا، تكون غير مجدية وبلا معنى.

في ظل غياب قيادة عالمية قوية، يتعين على الحكومات أن تقلل من تركيزها على خلق التصميمات الكبرى الشاملة، كما يتعين عليها التركيز بشكل أكبر على بناء التعددية من أسفل الهرم إلى أعلاه. صحيح أن هذا الأمر سيستغرق بعض الوقت والمثابرة والشجاعة السياسية، لكن النجاح فيه سيكون أكيدًا وفي حالة عدم بذل جهد، سيكون التخبط هو البديل الوحيد.

تعليقات

سميح العبدون

الإبلاغ عن تعليق غير لائق
أرى أن الجهود متعددة الأطراف لحل مشكلات العالم هي خير سبيل للخروج من الأزمات. وأرى أنه هناك حاجة إلى توازنات سياسية واقتصادية حتى لا تنفرد قوة عظمى وتعيث في الأرض فساداً دون رادع أو منافس.
أضف تعليقك

حقل مطلوب

الإيميل المطلوب لن يتم إظهاره أبداً

سوف يتم مراجعة التعليقات وحذف أي تعليق غير لائق

بنود وشروط

ما بعد النفط والأمن

بينما تلعب الكثير من المتغيرات الإقليمية دورا في تعريف مستقبل العلاقات السعودية الأميركية، لم تعد صيغة "النفط والأمن" التي كانت تميز الصلات السعودية الأميركية ملائمة لوصف تلك العلاقة. كاريل ميرفي

تحميل العدد

جيه ستريت تنافس أيباك

نمت » جيه ستريت « في غضون عامين من تأسيسها لتصبح قوة يحسب لها حساب في السياسة الأميركية، فلم تعد أيباك اللوبي اليهودي الوحيد في الولايات المتحدة. في هذا العدد يناقش ستيفن غلين الاختلافات بين جيه ستريت و أيباك ومدي تأثيرهما على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

تحميل العدد

نشرة بريدية

نعم أود أن أتلقى آخر الأخبار يوميا من المجلة في صندوق الوارد ببريدي الإلكتروني

تعليقات

رحيل عراب التجديد..

رحم الله الشاعر و الأديب و الإنسان ، فقد خسرناه جميعاً ، إنا لله و إنا إليه راجعون ، و شكراً للمجله و لكاتبه المقال المحترمه.

كاظم العراقي في Aug 18, 2010 9:46 PM

1 تعليقات

القيادي البارز بتنظيم عصائب اهل الحق اكرم الكعبي : لدينا رهائن بريطانية وأمريكية نساوم عليهم

نصر الله مجاهدي عصائب أهل الحق وكل مجاهدي العراق ضد المحتلين المستعمرين وأحبط الله كل المعتدين وغيرهم 0

أبو آلاء في Aug 18, 2010 9:40 PM

11 تعليقات

اليمن ما بعد الهدنة

اتمنى من المجلة بأن تأتي بكتاب ومحللين أفضل يكونوا على وعي ثقافي وسياسي أفضل ,ودمتي لنا دائما مجلتنا الجميلة

ali imran في Aug 18, 2010 9:40 PM

2 تعليقات

بهاء الأعرجي القيادي في التيار الصدري لـ"المجلة": سنُشكل الحكومة مع علاوي إذا لم نتوصل لاتفاق مع المالكي خلال أيام لا نقبل التدخل من إيران أو غيرها في الشؤون العراقية

في المجمل فإن أشباح العراق ستبقى تطارد العراقيين أنفسهم في الداخل، وكذلك من شارك من القوى الكبرى في الحرب عليه. وهذا الواقع سيتسمر إلى أن يتحول العراق إلى دولة طبيعية تعيش بأمن وسلام ومصالحة مع نفسها وجيرانها ومحيطها. وحتى يحين ذلك، ستبقى أشباح وكوابيس العراق تؤرق الكثيرين في الداخل والخارج معاً!

hamza في Aug 15, 2010 1:05 PM

2 تعليقات

القبض على جاسوس يعمل لصالح إسرائيل في لبنان

إعتقد وبلا أدني ان القبض علي هذا الجاسوس سيكون درسا بلغيا لكل من تسول له نفسه لخيانة وطنه وانه سيلاقي أبشع العقوبات وانكاها جزاءا لما إقترفه من ذنب_

مروان أبوبكر جبريل حسين في Aug 15, 2010 1:01 PM

2 تعليقات

خروقات الحوثيين هل تشعل الحرب السابعة ؟

يستاهل البردمن ضيع دفاه

الحارثي في Aug 15, 2010 12:59 PM

1 تعليقات