من الأجدر بقيادة العالم؟
التخبط سيحكم العالم اذا فشلت الحكومات في بناء التعددية
تاريخ النشر: الجمعة 05 فبراير 2010 تم التحديث: الجمعة 05 فبراير 2010
بالرغم من أن الساسة يدعون دائمًا إلى الجهود متعددة الأطراف باعتبارها أفضل سبيل لحل المشكلات العالمية، فإن تلك الجهود لا تكون فعالة بشكل دائم. والسبب في ذلك أن التحولات الكبيرة في الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي جعلت من الصعوبة بمكان التوصل إلى اتفاقيات دولية.
عقد من الزمان يفصل بين انهيار اجتماع منظمة التجارة العالمية في سياتل عام 1999، وقمة تغير المناخ التي عُقدت في كوبنهاجن في ديسمبر/كانون أول الماضي. وثمة تشابه بين الحدثين. فكلا الاجتماعين أعطيا وعودًا كثيرة ولم يحققا سوى القليل. وكلاهما كشف النقاب عن وجود فجوات عميقة بين الحكومات، كما انتهى كلاهما بتبادل الاتهامات اللاذعة.
ويُظهر هذان الحدثان كغيرهما من الأحداث الدولية الأخرى غير الحاسمة التي وقعت في الفترة التي تفصل بينهما، إلى أي مدى تبلغ صعوبة تحويل التزامات السياسيين الجديرة بالثناء ببذل الجهود متعددة الأطراف إلى واقع عملي. فبالرغم من وجود الرؤى والآراء التي تسعى إلى إيجاد حلول مشتركة للمشكلات الدولية، هناك غياب للإرادة القوية لتحقيق الأهداف المنشودة. فأين الخطأ إذن؟
لا تزال أفكارنا المتعلقة بالجهود متعددة الأطراف تتشكل عن طريق البنية الدولية التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد تجسدت هذه البنية في مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتفاق العام على التعريفات والتجارة. وجميع هذه المؤسسات تم إنشاؤها بطرق مختلفة لتعزيز النظام الدولي عن طريق تأسيس أطر متفق عليها من القواعد والسلوك.
وقد نشأ مفهوم "الجهود متعددة الأطراف" القديم من ظروف خاصة وفريدة من نوعها كما يعتقد الكثيرون. ومن المفارقة أن تصميم وتعزيز مفهوم الجهود متعددة الأطراف يتطلبان المزيد من الهيمنة وفي هذا الصدد تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في صدارة القوى الدولية. ولم تقم الولايات المتحدة بوضع جدول الأعمال والتوجيه والتنظيم للدول الأخرى فحسب، ولكنها قامت أيضًا بممارسة نوع من القيادة البناءة عن طريق تبني رؤية واعية وطويلة الأمد لمصالحها الخاصة بما يتجاوز المصلحة الوطنية قصيرة الأمد.
ومع ذلك، فإن نهاية الحرب الباردة قللت من أهمية كل من الأساس الجغرافي والسياسي المتعلق بالسياسات واستعداد الناخبين الأمريكيين لدعمها. وفي غضون ذلك، كانت أوروبا قد أصبحت كيانًا اقتصاديًا قويًا لا يستهان به. وظهرت قوى اقتصادية جديدة كان في مقدمتها اليابان وحاليًا الصين لتتحدى الهيمنة الأمريكية. وشجع ارتفاع أسعار النفط على تعزيز الجهود الدبلوماسية من قبل الدول المصدرة للطاقة. ونشرت العولمة الرخاء في ربوع واسعة من العالم المترابط بشكل كبير.
ولكن لم تتقدم أية دولة لتحل محل الولايات المتحدة في قيادة العالم. ولن يحدث ذلك قريبًا على الأرجح. فالاتحاد الأوروبي يفتقر إلى التماسك والقوة السياسية اللازمة. ولا تريد الصين ولا الهند تحمل التكاليف والمسئوليات التي تترتب على تلك القيادة، حيث تشغلهما على حد سواء التحديات في الداخل. وتبدو اليابان متحفظة بالمثل. وفي جميع الأحوال، لن تكون أحد هذه البلدان الآسيوية مقبولة لقيادة العالم حتى من قبل الآخرين في منطقتها.
ونتيجة لذلك، تفرق النفوذ بين مراكز قوى مختلفة، ولا يمكن لأحد أن يخضع الآخرين وفقًا لإرادته، ولكن يتطلب الأمر موافقة الجميع للتوصل إلى اتفاقات متعددة الأطراف. وتسبب هذا الأمر في خلق توترات خطيرة بين شرعية المؤسسات العالمية، فيما يتعلق بشموليتها، وكفاءتها في صنع القرار. حتى الأطراف الثانوية نسبيًا يمكنها الآن استعراض قوتها، ومنع حدوث إجماع في الآراء، كما حدث في قمة كوبنهاجن، وأيضًا في جولة منظمة التجارة العالمية المتعثرة التي أقيمت في الدوحة.
وحلت مجموعة دول العشرين مكان مجموعة دول الثماني القديمة كأبرز منتدى اقتصادي عالمي. وتعتبر المجموعة أحدث محاولة للتوفيق بين تلك التوترات. فحتى الآن، يتماسك مختلف أعضاء المجموعة معًا في مواجهة الأزمة الاقتصادية. ولكنه من غير الواضح ما إذا كانت المجموعة ستصبح أكثر فعالية من مجموعة دول الثماني كمحفز للعمل المشترك الحاسم حال ما تنتهي الأزمة.
وعلاوة على ذلك، هناك عزوف متزايد بين الحكومات عن الإذعان لقواعد خارجية ملزمة. واعتاد هذا الأمر أن يكون من اختصاص الولايات المتحدة. لكنه انتشر الآن على نطاق واسع. ويفسر ذلك، إلى حد ما، المشكلات التي طرأت في قمة كوبنهاجن، وفي محادثات الدوحة، حيث لا ترغب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الالتزام بحدود قصوى واجبة النفاذ من منظمة التجارة العالمية على دعهم الحالي في مجال الزراعة، حيث إن البلدان النامية سوف تحدّ من رسومها الجمركية عند المستويات الحالية.
وربما كانت طموحاتنا مبالغًا فيها. فالأرجح أن أهداف قمة كوبنهاجن كانت آمالًا غير واقعية، بينما بدت الحالة الاقتصادية لجولة الدوحة مثيرة للتساؤل دائمًا. ولكن إذا كان المفهوم الجديد "للجهود متعددة الأطراف" " سيصبح أكثر من ذريعة لمواقف سياسية فارغة، وتحقيق أهداف معينة، فإنه ينبغي تعلم دروس أخرى.
واحد من هذه الدروس هو ضرورة بناء الثقة. وقد أزالت العولمة الحواجز وجعلت اقتصادات الدول أكثر ترابطًا. لكن السياسة لم تواكب الأمر. ولا تزال هناك فجوات كبيرة بين أولويات وتصورات الحكومات المختلفة والدوائر المحلية المسئولة أمامها. ويتوافر سوء الفهم المتبادل، وتتولد عنه الشكوك والتنافس -- قبل كل شيء بين القويين العظميين – مما يحبط السعي من أجل إيجاد أرضية مشتركة.
أما الدرس الثاني فهو أن فاعلية جهود الأطراف المتعددة لابد أن تبدأ من الداخل أو بعبارة أخرى على المستوى المحلي أولًا. والأمل في أن تخلق الاجتماعات الدولية الكبيرة اتفاقيات جماعية أمر محكوم عليه بالفشل ما لم يكن المشاركون لديهم الاستعداد الجدي لتقديم التعهدات اللازمة للتوصل إلى اتفاقات وكذلك الكفاح من أجلها في مواجهة المعارضة الداخلية. وبطبيعة الحال، يمكن أن يؤدي الضغط الجماعي إلى إقناع بطيئي الاستجابة، فقط إذا كانوا على استعداد للاقتناع. ولكن محاولة فرض حلول من أعلى إلى أسفل، عندما يكون الأساس ضعيفًا، تكون غير مجدية وبلا معنى.
في ظل غياب قيادة عالمية قوية، يتعين على الحكومات أن تقلل من تركيزها على خلق التصميمات الكبرى الشاملة، كما يتعين عليها التركيز بشكل أكبر على بناء التعددية من أسفل الهرم إلى أعلاه. صحيح أن هذا الأمر سيستغرق بعض الوقت والمثابرة والشجاعة السياسية، لكن النجاح فيه سيكون أكيدًا وفي حالة عدم بذل جهد، سيكون التخبط هو البديل الوحيد.



تعليقات
سميح العبدون
February 07 2010 05:30
الإبلاغ عن تعليق غير لائق