عبد الملك الحوثي .. من تمرد إلي اخر!

رمز آخر لصراعات اليمن الداخلية

ظهر عبد الملك الحوثي كشخصية قوية مؤثرة بعد وفاه الأب الروحي للحوثيين في اليمن، حسين الحوثي. يرصد هذا المقال جوانب متعددة من شخصية عبد الملك القيادية قبل خمسة أعوام، وتحديدًا في العاشر من شهر أيلول/ سبتمبر عام 2004، تمكّنت السلطات اليمنية من قتل حسين بدر الدين الحوثي الذي قاد تمردًا مسلحًا عنيفًا ضدها في محافظة صعدة. حينها تنفس كثيرون الصعداء، وساد شعور عام بأن نظام الرئيس علي عبد الله صالح قد نجح مجددًا في تجاوز واحد من أصعب التحديات

التي صادفته خلال فترة حكمه الطويلة لليمن، لاسيما وأن إخماد نيران التمرد الشيعي، الذي قاده نجل أحد أبرز المرجعيات الزيدية والشيعية اليمنية، استغرق وقتاً طويلاً (أكثر من ثلاثة أشهر) مقارنة بالحسم السريع في حرب صيف عام 1994 مع الانفصاليين الجنوبيين، والتي انتهت بهزيمتهم خلال مدة أقصر (شهرين وبضعة أيام).

غير أن مجريات الحوادث وما آلت إليه في الشهور والسنوات القليلة التالية، أثبتت أن ذلك الشعور كان خادِعًا ومُضلّلاً. إذ عاد التمرد إلى الواجهة مرة أخرى بقيادة جديدة، أصغر سناً وأشد عزماً وتصميماً على تنفيذ المشروع الذي بدأه حسين الحوثي من خلال تأسيسه ما عُرِف يوماً بتنظيم "الشباب المؤمن"، برعاية وتفهم تامّين من والده بدر الدين المرجع الزيدي المعروف.

ومع أخذ عبد الملك بدر الدين الحوثي، الشقيق الأصغر لحسين، زمام قيادة حركة التمرد المناهض لنظام حكم الرئيس صالح بدءًا من عام 2006، حدث تطور نوعي في أداء التمرد، عسكريًا وتنظيميًا وسياسيًا وإعلاميًا، فضلاً عن أنه أصبح أكثر عنفًا وشراسة. وبمرور الأيام وتوالي جولات الصراع مع السلطة المركزية الضعيفة، تمدد نطاق تمرد الحوثيين الجغرافي ليشمل إلى جانب صعدة، حاضنته الرئيسية، مناطق مجاورة في محافظات عمران والجوف، وأخذ يقترب شيئًا فشيئًا من مديرية ميدي المطلّة على البحر الأحمر.

ورغم أن اسم عبد الملك الحوثي تردد كثيرًا خلال السنوات الأخيرة بوصفه القائد الميداني والفعلي لجماعة الحوثيين، لكن شخصيته ما زالت محاطة بالغموض الشديد وما يعرف عنها يظل شحيحًا للغاية ولا يسمح بتكوين صورة متكاملة ودقيقة عن هذا الشاب، الذي خاض بصفته القيادية (وما يزال) أربع جولات من القتال المرير مع الدولة اليمنية.

على أن المعلومات المتوفرة تشير إلى أنه ولد في صعدة عام 1979، أي أنه يبلغ حاليًا الثلاثين من عمره، وقد نشأ في أسرة ريفية مُحافِظة ولها "اهتمام بمتابعة الشأن المحلي والدولي"، وتنقّل في طفولتهِ بين منطقتي مران وجمعة بن فاضل بمديرية حيدان الجبلية الوعرة، وتلقى تعليمه في المدارس الدينية الزيدية المنتشرة في تلك الربوع. وهو متزوج وله عدد من الأولاد.

وحتى وقت قريب، كان اسم عبد الملك الحوثي يتردد على مسامع اليمنيين إلا أن ملامح وجهه ظلّت بالنسبة للكثير منهم، مجهولة. ومنذ مطلع عام 2005 ،تداولت وسائل الإعلام في اليمن صورة غير واضحة للرجل يظهر فيها بوجه طفولي حزين وصارم، ولحية صهباء خفيفة كأنها بزغت للتو، وتكاد تكون ملامحه عاديةً تمامًا. وعندما وزّع المكتب الإعلامي لعبد الملك الحوثي صورة حديثة له في أواخر 2008، عُدّ ذلك حدثًا إعلاميًا، لاسيما أنه ظهر فيها بملامح واضحة وإن بدا أكبر من المتوقّع. ولم تخلُ الصورة من مضامين استعراضية ذات مدلول رمزي فاقع، إذ بدا أنه يلوّح متأنّقًا، ويلف حول رقبته شالاً فلسطينيًا، ويقف خلف منبر تزيّنه الورود البلاستيكية، بينما تنتصب الميكرفونات أمامه. وهي، كما لاحظ البعض بدقة، مظاهر قلّما يعثر عليها المرء في محافظة صعدة النائية.

وبعكس ظهوره الإعلامي المتأخر، فإن نجم عبد الملك الحوثي - بوصفه أحد قياديي التيار الحوثي - أخذ في السطوع منذ وقت مبكر نسبيًا، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار عمره وقتئذٍ. وفي البداية ظهر اسمه إلى جانب اسم عبد الله عيضة الرزامي، عضو البرلمان السابق والقائد الميداني للحوثيين، الذي سرعان ما استأنف حركة التمرد في صعدة وخاض جولة ثانية من القتال مع الجيش اليمني بين شهري آذار/مارس وأيار/مايو 2005.

لكن عبد الملك الحوثي مع بداية العام التالي مباشرة، وخلال نشوب جولة الحرب الثالثة مع السلطات اليمنية، لم يلبث أن نجح في تأكيد زعامته للتيار الحوثي، متجاوزًا الرزامي وشخصيات بارزة أخرى في التيار، من بينها عدد من أشقائه الذين يكبرونه سنًا. ويُعتقَد أن الحوثي الأب، الذي أشرف على الحرب الثانية، تمكّن من إزاحة القادة البارزين والميدانيين، ممن كانوا الذراع الأيمن لنجله حسين في الحرب الأولى وقبلها في مرحلة التأسيس للحركة، عن واجهة القيادة الميدانية والسياسية وتحشيد المؤيدين من القبائل الموالية والقادة الميدانيين لنجله عبد الملك، وخصوصًا ممن ينتمون للأسر الهاشمية الموالية للحركة أو ممن تربطهم علاقة قرابة ومصاهرة مع أسرة بدر الدين، بحيث أصبح عبد الملك بدر الدين القائد الفعلي لحركة التمرد والحائز على التأييد المطلق لأغلبية أعضاء الحركة وأتباعها وأنصارها في اليمن، وبات عبد الملك الحوثي هو من يختار ممثليه في جولات التفاوض مع الحكومة ولجان الوساطة، بما في ذلك اتفاق الدوحة الذي وقّع رسميًا في شباط/ فبراير 2008 برعاية دولة قطر، ولم تدم مفاعيله كثيرًا.

ويكاد يجمع القريبون من عبد الملك الحوثي أنه يمتلك عددًا من المؤهلات التي مكّنته من قيادة حركة تمرد مسلحة ذات طابع مذهبي إحيائي، فهو - كما يؤكدون - شخصية قوية تتسم بالحصافة والذكاء، ولا تعوزها موهبة الخطابة والقدرة على حشد المناصرين والأتباع. ويدللون على ذلك بما جرى في آذار/مارس 2009، عندما استغل عبد الملك الحوثي مناسبة عيد المولد النبوي لحشد الآلاف من أتباعه، وتحدّث فيهم بصوتٍ جهوري مُندِّدًا بتحالف اليمن مع الولايات المتحدة ومتهمًا السلطة اليمنية بالخيانة والولاء للخارج على حساب الداخل، ومُحذرًا إياها أنها ستخسر إن هي قامت بشن هجوم جديد ضد حركته.

وكان قبلها قد استعرض مع قادة حركته الآخرين قدرتهم في حشْد أعداد كبيرة من الأنصار، إذ قاموا خلال حرب غزة في كانون الثاني/ يناير 2009 بتنظيم مظاهرات معادية لإسرائيل وأمريكا، تزخر بشعارات "الشباب المؤمن" التقليدية.

وإلى ذلك، يدرك عبد الملك الحوثي أهمية سلاح الإعلام في حربه ضد السلطة اليمنية، ولهذا أسس عام 2007 ،موقع المنبر الإلكتروني لنقل وجهة نظر حركته للعالم. وتتميز إدارته للتمرد بقدرة واضحة على المناورة الإعلامية، وهو ما افتقده شقيقه الأكبر حسين. على أن خطابه الإعلامي والسياسي، رغم براعته في الدفاع عن الطروحات الحوثية، لا يخلو  في كثير من الأحيان من شعبوية فجّة، الأمر الذي جعله يمتلئ بالعديد من التناقضات التي تقلل بشكل كبير من شأن تلك الطروحات. فهو إذ يؤكّد في أكثر من مناسبة، مثلاً، التزامه وحركته بالنظام الجمهوري والدستور والقانون، وأن الحوثيين لا يريدون أن يحلّوا محل الدولة في منطقة صعدة، إلا أنه في نفس الوقت يُعرّي نظام الرئيس صالح من الشرعية، ولا يُفسِّر بشكل مقنع لماذا لم يلجأ إلى المؤسسات الدستورية لمعارضة حكمه، مُكتفيًا بترديد حجته الأثيرة حول اضطرار الحوثيين لقتال الحكومة "دفاعًا عن أنفسهم".

وهو إذ يُسأَل عن أسباب قيام الأخيرة بشن الحرب على جماعته، فإنه يرد بذكاء رجل العلاقات العامة، مكررًا حجة الحوثيين التقليدية: "لأننا نردد شعارات معادية لأمريكا وإسرائيل"، مُظهِراً النظام في اليمن على أنه عميل للأمريكيين والإسرائيليين، متجاهلاً حقيقة الموقف اليمني الرسمي المؤيد بشدة للقضية الفلسطينية، ودعمه المعلن للمقاومة في فلسطين ولبنان والعراق.

وفي اتجاهٍ موازٍ، لا يملّ عبد الملك الحوثي من تكرار نفيه القاطع وجود أي شكل من أشكال العلاقة مع إيران أو مع جهات شيعية إيرانية تموّل حركته وتدعمها، مُصِرًا على أن تشبُّه الحوثيين بحزب الله اللبناني نابع من إعجابهم بنموذجه المقاوم، كإعجابهم بحركة حماس الفلسطينية. ويتناسى خطاب زعيم الحوثيين التبريري أنه إذا كان الاحتلال الكامل في فلسطين والجزئي في لبنان، يمكن أن يبرر المقاومة وحمل السلاح خارج نطاق الدولة وسلطتها، فإن هذا أمر لا يمكن تسويقه في دولة مثل اليمن أرضه غير محتلة من قوة أجنبية، ويعتبر انتشار السلاح وضعف سلطة الدولة وهيبتها من أبرز المشاكل والتحديات التي تواجهها.

ومع استمرار المواجهات المسلحة مع الحوثي الشاب وأنصاره، وعجز الحكومة اليمنية عن وضع حدٍّ نهائي للتمرد في صعدة، وفي ظل الاتهامات المتبادلة بين جانبيّ الصراع، إضافة إلى تورّط العديد من القوى الداخلية والخارجية في إذكاء الحرب، وفشل العديد من جهود الوساطة بين الجانبين؛ لا يبدو أن تمرد الحوثيين سيُحسَم قريبًا. وأيًا كان مصير قادة الحركة الكبار، وفي مقدمتهم عبد الملك الحوثي، فإن مأزق اليمن يظل - لسوء الحظ - مُستحكِمًا بفعل تفاقم الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، شمالاً وجنوبًا، وهذا بطبيعة الحال أمرٌ يُريح القوى المناهضة للنظام اليمني، والتي يسُرّها رؤيته وهو يغرق في رمال الفوضى المتحركة، غير آبهةٍ بمستقبل البلد الذي أخذ يقترب رويدًا رويدًا من حافة المجهول.

تعليقات
أيوه كلمة حافة الهاوية هي هذه والله أحلى كلمه في المقال يا رجال خليها توصل لحافة المجهول ويش بايقع الله موجودا ومن توكل على الله فهو حسبه وكفى بالله وكيلا.

ابو علي

الإبلاغ عن تعليق غير لائق
شخصية قوية وذكية ويمتاز بالاخلاق والشجاعة ارجو منه ان يرشح نفسه في الانتخابات القادمة
أضف تعليقك

حقل مطلوب

الإيميل المطلوب لن يتم إظهاره أبداً

يرجى إدخال الأحرف التالية في المربع (حساس لحالة الأحرف) فهذا يساعدنا على منع البرامج الأوتوماتيكية من عمل حسابات إلكترونية وإرسال بريد عشوائي

سوف يتم مراجعة التعليقات وحذف أي تعليق غير لائق

بنود وشروط

دبلوماسية العثمانيين الجدد

أثرت الأزمة العالمية على اقتصادات الدول المتقدمة بشكل يفوق كثيرًا تأثر تركيا بتلك الأزمة ويفوق تأثر الدول المجاورة لها في الشرق والأقل تقدمًا من الناحية الاقتصادية. وقد سارعت أنقرة بفتح سفارات وقنصليات لها في دول تقع جنوب وشرق تركيا ( 15 دولة في إفريقيا على مدى العامين الماضيين) كمجرد استجابة سياسية لتغير موازين التجارة الدولية، فهل هذا دليل على أن تركيا سئمت من اللهاث وراء أوروبا وأصبحت ترى أن قيامها بدور إقليمي أكثر ملاءمة لمصالحها؟ وهل تسعى تركيا حاليًا لأن تصبح لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط؟

تحميل العدد

الاختبار الكبير

 سبقت الانتخابات العراقية الحالية الكثير من الأحداث المضطربة والمقلقة، مما أضعف الأمل في أن تكون هناك دولة ديمقراطية حقيقية في العراق تخضع ل"حكم القانون". وسيتوقف جزء كبير من مستقبل العراق القريب على هذه الانتخابات، ولن يكون هذا مقصورًا على ميزان القوى الداخلي، ولكن سيمتد أيضًا ليشمل علاقات العراق الدبلوماسية

مع الدول العربية الأخرى والولايات المتحدة وإيران.

تحميل العدد

نشرة بريدية

نعم أود أن أتلقى آخر الأخبار يوميا من المجلة في صندوق الوارد ببريدي الإلكتروني

تعليقات

ماذا بعد مقتل المبحوح في دبي ؟

هل بوسع الاخوة الفلسطينيين الذين يتقاتلون من أجل عيون اسرائيل أن يفهموا الدور قادم على كل واحد منهم مهما كانت انتماءه الحزبى ؟ هل يفهمون ؟ هل يضعوا مصلحة الوطن أمام أعينهم قبل المصالح الشخصية .... لا أظن.... سيظلوا عملاء للصهاينة حتى النخاع ثم بعد ذلك يجاهدون من وراء الميكرفونات ويتهمون الشرفاء فى مصر بالذات بالعمالة مع أننا قدمنا من أجل القضية الفلسطينية ما لم يقدموه هم فى الواقع.... وصدق من قال اذا لم تستح فافعل وقل ما ئئت.... ومبروك عليكم الخلافات والتشرذم والتقاتل وجعل الله بأسكم بينمكم كبير.... كبير ... كبير الى يوم الدين .... يامن بعتم القضية بحصاد الهشيم فلم يعد لديكم وطن ولا دين.

morateen في Mar 7, 2010 1:42 PM

1 تعليقات

المالكي يأمر باعتقال مقتدى الصدر إذا عاد للعراق

يجب على جميع الافواه التي لاتريد للعراق الخير ان لاتنشر مثل هكذا اخبار كاذبة.
وخصوصا ونحن نعلم ان العصابات البعثية هي من قتل ويقتل العراقيين من امثال الراحل السيد عبد المجيد الخوئي (قدس سره الشريف).
ونحن نعلم ان السيد مقتدى الصدر زعيم المقاومة العراقية الباسلة وهو من الخطوط الحمراء لدى العراقيين ولا يحق لاي جهة اتهام الناس جزافا.
وكذلك محاولة بعض الاطراف البعثية الضغط على حكومة العراق المنتخبه المتمثلة بالسيد نوري المالكي حفظه الله ورعاه.

عراق ابن سومر ابن اكد ابن بابل ابن علي ابن ابي طالب في Mar 7, 2010 1:36 PM

2 تعليقات

المالكي يأمر باعتقال مقتدى الصدر إذا عاد للعراق

هاي شنو انتم ليش ما تبطلون هي السوالف الاعلامية المغرضة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

غزوان الشباني في Mar 7, 2010 1:34 PM

2 تعليقات

هل ستصبح تركيا إسلامية؟

أوافق في الرأي الكاتب مايكل ثومان فتركيا تحتاج الآن إلى إصلاح دستوري كبير يهدف إلى اللامركزية ونشر الديمقراطية في البلاد، لقد تأخر كثيرًا التقسيم الجيد للسلطة على المستوى المركزي وفي الأقاليم، ويجب أن يدفع حزب العدالة والتنمية والبرلمان التركي والاتحاد الأوروبي خلال محادثات عضوية تركيا في الاتحاد، بقوة من أجل هذه الإصلاحات.

محمد سيد في Mar 7, 2010 1:28 PM

1 تعليقات

نصير الديمقراطية

بالرغم من تضارب الآراء حول رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي،فهناك من يقول انه ديمقراطي و هناك من يقول العكس ، إلا أنني أري أن الشعب الأثيوبي هو فقط من سيحدد صلاحية ميليس زيناوي او لا ، و لذا يجب أن يتم التركيز هنا علي ضرورة أن تكون الانتخابات نزيهة .

عبد الرحيم عامر في Mar 7, 2010 1:27 PM

1 تعليقات

تجميل الإرهاب

ليس من المستبعد أن تكون الأجهزة الأمنية الباكستانية و الأمريكية هي المسئولة عن التفجيرات الأخيرة و ذلك لإضفاء المبرر علي التواجد الأمريكي في هذه المنطقة و كذلك من اجل شغل العالم بتنظيم القاعدة و أفعاله و شغله عن قضايا أخري .

إيهاب عبد الكريم في Mar 7, 2010 1:26 PM

1 تعليقات