تاريخ الركود الإقتصادي

صنع القيمة وتدميرها : دورة العولمة هارولد جيمس هارفارد يونيفرستي برس 2009

بقلم

أصبحت الأزمة الاقتصادية مصدر إلهام للمؤلفين والكتاب الذين يرغبون في توضيح حالة الارتباك، التي صاحبت الخسائر الاقتصادية خلال العامين الماضيين والاستفادة منها. ومع ذلك فإن كتاب هارولد جيمس كتاب مميز لإلمامه التام بالمبادئ والأسس الاقتصادية والتاريخ المالي خصوصًا قدرته على تسليط الضوء على القضايا المعقدة غير المألوفة بالنسبة لهذا الموضوع.

بالرغم من فشلهم جميعًا في التنبؤ بالعاصفة الوشيكة، كان الركود الكبير في عام 2008، بمثابة منحة بالنسبة للاقتصاديين النابغين إعلاميًا، الذين يرغبون في طرح آرائهم حول الأزمة الاقتصادية الحالية، ومع ذلك، فإنه بخلاف العدد الهائل من الأعمدة الصحفية التي توضح الفارق بين الرهن العقاري المدعوم بالسندات والمقايضات الائتمانية الافتراضية، أو هؤلاء النقاد الذين يتنبئون بأزمة تضخم مستقبلية، فإن هناك حاجة إلى تحليل تاريخي رزين لمشكلاتنا الاقتصادية المعاصرة. وليس من المستغرب أن هذا التنافر في الأصوات جعل الكثير من أفراد المجتمع العاديين يتفقون مع تقييم هيجل بأن الاقتصاديين لم يتعلموا أي شيء من التاريخ على الإطلاق.   

ولذلك فإنه يوصى بقراءة آخر كتاب لهارولد جيمس، خصوصًا بالنسبة للقراء الذين يبحثون عن مقدمة سهلة لتاريخ حالات الركود الاقتصادي المعاصر. والبروفسير جيمس، أستاذ بجامعة برينستون ومتخصص في التاريخ المالي الألماني، خلال القرن العشرين. وقد حذر جيمس كثيرًا اقتصاديين احترافيين ومفكرين معروفين من الإفراط في التفاؤل لسنوات طويلة وعلى العكس من هؤلاء الذين رأوا الانتعاش المالي وازدهار العولمة مع بداية الألفية الجديدة دليلًا على نهاية التاريخ، يؤكد جيمس أن ما يعلمنا التاريخ إياه هو أنه ليس هناك شيء يمكن رده أو تغييره بشأن آخر موجات العولمة.. فغالبًا ما تجاوزت الأزمات المالية السابقة هبوط أسواق الأسهم وتحول مخططات بونزي إلى حروب تجارية وسياسات هجرة منطوية على خوف من الأجانب.   

وأول ما سيلاحظه القارئ عندما يشرع في مطالعة هذا الكتاب هو مدى إلمام جيمس ومعرفته الواسعة بالمبادئ الاقتصادية، والتاريخ المالي، وقدرته على التعبير عن القضايا المعقدة بطريقة يسهل وصولها إلى القارئ غير الملم بها. ويبدأ الكتاب بالتشكيك في الحكمة التقليدية القائلة بأن الكساد العظيم بدأ مع انهيار سوق الأسهم في عام 1929، وهو اليوم المعروف باسم يوم 'الثلاثاء الأسود'. وبالفعل، فإن الإشارة السطحية إلى عام 1929، كثيرًا ما تؤدي إلى إساءة تفسير حدوث الكساد العظيم على أنه نتيجة للأزمة المالية التي وقعت في عام 1929، بالرغم من أن الكساد العظيم قد بدأ في الحقيقة مع بداية الأزمة المصرفية التي وقعت في عام 1931 في النمسا وألمانيا.

وبعيدًا عن المناقشة أكاديمية العقيمة، يترتب على تفسير جيمس آثار مهمة على السياسة العامة. ففي حين يدرك صناع السياسات جيدًا كيفية استخدام السياسات النقدية والرقابية لمكافحة الانهيارات المالية، فإن معرفتهم عن كيفية منع حدوث أزمة مصرفية من أن تتحول إلى انهيار اقتصادي كامل أقل بكثير. وربما يفسر ذلك سبب تفاعل البنوك المركزية بشكل سريع وفعَّال مع جفاف أسواق السيولة في عام 2007، بينما تصرفت الحكومات بطريقة مترددة وعشوائية عندما وصل الأمر إلى إنقاذ المؤسسات المالية الكبيرة في خريف عام 2008.

واكتفى كثير من المعلقين بمناقشة كيف تؤثر الاضطرابات المالية الأخيرة على الاقتصاد الحقيقي، سواء كان ذلك انخفاضًا كبيرًا في معدلات النمو أو زيادة هائلة في نسبة البطالة التي أصابت كثيرًا من البلدان على مدار الأشهر القليلة الماضية. ومع ذلك، يشدد جيمس على أن العواقب الاقتصادية المترتبة على الأزمات الماضية كثيرًا ما تفاقمت بسبب الهزات الاجتماعية والسياسية التالية. ومما يدعو إلى الكآبة، أن الأحكام التي تنص على 'اشترِ المنتج الأمريكي" والمدرجة أصلًا في اتفاقية التحفيز الفيدرالية الأمريكية، جنبًا إلى جنب مع التيار الأخير من السياسات المناهضة للهجرة التي اقترحتها الحكومات الأوروبية، تشير إلى أن صناع السياسات لم يتعلموا إلا أقل القليل من أخطاء الماضي. وعلى عكس ما قد يقوله المتشائمون، يرى جيمس أنه بينما لا نستطيع فعل الكثير لترويض تقلبات المزاج غير المنطقية من المتعاملين في وول ستريت، لا يمكن تجنب أي شيء بخصوص السياسات قصيرة الرؤية ذات النتائج العكسية والتي يطرحها المشرعون ذوو النظريات الشعبية.

وربما من المفارقة أن الفصل الأخير من الكتاب ضعيف من نواحٍ كثيرة. وفي ذلك، يقول جيمس في الفصل الأخير: إن الخطر الرئيسي الذي  يواجه النظام الاقتصادي الدولي هو انهيار القيم  التي تدعم الاندماج في الاقتصاد العالمي والتعاون السياسي الدولي. ومع ذلك، عندما ينظر المرء إلى  المشاحنات الدبلوماسية الأخيرة بشأن سياسة سعر الصرف في الصين، والتحول العلماني للقوة الاقتصادية بعيدًا عن الغرب الصناعي لصالح الدول الناشئة وهي البرازيل وروسيا والصين والهند، فإننا سندرك أن الاعتبارات الجيوسياسية ستفوق أي اتجاه نحو الانهيار الأخلاقي في المستقبل المنظور.

وفي نهاية المطاف، نقول: إنه بالرغم من التأكيد على العديد من أوجه التشابه المثيرة للقلق بين الأزمة المالية الحالية وحالات الانهيار الاقتصادي في الماضي، فإن الكتاب لا يتبنى لهجة متشائمة، وإنما يدعونا جيمس مثل كانديد لفولتير إلى إدراك التاريخ بجدية، بدلًا من الإفراط بشكل أعمى في التفاؤل ويكون ذلك في غير محله. وكما يكتب المؤلف نفسه: 'تحليل ما حدث من خطأ هو مفتاح التعلم من الأزمات ومنع تكرارها'.

أضف تعليقك

حقل مطلوب

الإيميل المطلوب لن يتم إظهاره أبداً

يرجى إدخال الأحرف التالية في المربع (حساس لحالة الأحرف) فهذا يساعدنا على منع البرامج الأوتوماتيكية من عمل حسابات إلكترونية وإرسال بريد عشوائي

سوف يتم مراجعة التعليقات وحذف أي تعليق غير لائق

بنود وشروط

دبلوماسية العثمانيين الجدد

أثرت الأزمة العالمية على اقتصادات الدول المتقدمة بشكل يفوق كثيرًا تأثر تركيا بتلك الأزمة ويفوق تأثر الدول المجاورة لها في الشرق والأقل تقدمًا من الناحية الاقتصادية. وقد سارعت أنقرة بفتح سفارات وقنصليات لها في دول تقع جنوب وشرق تركيا ( 15 دولة في إفريقيا على مدى العامين الماضيين) كمجرد استجابة سياسية لتغير موازين التجارة الدولية، فهل هذا دليل على أن تركيا سئمت من اللهاث وراء أوروبا وأصبحت ترى أن قيامها بدور إقليمي أكثر ملاءمة لمصالحها؟ وهل تسعى تركيا حاليًا لأن تصبح لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط؟

تحميل العدد

الاختبار الكبير

 سبقت الانتخابات العراقية الحالية الكثير من الأحداث المضطربة والمقلقة، مما أضعف الأمل في أن تكون هناك دولة ديمقراطية حقيقية في العراق تخضع ل"حكم القانون". وسيتوقف جزء كبير من مستقبل العراق القريب على هذه الانتخابات، ولن يكون هذا مقصورًا على ميزان القوى الداخلي، ولكن سيمتد أيضًا ليشمل علاقات العراق الدبلوماسية

مع الدول العربية الأخرى والولايات المتحدة وإيران.

تحميل العدد

نشرة بريدية

نعم أود أن أتلقى آخر الأخبار يوميا من المجلة في صندوق الوارد ببريدي الإلكتروني

تعليقات

ماذا بعد مقتل المبحوح في دبي ؟

هل بوسع الاخوة الفلسطينيين الذين يتقاتلون من أجل عيون اسرائيل أن يفهموا الدور قادم على كل واحد منهم مهما كانت انتماءه الحزبى ؟ هل يفهمون ؟ هل يضعوا مصلحة الوطن أمام أعينهم قبل المصالح الشخصية .... لا أظن.... سيظلوا عملاء للصهاينة حتى النخاع ثم بعد ذلك يجاهدون من وراء الميكرفونات ويتهمون الشرفاء فى مصر بالذات بالعمالة مع أننا قدمنا من أجل القضية الفلسطينية ما لم يقدموه هم فى الواقع.... وصدق من قال اذا لم تستح فافعل وقل ما ئئت.... ومبروك عليكم الخلافات والتشرذم والتقاتل وجعل الله بأسكم بينمكم كبير.... كبير ... كبير الى يوم الدين .... يامن بعتم القضية بحصاد الهشيم فلم يعد لديكم وطن ولا دين.

morateen في Mar 7, 2010 1:42 PM

1 تعليقات

المالكي يأمر باعتقال مقتدى الصدر إذا عاد للعراق

يجب على جميع الافواه التي لاتريد للعراق الخير ان لاتنشر مثل هكذا اخبار كاذبة.
وخصوصا ونحن نعلم ان العصابات البعثية هي من قتل ويقتل العراقيين من امثال الراحل السيد عبد المجيد الخوئي (قدس سره الشريف).
ونحن نعلم ان السيد مقتدى الصدر زعيم المقاومة العراقية الباسلة وهو من الخطوط الحمراء لدى العراقيين ولا يحق لاي جهة اتهام الناس جزافا.
وكذلك محاولة بعض الاطراف البعثية الضغط على حكومة العراق المنتخبه المتمثلة بالسيد نوري المالكي حفظه الله ورعاه.

عراق ابن سومر ابن اكد ابن بابل ابن علي ابن ابي طالب في Mar 7, 2010 1:36 PM

2 تعليقات

المالكي يأمر باعتقال مقتدى الصدر إذا عاد للعراق

هاي شنو انتم ليش ما تبطلون هي السوالف الاعلامية المغرضة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

غزوان الشباني في Mar 7, 2010 1:34 PM

2 تعليقات

هل ستصبح تركيا إسلامية؟

أوافق في الرأي الكاتب مايكل ثومان فتركيا تحتاج الآن إلى إصلاح دستوري كبير يهدف إلى اللامركزية ونشر الديمقراطية في البلاد، لقد تأخر كثيرًا التقسيم الجيد للسلطة على المستوى المركزي وفي الأقاليم، ويجب أن يدفع حزب العدالة والتنمية والبرلمان التركي والاتحاد الأوروبي خلال محادثات عضوية تركيا في الاتحاد، بقوة من أجل هذه الإصلاحات.

محمد سيد في Mar 7, 2010 1:28 PM

1 تعليقات

نصير الديمقراطية

بالرغم من تضارب الآراء حول رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي،فهناك من يقول انه ديمقراطي و هناك من يقول العكس ، إلا أنني أري أن الشعب الأثيوبي هو فقط من سيحدد صلاحية ميليس زيناوي او لا ، و لذا يجب أن يتم التركيز هنا علي ضرورة أن تكون الانتخابات نزيهة .

عبد الرحيم عامر في Mar 7, 2010 1:27 PM

1 تعليقات

تجميل الإرهاب

ليس من المستبعد أن تكون الأجهزة الأمنية الباكستانية و الأمريكية هي المسئولة عن التفجيرات الأخيرة و ذلك لإضفاء المبرر علي التواجد الأمريكي في هذه المنطقة و كذلك من اجل شغل العالم بتنظيم القاعدة و أفعاله و شغله عن قضايا أخري .

إيهاب عبد الكريم في Mar 7, 2010 1:26 PM

1 تعليقات