مفاتيح التغيير

قوى الثروة: صعود الطبقة الوسطى المسلمة الجديدة وانعكاسات ذلك على عالمنا

بقلم

في آخر كتاب له، يرى "فالي نصر" أن التغيير الاقتصادي هو مفتاح الإصلاح السياسي في منطقة الشرق الأوسط. وتحديدًا فإن صعود الطبقة الوسطى من شأنه أن يغير الأولويات السياسية لدول المنطقة، ويؤدي إلى مزيد من الدفء في علاقات تلك الدول مع الغرب.

فالي نصر

فري برس 2009

أقل ما يمكن أن يقال عن العلاقة بين الغرب والشرق الأوسط إنها مشحونة بالكثير من التوترات.. ودعوة هانتينجتون للصراع بين الحضارات تتجلى بصورة أكثر وضوحًا في التحركات الدبلوماسية المكثفة في الدول الليبرالية الغربية وقريناتها من الدول الشرق أوسطية، المعروف عنها أنها أقل ليبرالية وتحررًا. وفي آخر كتاب له يحمل عنوان "قوى الثروة" يلقي فالي نصر نظرة على الفرص الكامنة في المنطقة، التي يمكن أن تعزز إقامة علاقة جديدة بين الشرق الأوسط والغرب.

ويرى نصر، الذي يتبع منهج ديفيد هيوم، أن قوى التغيير في العالم الإسلامي تكمن لدى الطبقة الوسطى ذات التفكير العملي والتجاري. ويؤكد أن هذه الجماعة هي بمثابة مفتاح التقارب بين العالم الإسلامي والغرب، حيث إن قوتهم الاقتصادية المتزايدة سوف تجعلهم في موقع مهم، يمكنهم من تقرير الاتجاهات السياسية المستقبلية لبلادهم. ويشير نصر إلى أنه قد حان الوقت للتقليل من التركيز على صراع الحضارات واستعادة الرؤى الكاشفة العظيمة عن القوة التحويلية للأسواق والتجارة". واستشهد الكاتب بهيوم قائلًا: التجارة تهذب الأخلاق وتجعل السياسة القائمة على أساس المنطق والتشاور أكثر واقعية". (27)

وفي وصفه للقوة المتنامية للطبقة الوسطى في المنطقة، يركز نصر بشكل خاص على الكيفية التي يمكن أن تستفيد بها إيران من هذه الظاهرة. وتمثل إيران "دراسة حالة" مثيرة جدًا للاهتمام، كما أنها تعتبر واحدة من أكثر البلاد نفوذًا في المنطقة، ولديها رأس المال الضروري لتعزيز مصالحها. ومع ذلك، يشير نصر إلى أن هناك اختلافًا جوهريًا بين إيران والقوى الناشئة اليوم، فظهور قوى جديدة مثل دول مجموعة "بريكس" لم يكن يعنيها الكثير من القدرات العسكرية. وإنما هذه الدول بمثابة نجوم اقتصادية وهي بمثابة محفزات للنمو في المناطق المجاورة.. ولكن على العكس من هذه القوى الناشئة، عزلت إيران نفسها عن الاقتصاد العالمي؛ وهي حقيقة تعوق بشكل خطير طموحاتها الهائلة لمزيد من النفوذ والقوة.

ومما يؤكد هذه النقطة، إحدى ملاحظات نصر الكاشفة، حيث إنه يقارن الطرق المختلفة، التي سلكتها الهند وباكستان منذ الحصول على القدرة النووية.. ورغم اختلافهما في هذا الصدد، لم تصبح سوى واحدة منهما قوة إقليمية. ومن ثم، فإن الدرس المستفاد هو أن إيران ينبغي أن تقلل من تركيزها على تطوير برنامج نووي، وتركز بشكل أكبر على المشاركة في السوق العالمي إذا كانت تسعى بصدق إلى بسط نفوذها.

وحقيقة أن إيران ترتيبها رقم 151 ضمن الدول الأكثر عزلة في العالم، في قائمة دول تضم 160، تعوق بشدة من نفوذ إيران الاقتصادي في المنطقة، كما يأتي ترتيبها في المرتبة السادسة عشرة ضمن الدول الأكثر عزلة في الشرق الأوسط، الذي يضم 17 دولة.

 إن رسالة نصر لإيران وللغرب واضحة، لأن كليهما سوف يستفيدان كثيرًا من قيام إيران بدفع مواردها بجدية  في حركة الاقتصاد العالمي، فهذه الإستراتيجية سوف تعزز من نفوذ إيران، والإصلاح الاقتصادي بها يمكن أن يؤدي إلى "تخفيف" في حدة مواقفها السياسيةـ كما يتنبأ هيوم.

ورغم تحليل نصر لتأثير التيارات الاقتصادية على السياسة في الشرق الأوسط، فإنه يعد افتراضه بأن الإصلاح السياسي يتبع الإصلاح الاقتصادي غير واضح، فبينما يستخدم حالة الصين لدعم استنتاجه بأنه منذ أن قامت الصين بانفتاح في اقتصادها قامت بتنفيذ إصلاح سياسي، الأمر الذي كان يجب أن يقوم نصر بالنظر فيه هو ما إذا كان الإصلاح السياسي في الصين كافيًا لاستنتاج أن التحرير الاقتصادي يتبعه بالضرورة تحرير سياسي، فضرورة وجود نوع من الفاصل الزمني بين الإصلاح السياسي الذي يحركه صعود طبقة وسطى قوية لا تعد موضع شك، كما أن هناك افتقارًا في الأدلة الداعمة لصيغة أن الديمقراطية تعادل البرجوازية.

وتتمثل مسألة أخرى أثيرت في إطار العلاقة، التي يقول بها نصر بين التحرير السياسي والتقدم الاقتصادي هي كيف تؤثر الأزمة الاقتصادية على قدرة اقتصاد العالم العربي على التشجيع على الإصلاح، ورغم أن نصر كان واضحًا فيما يتعلق بالدور المهم الذي يمكن أن تلعبه الطبقة الوسطي في تشجيع التغيير، لكن بعد عام 2008، يحتاج المرء إلى تقييم ما إذا كانت الطبقة الوسطى في المنطقة سوف تزدهر، فرغم افتراض أن الشرق الأوسط كان أقل تضررًا بسبب الأزمة مقارنة بأوروبا والولايات المتحدة، لكنه تأثر بها.

وقد ذكر البنك الدولي في أكتوبر/تشرين أول أن الأزمة أدت إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي، ورغم التحسن، سوف يظل النمو ضعيفًا نسبيًا، وبالتالي يثير تأثير الاقتصاد على الإصلاح السياسي عدة أمور فيما يتعلق بتأثير دفء العلاقات بين الشرق الأوسط والغرب، منها هل يفاقم التراجع في الوضع الاقتصادي من التوجهات الانعزالية للمنطقة، وبالتالي يقلل من احتمالية التقارب مع الغرب؟ وإذا كان هذا هو الوضع، فهل يعد الإصلاح الاقتصادي وسيلة مثالية يستخدمها الغرب لتقييم النفوذ الإقليمي لدول الشرق الأوسط، والقيام باستخدام هذا الإجراء كوسيلة لتحديد شكل سياسته الخارجية في المنطقة؟

وعلى جانب آخر، يستحق الاهتمام الذي وجهه نصر إلى إيران في الكتاب الإشادة، لكن فقط لقدرته على تصوير أهمية هذه الدولة في المنطقة، فجدله بأن إيران غيَّرت الشكل السياسي للمنطقة عام 1979، وتستطيع القيام بالشيء نفسه مرة أخرى، يعطي أهمية خاصة للتوصيات التي يقدمها، كما أن قدرته على إلقاء الضوء على أهمية تقارب الغرب مع إيران، على اعتبار أن من مصلحة الغرب "قبول إيران بمنطق التغيير الاقتصادي وليس العمل ضده"(25)، تظهر مرة أخرى قدرة إيران على التسبب في حدوث تيار مماثل في مختلف أنحاء العالم العربي.

لقد كان نصر، الذي تسلح بمعلومات من زياراته للمنطقة مدعومة بأدلة إحصائية، قادرًا على رسم صورة واضحة للوضع في الشرق الأوسط اليوم، وإضافة إلى نظريته الأصلية التي ألقى من خلالها الضوء على الطريقة التي يمكن أن يؤدي من خلالها إشراك إيران اقتصاديًا إلى إحداث تحول في السياسة في المنطقة، خصص نصر أيضًا بعض الوقت للنظر في المفاهيم الخاطئة لدى الغرب فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وبتناوله العلمانية والأصولية، يعد كتاب نصر متكاملًا، فيما يتعلق بتغطية المسارات المحتملة للتغيير في المنطقة، وبالتالي تعد حجته قوية فيما يتعلق بفكرة أن الأمور الاقتصادية لها علاقة كبيرة بالتطورات السياسية في العالم العربي.

أضف تعليقك

حقل مطلوب

الإيميل المطلوب لن يتم إظهاره أبداً

يرجى إدخال الأحرف التالية في المربع (حساس لحالة الأحرف) فهذا يساعدنا على منع البرامج الأوتوماتيكية من عمل حسابات إلكترونية وإرسال بريد عشوائي

سوف يتم مراجعة التعليقات وحذف أي تعليق غير لائق

بنود وشروط

دبلوماسية العثمانيين الجدد

أثرت الأزمة العالمية على اقتصادات الدول المتقدمة بشكل يفوق كثيرًا تأثر تركيا بتلك الأزمة ويفوق تأثر الدول المجاورة لها في الشرق والأقل تقدمًا من الناحية الاقتصادية. وقد سارعت أنقرة بفتح سفارات وقنصليات لها في دول تقع جنوب وشرق تركيا ( 15 دولة في إفريقيا على مدى العامين الماضيين) كمجرد استجابة سياسية لتغير موازين التجارة الدولية، فهل هذا دليل على أن تركيا سئمت من اللهاث وراء أوروبا وأصبحت ترى أن قيامها بدور إقليمي أكثر ملاءمة لمصالحها؟ وهل تسعى تركيا حاليًا لأن تصبح لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط؟

تحميل العدد

الاختبار الكبير

 سبقت الانتخابات العراقية الحالية الكثير من الأحداث المضطربة والمقلقة، مما أضعف الأمل في أن تكون هناك دولة ديمقراطية حقيقية في العراق تخضع ل"حكم القانون". وسيتوقف جزء كبير من مستقبل العراق القريب على هذه الانتخابات، ولن يكون هذا مقصورًا على ميزان القوى الداخلي، ولكن سيمتد أيضًا ليشمل علاقات العراق الدبلوماسية

مع الدول العربية الأخرى والولايات المتحدة وإيران.

تحميل العدد

نشرة بريدية

نعم أود أن أتلقى آخر الأخبار يوميا من المجلة في صندوق الوارد ببريدي الإلكتروني

تعليقات

ماذا بعد مقتل المبحوح في دبي ؟

هل بوسع الاخوة الفلسطينيين الذين يتقاتلون من أجل عيون اسرائيل أن يفهموا الدور قادم على كل واحد منهم مهما كانت انتماءه الحزبى ؟ هل يفهمون ؟ هل يضعوا مصلحة الوطن أمام أعينهم قبل المصالح الشخصية .... لا أظن.... سيظلوا عملاء للصهاينة حتى النخاع ثم بعد ذلك يجاهدون من وراء الميكرفونات ويتهمون الشرفاء فى مصر بالذات بالعمالة مع أننا قدمنا من أجل القضية الفلسطينية ما لم يقدموه هم فى الواقع.... وصدق من قال اذا لم تستح فافعل وقل ما ئئت.... ومبروك عليكم الخلافات والتشرذم والتقاتل وجعل الله بأسكم بينمكم كبير.... كبير ... كبير الى يوم الدين .... يامن بعتم القضية بحصاد الهشيم فلم يعد لديكم وطن ولا دين.

morateen في Mar 7, 2010 1:42 PM

1 تعليقات

المالكي يأمر باعتقال مقتدى الصدر إذا عاد للعراق

يجب على جميع الافواه التي لاتريد للعراق الخير ان لاتنشر مثل هكذا اخبار كاذبة.
وخصوصا ونحن نعلم ان العصابات البعثية هي من قتل ويقتل العراقيين من امثال الراحل السيد عبد المجيد الخوئي (قدس سره الشريف).
ونحن نعلم ان السيد مقتدى الصدر زعيم المقاومة العراقية الباسلة وهو من الخطوط الحمراء لدى العراقيين ولا يحق لاي جهة اتهام الناس جزافا.
وكذلك محاولة بعض الاطراف البعثية الضغط على حكومة العراق المنتخبه المتمثلة بالسيد نوري المالكي حفظه الله ورعاه.

عراق ابن سومر ابن اكد ابن بابل ابن علي ابن ابي طالب في Mar 7, 2010 1:36 PM

2 تعليقات

المالكي يأمر باعتقال مقتدى الصدر إذا عاد للعراق

هاي شنو انتم ليش ما تبطلون هي السوالف الاعلامية المغرضة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

غزوان الشباني في Mar 7, 2010 1:34 PM

2 تعليقات

هل ستصبح تركيا إسلامية؟

أوافق في الرأي الكاتب مايكل ثومان فتركيا تحتاج الآن إلى إصلاح دستوري كبير يهدف إلى اللامركزية ونشر الديمقراطية في البلاد، لقد تأخر كثيرًا التقسيم الجيد للسلطة على المستوى المركزي وفي الأقاليم، ويجب أن يدفع حزب العدالة والتنمية والبرلمان التركي والاتحاد الأوروبي خلال محادثات عضوية تركيا في الاتحاد، بقوة من أجل هذه الإصلاحات.

محمد سيد في Mar 7, 2010 1:28 PM

1 تعليقات

نصير الديمقراطية

بالرغم من تضارب الآراء حول رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي،فهناك من يقول انه ديمقراطي و هناك من يقول العكس ، إلا أنني أري أن الشعب الأثيوبي هو فقط من سيحدد صلاحية ميليس زيناوي او لا ، و لذا يجب أن يتم التركيز هنا علي ضرورة أن تكون الانتخابات نزيهة .

عبد الرحيم عامر في Mar 7, 2010 1:27 PM

1 تعليقات

تجميل الإرهاب

ليس من المستبعد أن تكون الأجهزة الأمنية الباكستانية و الأمريكية هي المسئولة عن التفجيرات الأخيرة و ذلك لإضفاء المبرر علي التواجد الأمريكي في هذه المنطقة و كذلك من اجل شغل العالم بتنظيم القاعدة و أفعاله و شغله عن قضايا أخري .

إيهاب عبد الكريم في Mar 7, 2010 1:26 PM

1 تعليقات