رجل خرج من رماد الحرب
مقتدى الصدر والتمرد الشيعي في العراق ب
تاريخ النشر: الجمعة 05 مارس 2010 تم التحديث: الجمعة 05 مارس 2010
قام مقتدى الصدر برسم الكثير من معالم السياسة الشيعية منذ الغزو الأمريكي للعراق.. و قد تناول باتريك كوكبيرن في كتابه الأخير كيف ولماذا نجح هذا الشيعي الشاب في جذب جزء من السكان الشيعة وإضفاء الطابع العسكري عليهم. وعلى الرغم من أن هذا الكتاب تم تأليفه ليكون بمثابة سيرة ذاتية لمقتدى الصدر، فإن أهميته لا تقتصر على ذلك، فهو يعطي رؤية كاشفة لتاريخ العراق السياسي ومكانته في المنطقة.
اتريك كوكبيرن
دار نشر فيبر 2009
بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، اتضح أن قوات التحالف لم تخطط للفراغ السياسي، الذي أعقب عملية التحرير، حيث إن مرحلة بناء الدولة ما بعد الغزو هي مسألة فن أكثر من كونها علمًا، إلى جانب سوء فهم واشنطن للسياسة العراقية. وكانت النتيجة خروج مقتدى الصدر من رماد الحرب، وهو رجل دين شيعي متشدد لا يفهم السياسة العراقية فقط، ولكن لديه أيضًا القدرة على تعبئة الشباب في المناطق الحضرية الفقيرة وضمهم إلى الميليشيا المعروفة باسم جيش المهدي.
ومنذ ظهوره، ومقتدى الصدر شخصية غامضة وقوة لا يستهان بها بالنسبة للحلفاء والعراقيين على حد سواء، ولأن باتريك كوكبيرن - وهو صحفي أيرلندي يعيش في العراق منذ عام 1977 - يعرف أن القصة وراء صعود نجم مقتدى الصدر وكذلك وراء تمرد الشيعة في العراق لها فصول كثيرة يجهلها من هم خارج المنطقة.
باتريك كوكبيرن وهو صحفي أيرلندي يعيش في العراق منذ عام 1977 أخذ على عاتقه عبء تفسير هذه الظاهرة للعالم في كتابه الأخير، روايته الرائعة للأحداث نجحت في تحويل سيرة القائد مقتدى الصدر إلى دراسة عن التشيع وأهمية الصراع الطائفي في السياسة العراقية. وعلى الرغم من الكم الهائل من المؤلفات التي تتناول الطائفية والاهتمام الكبير بهذه القضية في المنطقة، فإن أسلوب كوكبيرن واختياره للمحتوى جعل كتابه فريدًا من نوعه.
يتناول الكتاب مجموعة من القضايا، بدءًا من الانقسام التاريخي بين السنة والشيعة إلى الصراعات الحالية داخل العراق حول القضايا الطائفية. ويسجل كتاب كوكبيرن أهم محطات الحياة السياسية العراقية، ويوضح كيف أدت هذه الأحداث مجتمعة إلى ظهور التمرد الشيعي وصعود نجم مقتدى الصدر نفسه. وبالرغم من أن الكتاب لم يبدأ في التعرض لمقتدى الصدر نفسه حتى الفصل التاسع، فإن اختيار الكاتب لذلك له مزايا عديدة، فهذا القرار ساعد كوكبيرن على أن يضع حركة مقتدى في إطار السياق التاريخي للدولة، وهو ما يفسر شعبية مقتدى.. وبصورة أكثر تحديدًا، يصور كوكبيرن كيف تمكن مقتدى من أن يجعل نفسه الوريث الطبيعي لقيادة الشيعة في العراق من خلال تبنيه خطابًا يستند إلى الشهادة وكيف أثرت الشهادة على عائلته، بما في ذلك والده ووالد زوجته.
وإضافة إلى تناوله لحياة مقتدى الصدر، يسلط الكتاب الضوء على حياة الحكام العراقيين السابقين- خاصة صدام حسين - وعلى عملية صنع القرار في الماضي، ونجح كوكبيرن على وجه الخصوص في عرض رؤية واضحة عن النظام الذي بناه صدام حسين، الذي كان غير قابل للتقويض أوالإطاحة به، وأعرب كوكبيرن عن رؤيته بأن هذا النظام كان يقوم على ولاء الشرطة والجيش وعلى الولاء القبلي، والمقوم الأهم الذي كان يقوم عليه نظام صدام كان هو " ارتفاع أسعار النفط بعد عام 1973، مما وفر للبعثيين ما يكفي من الأموال لرفع مستويات معيشة كل العراقيين ولتخفيف السخط الشعبي"، وهو المزيج الذي جعل رجال الدين الشيعة، وغيرهم من الناشطين السياسيين الشيعة في حزب الدعوة، يشعرون بالضآلة الشديدة لفرص النجاح في حالة مواجهة صدام حسين.
ويقدم كوكبيرن دعم الولايات المتحدة لصدام حسين خلال الحرب العراقية - الإيرانية بوصفه درسًا تاريخيًا مهم للحلفاء الغربيين، الذين لهم مصالح في المنطقة، ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لتأييد الولايات المتحدة لفرض عقوبات ضد العراق، ويقوم كوكبيرن من خلال سرده للآثار المترتبة على سياسات الولايات المتحدة بتوضيح الدور الكبير الذي قامت به الدول الغربية في تشجيع الصراعات الطائفية، وأشار كوكبيرن إلى أن الاقتصاد والمجتمع العراقيين انهارا تحت وطأة العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة بعد غزو الكويت، فنتيجة للعقوبات، تدهورت حياة ملايين العراقيين، وهذا يفسر جزئيًا لماذا لاقت رسالة الصدر قبولًا لديهم . وقام كوكبيرن بتقديم تشبيهات واضحة بين الدعم الذي قُدم لصدام وبين دعم الولايات المتحدة للمجاهدين الأفغان أثناء الاحتلال السوفيتي، وأشار إلى أن الولايات المتحدة والحكومات الأخرى ينبغي أن تتوخى الحظر فيما يتعلق بمن يقومون بدعمه وفيما يتعلق بكيفية هذا الدعم، حتى لا تتسبب سياساتهم في ضرر أكثر مما تأتي به من نفع، وحتى لا ينتهي بهم الأمر إلى التسبب في ظهور الاستياء، الذي من المؤكد أنه تسبب في المشاعر المعادية للولايات المتحدة السائدة في العراق الآن.
ويكتسب تقييم كوكبيرن للسياسة في العراق أهميته من الرؤية التي يقدمها لمزيج الفكر الشيعي والفكر القومي الذي قدمه مقتدى الصدر كأساس لحركته، وأوضح كوكبيرن أن الشيعة في العراق "كانوا قوميين رغم أن تعريفهم لما يعنيه ذلك في ضوء الهوية الوطنية العراقية كان مختلفًا عن تعريف السنة لذلك... فعلى عكس الأكراد، لم يحدث أن انطوت مطالب الشيعة أبدًا على تدمير أو إضعاف الدولة العراقية، بل كانت تتمثل في المطالبة بنصيب عادل من السلطة داخل الدولة العراقية، وفي المطالبة بوضع حد للتمييز ضد الشيعة"، والحركة الصدرية التي تعد موضوعًا مهمًا في كتاب كوكبيرن تتألف من "مزيج جيد" للهوية القومية العراقيين والهوية الدينية الشيعة، وهكذا يمكن تفسير الشعبية الكبيرة للحركة الصدرية في عهد كل من محمد صادق الصدر بين عامي 1992، وحتى عام 1999، و بعد ذلك تحت قيادة ابنه مقتدى.
وقد نجح كتاب كوكبيرن في تقديم صعود مقتدى الصدر من خلال السياق التاريخي للعراق، والأهم من ذلك، أنه أوضح أنه إذا كان صعود الصدر بمثابة صدمة لأي شخص، فإن ذلك يرجع فقط لعدم فهم ذلك الشخص لتطور السياسة الطائفية الشيعية في العراق، ولدورها في توفير طبيعة مميزة للقومية العراقية،
ويضم الكتاب، إضافة إلى كونه سيرة لمقتدى الصدر والتمرد الشيعي في العراق، محتوى تاريخيًا مهمًا، ويضم تحليلًا قيمًا للمتخصصين في العلوم السياسية للأشخاص العاديين، على حد سواء، ويعد هذا الكتاب جديرًا بالقراءة، ومفيدًا لكل مهتم بفهم السياسة في العراق الآن.



تعليقات
نجدي الاسدي
June 30 2010 02:06
الإبلاغ عن تعليق غير لائق