من الاضطهاد إلى الفرصة
تاريخ النشر: الأربعاء 23 يونيو 2010 تم التحديث: الثلاثاء 03 أغسطس 2010
يكشف الكاتبان كريستوف ووودون في كتابهما الجديد "نصف السماء" عن أشكال عديدة من الاضطهاد التي تعاني منها النساء في العالم. فعلى الرغم من الإحصاءات الصادمة التي يقدمها الكتاب، إلا أنه يسلط الضوء على الفرص التي يمكن استغلالها لمساعدة الضحايا. يؤمن الكاتبان أن تمكين المرأة ليس فقط حل لاضطهادهن، فهو يسعى لمعالجة تحديات عالمية أخرى مثل الفقر والأمن.
عرض لكتاب "نصف السماء: تحويل اضطهاد النساء إلى فرصة للتغيير"
للمؤلفين نيكولاس كريستوف وشيريل وودون
منشورات ألفرد كنوبف 2010.
عمد نيكولاس كريستوف في عموده في صحيفة نيويورك تايمز فعل شيء يتجاهله معظم الصحفيين، فبدلًا من مناقشة مواضيع معقدة في العلاقات الدولية، يلفت نظر القراء مرتين أسبوعيًا لقضايا كثيرًا ما يتم تجاهلها لكنها تؤثر على أكثر الفئات تضررًا في العالم. في كتابه الأخير نصف السماء يتقدم نيكولاس كريستوف وشيريل وودون خطوة إلى الأمام بدفاعهم عن حقوق المرأة مشيرين أنه في تمكين المرأة تكمن الحلول للعديد من القضايا الملحة. لقد تمكنا من تجنيد الكثير من القراء في ما وصف أنها حركة وليدة لكنها واعدة لتحرير المرأة "ومكافحة الفقر في العالم بإطلاق قوة المرأة كعنصر اقتصادي فعال."
فيما يصفانه بالمسؤولية الاجتماعية التي تشبه إنهاء العبودية، يقول كريستوف ووودون أنها كغيرها من أشكال الكفاح من أجل التحرر في الماضي، تواجه الحركة النسوية تحديات عديدة. وأحد اكثر العراقيل صعوبة ليس عدم الاكتراث بل شعور الفئات الأكثر حظًا أن اضطهاد المرأة هو نتاج للتاريخ والثقافة لذلك أصبح إرثًا من الصعب التغلب عليه.
مع ذلك، استطاع كريستوف ووودون بالإحصاءات الضخمة التي تضمنها كتابهما حول اضطهاد وتمكين المرأة أن ينبهوا القارئ إلى مدى الظلم الذي تتعرض له المرأة. لكن ما هو أهم من ذلك أن الإحصاءات التي يقدمها الكتاب حول التمكين الناجح تشير إلى أن قضايا الاتجار الجنسي والاسترقاق وارتفاع معدلات وفيات الأمهات والفقر لها حلول. فأفضل وصف لكتاب نصف السماء جاء على لسان مؤلفيه أنفسهم الذين قالا "إنها قصة تحول "
أحد أهم القضايا التي يتناولها الكتاب هي انتشار الاغتصاب، لاسيما في الحروب. لقد كان الاغتصاب حاضرًا في الحروب في الماضي لكن في هذه الأيام أصبح أحد أسلحة الحرب. في الكونغو ورواندا على سبيل المثال يستغل الاغتصاب لازدراء الضحية ووصم عائلتها بالعار ونشر الخوف في المجتمع وتمزيق النسيج المجتمعي. بالرغم من أنه في كل صراع يفوق عدد الوفيات من الذكور مثيله من الإناث على نحو غير متناسب، تواجه النساء عبئًا ثقيلًا خلال وبعد الحرب، غالبًا بسبب الاغتصاب.
في دارفور على سبيل المثال كانت ميليشيا الجنجويد المدعومة من الحكومة السودانية "تبحث عن نساء ثلاث قبائل أفريقية وتغتصبهن بشكل جماعي ثم تقطع آذانهم أو تمثل بهن حتى يشار اليهن كضحايا اغتصاب إلى الأبد." وما يزيد الأمور سوءًا، أن الحكومة عاقبت أولئك الذين كتبوا عن الاغتصاب أو حاولوا الحصول على علاج لمنع العالم الخارجي من وصم السودان بعار عدم الدفاع عن نسائه."
أوضح كريستوف ووودون أن هذه المشاكل التي تعكس الواقع يمكن تناولها على الصعيد الشعبي، وذلك يعني أن الناس العاديين يمكنهم المساعدة في هذا الصدد. يجمع الكتاب بين قصص المعاناة وقصص الانجاز، وفي موضوع الاغتصاب اختار الكاتبان تسليط الضوء على دور مستشفى في الكونغو يعالج ضحايا الاغتصاب وأحد المتطوعين العاملين معه.
تطوعت هاربر، الأمريكية ذات الـ 23 عامًا، للعمل في مستشفى هيل في الكونغو. وخلال تلك الفترة افتتحت مدرسة للأطفال الذين عليهم الانتظار عدة أشهر حتى يتلقوا العلاج. وشرعت في برنامج تدريب للنساء اللواتي ينتظرن عمليات جراحية. يقول المؤلفان أن جهودها منحت ضحايا العنف الجنسي الفرصة لكسب قوتهن وتغيير حياتهن. بالرغم من أن الاستقلال المالي لا يستطيع تغيير ما مر به ضحايا الاغتصاب إلا أنه يساعدهن على إيجاد مستقبل واعد لهن ولأسرهن.
ضمت القضايا الأخرى التي عالجها الكتاب مشكلة صحة الأمهات. فنقص الانتباه لصحة الأمهات يؤدي إلى معاناة ما يزيد على 3 ملايين امرأة وفتاة من سلس البول نتيجة للنواسير، وهي حالة غير مألوفة في العالم النامي. والناسور هو ثقب في أنسجة المثانة والمستقيم، وهو مؤلم ويسبب نزول البول والبراز على شكل نقاط عن طريق المهبل وصولًا إلى الساق. أصبحت هذه الجروح، التي قد تحدث نتيجة لصعوبات العمل أو العنف الجنسي، نوعًا من الإعاقة حيث أن النساء اللواتي يعانين منها مرفوضات اجتماعيًا بسبب الرائحة التي تصاحب هذه الإصابة. "إن مريض الناسور هو مريض الجذام لهذا العصر." لكن بالرغم من آثاره المدمرة، يمكن معالجة الناسور بسهولة.
لماذا إذن النواسير منتشرة ويتم تجاهلها غالبًا؟ يوضح الكاتبان أن النواسير مثل أي قضية أخرى تتعلق بصحة الأم تواجه ثلاث عقبات: إنها مشكلة النساء الفقيرات والريفيات، ويضيفان أنه ينظر إلى النساء في العالم النامي كسلعة تباع وتشترى.
هذه هي أشكال الظلم التي يسعى الكتاب لوضع حد لها. بتوفير الموارد لهذه الفئة سواء كانت الوقت أو النقود يأمل كريستوف ووودون بلفت النظر لمعاناة فئة غير مسموعة. فالإحصاءات التي يقدمها الكتاب حول الاضطهاد سبب كافٍ لقراءته. وفيما يتعلق بأنواع المنظمات التي تقدم التغير الحقيقي يلعب الكاتبان دورًا في دعمها للرفع من معدل نجاحها. وما هو جدير بالثناء أن الكتاب لا يمثل صوت فئة مهمشة فقط بل يقدم حلولًا تجريبية لمشاكل خطيرة.


