إبراهيم كالين، كبير مستشاري الشئون الخارجية لرئيس الوزراء التركي
عثمانية جديدة
المجلة: هل توافق على أن السياسة الخارجية التركية قد تغيرت تغيرا جذريا في السنوات الخمس الماضية أو نحوها؟
أعتقد أنه كان هناك تواصل مع الماضي بقدر ما كان هناك تغيير. ولنأخذ إسرائيل على سبيل المثال. فالناس تعتقد أن تركيا قد أدارت ظهرها لإسرائيل لأن حزب العدالة والتنمية هو “حزب إسلامي” له أهداف خفية يسعى لتحقيقها. وهذا ليس صحيحا. فتركيا كانت أول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل عام 1948. ولكنها كانت أيضا أول دولة تسحب سفيرها من إسرائيل عندما أضرم المتطرفون اليهود النار في المسجد الأقصى في عام 1968. وعندما وقعت حادثة جنين في عام 2002، وصف رئيس الوزراء الراحل بولنت أجاويد، وهو سياسي علماني، و ليس حزب العدالة والتنمية، الحادثة بأنها إبادة جماعية. و قد ظلت هذه الحكومة حتى عام 2008 تعمل على تسهيل المفاوضات السورية الإسرائيلية. فالإسرائيليون والسوريون كانوا يثقون بنا و نحن أيضا كنا نثق بهم. ولكن حملة غزة هزت هذه الثقة. وهذا هو حال العلاقات بين الدول. فهي تارة في صعود و تارة أخرى في هبوط.
المجلة: لكن باستثناء إسرائيل، يبدو أن هناك العديد من التقلبات صعودا و هبوطا في العلاقات الثنائية في الآونة الأخيرة بين تركيا وعدد من الدول الأخرى مثل روسيا وأرمينيا وإيران والعراق وسوريا واليونان وأفريقيا؟
لقد جددت تركيا من ثقتها بنفسها. أصبحنا نشعر أننا كدولة لدينا ما نقدمه لهذه المنطقة في هذا الوقت بالذات الذي يشعر فيه الغرب بالحيرة إزاء الأوضاع في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط والقوقاز. فنحن نشعر بأننا لدينا القدرة أكثر من الغرب على فهم الأوضاع في كل هذه الدول و استيعابها جيدا نظرا لارتباطنا بهذه الدول من الناحية الجغرافية والثقافية والتاريخية. والدور الذي تلعبه تركيا لم يعد مقصوراً على السياسة فقط. فقد عرفت تركيا كيف تستفيد من العولمة بشكل غير مسبوق. فنحن أكبر اقتصاد في المنطقة بعد روسيا، بل إن اقتصادنا أكثر توازنا من الاقتصاد الروسي. ورجال الأعمال الأتراك منتشرون في كل مكان.
المجلة: هل هناك خطر من فشل تحرك تركيا نحو إقامة علاقات متعددة الأطراف مع إيران تقوم على أساس التوازن ؟
لا يختلف ما نقوله عن إيران في جوهره كثيرا عما يقوله عنها أصدقاؤنا الأمريكيون والأوروبيون. فقد انتقد بعض الناس الحكومة الحالية لتهنئتها محمود أحمدي نجاد بفوزه في الانتخابات التي جرت في وقت سابق من هذا العام. ولكن هذا هو ما فعلته الولايات المتحدة أيضا. فبالرغم من أن باراك أوباما قد يكون متعاطفا بشكل شخصي مع المتظاهرين في شوارع طهران، فإنه يدرك تماما أنه ينبغي عليه الدخول في محادثات مع القوى السياسية الرئيسية هناك إذا كان يرغب في حل أزمة الملف النووي الإيراني. و تركيا تدرك هذا و تعيه تماما.
المجلة: وما وجهة نظر تركيا بشأن برنامج إيران النووي؟
موقفنا واضح جدا. فنحن ضد امتلاك أي بلد لأسلحة نووية، لأننا نريد أن نعيش في منطقة خالية من الأسلحة النووية. وهذا ينطبق على إيران كما ينطبق على إسرائيل، أو أي دولة أخرى قد يراودها التفكير يوما ما في الحصول على أسلحة نووية. ولكن من ناحية أخرى، فإن من حق أي دولة في العالم أن يكون لديها برنامج سلمي للطاقة النووية. ونحن الآن بالفعل نقوم بأولى محاولاتنا لبناء محطة للطاقة النووية. وحلفاؤنا الغربيون لا يشعرون بالقلق إزاء هذه المحاولة لأنهم يثقون بنا. ولكنهم لا يثقون في إيران، مثلما لا يثق بها جيرانها من الدول العربية. وما تقوله تركيا هو أن المسؤولية تقع على عاتق طهران لإثبات أن برنامجها النووي يتم تنفيذه لأغراض سلمية. ولكن من ناحية أخرى لا يمكن بناء هذه الثقة من خلال عزل إيران، وتهديدها بين الحين و الآخر كما كانت إدارة جورج بوش تفعل.
المجلة: هل لاحظتم مخاوف الدول العربية في الشرق الأوسط من تحسن العلاقات التركية الإيرانية؟
أنا لم ألاحظ ذلك، بالرغم من أنني أعلم أن بعض صناع السياسة والمثقفين العرب قلقون من زيادة حجم الدور الذي تلعبه تركيا في المنطقة ، وخاصة بشأن قضية فلسطين.فالبعض يروج أن تركيا تسعى لسرقة دور مصر كوسيط في المنطقة. و هذا غير صحيح بالمرة فنحن موجودون هناك لمساعدة مصرو ليس لسرقة دورها. فالقضية الفلسطينية تشكل عبئا على و ضغطا سياسيا هائلا علي المجتمع المصري، مما يزيد من صعوبة الأمور عليها. كما أننا لا يمكننا أبدا أن ندعي قدرتنا على لعب نفس الدور الذي تلعبه مصر في السياسة العربية. فنحن لسنا عربا و لا تقع دولتنا في قلب العالم العربي من الناحية الجغرافية.
المجلة: إذا فأنت لا توافق على وصف السياسة الخارجية التركية الجديدة بأنها نوع من العثمانية الجديدة؟
ببساطة شديدة لم تعد العناصر الأساسية لذلك النظام العالمي موجودة. ولكن بالرغم من تحفظاتي الشخصية على نموذج الدولة القومية، فإنه في الواقع نموذج مقبول من قبل غالبية شعوب المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك فدعونا لا ننسى أن كل القوى العظمى قد شكلت جزءا من تاريخ المنطقة في القرن ونصف القرن الماضيين. والعناصر الموضوعية البسيطة لما يمكن أن نسميه بالعثمانية الجديدة ليست موجودة. وتركيا فى حقيقة الأمر ليست مهتمة بهذا النوع من الرؤية الامبريالية.
المجلة: إذا ما هي رؤيتكم بالنسبة للمنطقة؟
لو سألت المواطن التركي العادي عن رؤيته الجغرافية لتركيا ستجد أنها تمتد إلى أبعد من الحدود الوطنية. فهي تمتد حتى تصل إلى أراضى أجداده في آسيا الوسطى والصين. كما أنها تشمل الأراضي السابقة في البلقان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأعتقد أن هذا هو ما ينبغي أن يكون علية الأمر. فمشروع الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، ما هو إلا وسيلة لإلغاء كل الحدود. و لكننا معتادون في هذا الجزء من العالم على فكرة الحدود الصارمة العازلة التي تشبه جدار برلين. ولكن الجدران العازلة يجري هدمها الآن في جميع أنحاء العالم. فلماذا إذا لا نحاول أن نفعل نفس الشيء هنا؟ وبطبيعة الحال، فإن إنشاء اتحاد مثل الاتحاد الأوربي لن يكون بنفس البنية المحكمة والرسوخ القانوني مثل الاتحاد الأوروبي. ولكن هذا سيعنى على الأقل أن ننظر إلى سوريا بطريقة مختلفة عن الطريقة التي ننظر بها إليها الآن، وأن نفعل نفس الشيء مع العراق. فالمسألة ليست محاولة تحسين العلاقات بين دولة ودولة، بقدر ما هي محاولة تحسين العلاقات بين شعب وشعب.
المجلة: هل حان الوقت للقضاء على الآثار التي خلفتها الحرب الباردة في المنطقة؟
بالتأكيد. فقد عبر وفد من وزراء تركيا الحدود إلى سوريا في شهر أكتوبر كنوع من الإزالة الرمزية للحدود، وذلك بعد حوالي 20 عاما تقريبا من سقوط حائط برلين. وقد أعلن هذا الوفد أن المواطن السوري والتركي لم يعودا بحاجة لتأشيرة لزيارة أي من الدولتين. و ما نفعله حاليا ليس أكثر من مواصلة هذه الجهود لإزالة آثار الحرب الباردة. وهذا هو السبب في أنني أكدت في وقت سابق على أهمية ما يمر به المجتمع التركي في الوقت الحالي و أهمية رجال الأعمال الأتراك. فبعد عقود من العيش في عالم يسوده الاستقطاب، بدأ الأتراك يدركون أن الحياة ليست مجرد لونين، أبيض و اسود، أو حلف وارسو والحلف الغربي.
المجلة:هل هناك شعور متزايد بالحنين إلي العثمانية في تركيا ؟
أعتقد أن ما نراه هو استعادة بطيئة لذكرى الإمبراطورية العثمانية بعد 80 عاما من الدعاية التي تقوم بها الجمهورية و التي صورت هذه الإمبراطورية علي أنها متخلفة واستبدادية. بالنسبة لي ، فان تجدد الاهتمام بهذه الإمبراطورية يشبه الطريقة التي كان يفكر بها مؤسسو الفكر الفلسفي الحديث في أوروبا . وقد وجد اشخاص مثل نيتشه وهايدغر أن إلهامهما يستمد من وثنية الإغريق الذين كان لهم أقدام راسخة في عالم الفكر والكتابة قبل أن تتشكل معالم الحداثة . وعلى مستوى واحد، فالأتراك مثل شعوب الإمبراطوريات الأخرى، يشعرون بالفخر بماضيهم. الأهم من ذلك ، أن الإمبراطورية العثمانية تذكرنا بأننا كنا في يوم من الأيام أمة مؤلفة من هويات متعددة. وأعتقد أن معرفتنا بأننا كنا قادرين على العيش في وئام لمدة 600 عام، سوف تثري الخيال التركي في القرن الحادي والعشرين
المجلة :يعتقد البعض مؤخرا سواء داخل تركيا أو خارجها أن تركيا ” تتجه بعيدا عن الغرب “
هذا لايخلو من ازدواجية في المعايير. فعندما كانت الولايات المتحدة تتخذ خطوات لتحسين العلاقات مع روسيا ، كان ينظر إليها على أنها تساعد علي تحقيق السلام العالمي. و عندما قامت تركيا بفعل نفس الشيء ، اتهمت بأنها تستعرض مبادئ حلف شمال الأطلسي.
إن إجراءات انضمام البلدان الأخرى لعضوية الاتحاد الأوروبي تمضي قدما خطوة بخطوة. ولكن قيل لتركيا أنها لن تكون أبدا عضوا كاملا بالاتحاد الأوروبي. و عندما احتجت تركيا،قال البعض إن الحكومة قد تخلت عن جهودها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ، و تحاول التقرب من الشرق.
المجلة:إذا أنت لا تتفق مع هذا الرأي ؟
يتضح من ذلك أن فلسفة الحرب الباردة و النفوذ الأوروبي ما زالا قائمين. فالحكومة و الشعب التركي ليس لديهما نية للابتعاد عن الغرب. فبينما تزداد صادراتنا إلي الشرق ، تظل أكثر من نصف صادرات تركيا متجهه إلى أوروبا. فتركيا لا تستعد لمغادرة حلف شمال الأطلسي,كما أنها غير مستعدة لمغادرة عشرات المنظمات السياسية والثقافية الأوروبية — مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والبرلمان الأوروبي — التي هي عضو فيها. على العكس من ذلك، فإن الجهود والتضحيات التي تبذلها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لا مثيل لها مقارنة بأي دولة أخرى
المجلة :وبالرغم من ذلك يبدو أن حماس الحكومة لمشروع الاتحاد الأوروبي قد انخفض بشكل كبير منذ عام 2005
أن خرق فرنسا وألمانيا للاتفاقات الموقعة عندما بدأت تركيا إجراءات الانضمام في عام 2005 قد أثر سلبا على الجمهور ،و ليس الحكومة فقط. و يقع جزء من اللوم علي التقارير الإعلامية: فقد سمعنا الكثير عن معارضة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لانضمام تركيا ,أكثر مما سمعنا عن تأييد المملكة المتحدة لهذا الانضمام . ولكن هذه العملية لا تزال تحت السيطرة. ففي حين تظهر استطلاعات الرأي أن نحو 40 في المائة من الأتراك لا يعتقدون أن أوروبا سوف تتقبلهم، تظهر هذه الاستطلاعات أيضا أن أغلبية الأتراك يدعمون الانضمام. خوفي الشخصي أنه إذا طالت هذه العملية في الاتحاد الأوروبي، فإن تركيا قد تفقد حماسها للانضمام تماما.
المجلة:إذا ما العمل ؟
- تركيا لم تعد بلدا خاملا تعيش في ظل القوى العظمى في عالم الحرب الباردة. و التاريخ لم يعد يتدفق من الغرب إلي الشرق. و لم يعد هناك محور غربي مقنع . والسؤال هو هل أوروبا لديها الرؤية الإستراتيجية للخروج إلى العالم الجديد. هل ستحول نفسها من قوة قارية إلى قوة ناعمة فعالة مؤثرة على نطاق أوسع؟ وهل ستبقي سجينه المناقشات الفنية حول تشريعات الاتحاد الأوروبي ، بحيث لا تتجاوزرؤيتها الجيوسياسية الحدود البلغارية التركية؟ أولئك الذين يفسرون التغيير علي أنه تهديدا سوف يتجاهلهم التاريخ.ولهذا السبب يتعين على تركيا أن تستميت في مواصلة جهودها الإصلاحية مستقلة عن العقلية الأوروبية، . فإذا تسنى لنا أن نعرف طريقنا في الوقت الذي تشعر فيه أوروبا وأمريكا بالتخبط، فمن يكون المخطئ إذا ؟
أجري الحوار نيوكلاس بيرش – صحفي حر في تركيا في صحيفة وول ستريت جورنال و تايمز أوف لندن
















تابعنا