المجلة
بقلم: :
التاريخ: : الجمعة, 25 ديسمبر, 2009
0
طباعة طباعة

نصيب الفرد العربي من المياه سيقل عن 10% من حصة الفرد على المستوى العالمي

د. رضوان عبد اللـه : قمة مُخيبة للآمال

تشير الدراسات إلى أن ارتفاع مستويات البحار بمقدار متر واحد سيؤثر مباشرة على 41,500 كيلومتر مربع من الأراضي الساحلية العربية، وعلى 3,2 في المئة من سكان البلدان العربية.. علاوة على ذلك ونتيجة للتغيرات المناخية فقد تتأثر صحة البشر بارتفاع درجات الحرارة، ويزداد تفشي الأمراض المعدية مثل الملاريا والبلهارسيا ..

أما وقد انفض المؤتمر العالمي للتغيرات المناخية في كوبنهاجن هذا الأسبوع دون تحقيق طموحات الدول النامية والأكثر تأثرًا بالآثار السلبية للتغيرات المناخية، أمام  تعصب الدول الصناعية المسئولة عن النسبة الأكبر من الانبعاثات المسببة للاحتباس  الحراري.

وقد أقرت وفود الدول المشاركة في قمة المناخ بكوبنهاجن بوجود اتفاق المناخ الذي توصلت إليه كل من الولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، دون الموافقة عليه بشكل رسمي. وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون: إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه لا يستجيب كلية للآمال والتطلعات، لكنه “يظل رغم ذلك بداية أساسية.”  ويتضمن هذا الاتفاق تخصيص 30 مليار دولار على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة للدول الفقيرة لمواجهة مخاطر تغيرات المناخ، على أن ترتفع إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020 .

وفي الجلسة الختامية للقمة طالب عمرو موسى، الأمين العالم للجامعة العربية، الدول المتقدمة بقرارات ترضي الدول النامية وتمنحها القدرة على تخفيض الانبعاثات، خاصة وأن التغير المناخى ستكون له تأثيرات سلبية على التوازن البيئي في الدول العربية التى ستتعرض لمخاطر تفوق أى منطقة في العالم مثل ارتفاع مستوى المياه في البحار في منطقة تعاني من موجات جفاف متكررة وندرة في المياه وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض كميات الأمطار، وقال إن التغيرات المناخية سيترتب عليها نزوح وهجرة للسكان. وقال إن إنشاء نظام أقمار صناعية عربية لمراقبة كوكب الأرض مع التركيز على آثار التغير المناخي على البلاد العربية وشواطئها وأنهارها وصحاريها يكتسب أهمية خاصة في هذه المرحلة، إلى جانب مردوده الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي سيمكن من قيام نظام عربي متطور وفاعل للمراقبة والإنذار المبكر لمواجهة الأزمات.

وبناء على النتائج التي توصلت إليها التقارير ومئات الخبراء يمكننا القول صراحة: إن البلدان العربية هي، في حالات كثيرة، من البلدان الأكثر تعرضًا في العالم للتأثيرات المحتملة لتغير المناخ.  وأهم هذه التأثيرات ارتفاع معدل درجات الحرارة، وانخفاض كمية الأمطار مع اضطراب في وتيرتها، وارتفاع مستويات البحار، في منطقة تعاني أصلاً من القحل وموجات الجفاف المتكررة وشح المياه. والأمثلة كثيرة مثل فيضانات جدة  واليمن  والجزائر والمغرب هذا العام،  وإعصار جونو الذي ضرب سلطنة عمان عام 2007 وغيرها. 

وتشير معظم الدراسات والتوقعات إلى أن ارتفاع مستويات البحار بمقدار متر واحد سيؤثر مباشرة على 41,500 كيلومتر مربع من الأراضي الساحلية العربية، وعلى 3,2 في المئة من سكان البلدان العربية بالمقارنة مع نسبة عالمية تبلغ 1,28 في المئة. علاوة على ذلك ونتيجة للتغيرات المناخية  فقد  تتأثر صحة البشر بارتفاع درجات الحرارة، ويزداد تفشي الأمراض المعدية مثل الملاريا والبلهارسيا، وتزداد حالات الحساسية والأمراض الرئوية.  كذلك فإن  ارتفاع تركيزات ثاني أوكسيد الكربون واشتداد العواصف الرملية وتكرارها بالإضافة إلى ازدياد قسوة الجفاف وتوسعه وتغير امتدادات الفصول قد يترتب عليها انخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية إلى النصف، ما لم يتم تطوير واعتماد محاصيل تحتاج إلى مياه أقل وتتحمل ارتفاع مستويات الملوحة. كما سيؤثر ذلك على الشعاب المرجانية وتآكل الشواطئ وارتفاع مستويات البحار على المراكز السياحية الساحلية المنخفضة نسبيا.   وسيؤدي ارتفاع الحرارة درجتين مئويتين الى انقراض ما يصل إلى 40 في المئة من جميع الأنواع الحية. كما  أن 75 في المئة من المباني والبنى التحتية في المنطقة معرضة بشكل مباشر لتأثيرات تغير المناخ، وستكون الجزر الاصطناعية التي تُبنى في بعض البلدان العربية من المواقع الأولى التي ستتأثر سلبًا  بارتفاع مستويات البحر.

وبصفتي خبيرًا في مجال المياه، فسأتناول ببعض من التفصيل أثر التغييرات المناخية على شح الموارد المائية وإدارتها المستدامة. وكما يعلم الجميع فإن الوضع المائي العربي حرج للغاية، فبالرغم أن الإقليم العربي يحتل 10 في المئة من الكوكب، فهو يحوي أقل من 1 في المئة من موارد المياه العذبة في العالم.  فمن المتوقع أن يزداد سكان المنطقة من حوالي 300 مليون نسمة حاليا إلى حوالي 500 مليون بحلول عام 2025. ومن المتوقع أن يزداد الطلب على الماء من حوالي 205 مليار م3 سنويًا حاليا إلى حوالي 400 مليار عام 2025، وتشير التقديرات المختلفة إلى أن نصيب الفرد العربي من الموارد المائية المتجددة سيقل عن 800م3 في السنة بحلول عام 2015، وهو ما يعادل 10% من حصة الفرد على المستوى العالمي، وبالرغم من حجم هذا الطلب واستخدام معظم الموارد المائية المتاحة في القطاع الزراعي فإن المنطقة العربية ما زالت تستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاتها الغذائية، وما زال ما يربو على 70 مليون نسمة بحاجة إلى توفير مياه شرب آمنة، وحوالي 90 مليون عربي يحتاجون إلى خدمات صرف صحية مناسبة، وهذا يجعل أمام الدول العربية تحدٍ كبير وصعب لتحقيق أهداف الألفية بخفض هذه الأرقام إلى النصف بحلول عام 2015م .

إن محدودية كمية الموارد المائية العذبة وتدهور نوعيتها يشكل تحديًا كبيرًا لصناع القرار لمجابهة الوضع المائي المتأزم في الدول العربية، أضف إلى ذلك ارتفاع معدلات النمو السكاني وارتفاع معدل الاستهلاك الفردي للمياه العذبة وارتفاع مستويات البخر وقلة هطول الأمطار، وازدياد موجات الجفاف تجعل المشكلة مزمنة وتفاقم تأثيرها، إذ إن نحو 80 في المئة من الموارد المائية العذبة مكرسة للزراعة  ولا بدّ من تحسين الكفاءة، خصوصًا في الري، وتطوير موارد مائية جديدة، بما في ذلك التقنيات المبتكرة لتحلية المياه المالحة.

 ومن المتوقع أن يؤثر تغير المناخ على تدفقات جريان الأنهار، مما قد يسبب نواقص مائية (في حال انخفاض هطول الأمطار) أو فيضانات (في حال حدوث ازدياد دوري في هطول الأمطار). كما أن الأنظمة المائية في البلدان النهرية سوف تؤثر أيضًا على البلدان العربية التي تعتمد على أنهار تنبع من خارج تلك البلدان، مثل العراق وسوريا ومصر والسودان.

وتشمل تدابير التكيف والتعايش مع تغيرات المناخ  التي  توصي بها معظم الدراسات  ما يلي:  تغيير الأنماط الزراعية، وتبني إستراتيجيات وسياسات مائية جديدة تطور تقنيات ترشيد بالمياه وإدارتها بصورة حكيمة، واعتماد أدوات الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتطوير أنواع جديدة من المحاصيل تكون أكثر تكيفًا مع ارتفاع درجات الحرارة وملوحة التربة، وتطوير آليات وتقنيات مستحدثة لتحلية المياه المالحة ومناسبة للوطن العربي.  كما يجب اتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية المنشآت المهمة على الشواطئ والسواحل والجزر العربية وحمايتها من النحر أو الغرق.  وأخيرًا، على البلدان العربية أن تعيد النظر في أولويات توزيع المياه على نشاطات إنمائية مختلفة بناءً على كفاءة استعمال المياه، ممثَّلة بالإنتاج لكل متر مكعب من المياه بدلًا من الإنتاج لكل وحدة مساحة من الأرض لإعطاء أعظم عائد اقتصادي لكل قطرة من المياه.

المجلة

المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

More Posts - Website - Twitter - Facebook

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>


3 + = 5