المجلة
بقلم: : المجلة
التاريخ: : Friday, 12 Feb, 2010
0
طباعة طباعة

الغموض يحيط بمستقبل الاقتصاد الصيني

شبح الانهيار

على العكس الاقتصاديات الغربية، أثبت الاقتصاد الصيني مرونة خلال الأزمة المالية العالمية. وتعود تلك المرونة بشكل كبير إلى حزمة التحفيز الضخمة التي ابتكرتها الحكومة الصينية وتيسير شروط الائتمان خلال الأزمة. ومع ذلك ، يبدو أن التفاؤل يتضاءل شيئاً فشيئاً.

الغموض يحيط بمستقبل الاقتصاد الصيني

دلائل الركود الاقتصادي الصيني تلوح في الأفق من جديد، بالرغم من أنه من غير المعروف إذا كانت تلك النهاية ستحدث نتيجة لنيران التضخم أو جليد الطاقة الإنتاجية الزائدة.

وهناك نتيجة ثالثة وهى أن الاقتصاد الصيني سيستمر في النمو بإيقاع قوي، وهو ما أثبتته الأعوام الثلاثين الماضية. ويبدو أن هذا هو حكم صندوق النقد الدولي الذي أكد أحد اقتصادييه الكبار ويدعى جورج ديكريسن في أواخر يناير لصحيفة وول ستريت أنه ليس هناك مخاطر جسيمة تواجه الاقتصاد الصيني. بل إن هناك بصيص أمل لمستقبل الصين الذي يكتنفه الغموض. فحتى تتجنب بكين التضخم، يمكن أن تسمح بزيادة قيمة عملتها مقابل الدولار الأمريكي، وهي خطوة سوف يرحب بها شركاؤها التجاريون الرئيسيون.

لم يعد تعويق الاتجاه الذي يسير فيه الاقتصاد الصيني هدفاً لخبراء السياسة في العديد من العواصم المالية. وكما قال مؤخراً ديفيد بيلينج الخبير الآسيوي في صحيفة الفاينانشال تايمز: “هناك الكثير من الدلائل التي توحي بأن الاقتصاد الصيني لن يستمر على وضعه الحالي. ولكن حدسنا يخبرنا بأن هذا الاقتصاد لديه القدرة على الاحتفاظ بوضعه الحالي، على الأقل لأن الحزب الشيوعي بحاجه إلى ذلك”. وأشار بيلينج أيضاً إلى مدى اهتمام العالم بأن يكون هناك استقرار في الصين؛ فالبلاد تمثل الآن قوة اقتصادية عالمية، والمستثمرون وواضعو السياسة بدءاً من الولايات المتحدة إلى الخليج العربي شاركوا مشاركة فعالة في نجاحها. 

الجدل الدائر حول مصير الصين بمثابة تأكيد ضمني على أن خطة التحفيز التي تقترب من 600 مليار دولار أمريكي، والتي كُشف عنها النقاب في أواخر عام 2008، حققت هدفها الأساسي في توجيه البلاد خلال الأزمة المالية التي ضربت العالم منذ ستة عشر شهراً. فبعد أن شهد الاقتصاد الصيني تباطؤاً هائلاً حيث بلغ معدل النمو 8.7% العام الماضي بعد أن كان 9.6% في عام 2008، من المتوقع أن يشهد الاقتصاد الصيني توسعاً نسبته 10% هذا العام، وفقاً لصندوق النقد الدولي. ومع ذلك فإن هذا النمو تم تحقيقه من خلال خطة التحفيز التي تعادل 14% من إجمالي الناتج المحلي في الصين. وإلى جانب الأشغال العامة الضخمة، شجعت الحكومة البنوك على تقديم قروض ضخمة للمنشآت والمشروعات الخاصة والتي قدرت بنحو 1.3 تريليون دولار أمريكي العام الماضي، وهو إجراء لإصلاح السيولة أدى إلى زيادة المعروض النقدي بنسبة 30% تقريباً.      

وكان يُخشى أن ينجم عن طفرة البناء مستويات خطيرة من الطاقة الإنتاجية الزائدة. ففي نوفمبر، حذرت إحدى شركات المباني العقارية العملاقة من أن شركات البناء تقوم ببناء أعداد كبيرة من ناطحات السحاب في المدن الصينية بالرغم من الأعداد الكبيرة من الشقق والمكاتب التجارية التي لم يتم بيعها. كما ظهرت مخاوف مشابهة بشأن وجود أماكن صناعية ومشروعات بنية تحتية زائدة. وقد انتقد مجلس الدولة “التوسع الأعمى” في الصناعات الأساسية مثل الحديد والصلب وإنتاج الأسمنت وأصدر خطة جديدة للحد من التوسع في بناء المصانع. 

التأثير الانكماشي للطاقة الإنتاجية الزائدة في الصين يمكن أن يكون له صدى على المستوى العالمي. فإغلاق خطوط الإنتاج كان معناه خفض أسعار السلع التصديرية الأمر الذي من شأنه أن يوتر العلاقات بين الشركاء التجاريين. وأصبح توقع حرب تجارية أمريكية صينية على رأس قائمة التوقعات السيئة التي يمكن أن تحدث في عام 2010. ونتيجة لانخفاض الإيرادات، يمكن ألا تجد شركات التصنيع بديلاً عن تقليل الرواتب الأمر الذي سيؤدي إلى حالة من  الإضطراب الإجتماعي. ولإرضاء المجتمع الغاضب، يمكن أن تسحب بكين من احتياطياتها لتمويل برامج التوظيف. ويمكن أن يكون هذا معناه ارتفاع أسعار الفائدة في أمريكا، التي تعتبر المقترض السيادي رقم واحد من الصين، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى حدوث اضطراب في الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني أصلاً حالة من الهشاشة في الوقت الحالي.

هذا هو أحد السيناريوهات السيئة التي يبدو أن شبح ارتفاع الأسعار قد حل محلها على الأقل في الوقت الحالي. وعلى مدى شهور عديدة، أوضح جيم تشانوس، مدير صندوق التحوط الذي تنبأ بانهيار شركة إنرون في فترة التسعينيات، أنه يراهن على أن الاقتصاد الصيني في طريقه للركود. وذكر نيكولا سميث وهو إستراتيجي في شركة الأوراق المالية العالمية “إم إف” أن نسباً كبيرة جداً من استثمارات الأصول الثابتة إضافة إلى انخفاض الاستهلاك المحلي بمثابة “تركيبة مثالية” للكارثة. وقد تنبأت مؤخراً ستراتفور وهي خدمة عالمية لتحليل المخاطر بأن الصين سوف تعاني حالة من الركود الاقتصادي”.     

الأسعار الاستهلاكية وأسعار السلع بدأت في الارتفاع العام الماضي؛ بحوالي 2% تقريباً وذلك في ديسمبر ، وكان هذا كافياً لدفع كبار واضعي السياسات للتحرك. ففي نوفمبر، قال فان جانج رئيس المعهد القومي للبحوث الاقتصادية ومستشار المصرف المركزي الصيني خلال مؤتمر أعمال في هونج كونج أن معدل الطلب المتزايد بشدة أدى إلى مجموعة من فقاعات الأصول شديدة الخطورة. وقبل ذلك بيوم واحد، حذر ليو مينجكانج وهو من أكبر منظمي البنوك في بكين من أن انخفاض أسعار الفائدة الأمريكية وضعف الدولار الأمريكي سوف يؤديان إلى مخاطر فعلية جديدة ربما يتعذر السيطرة عليها. 

وقد قام مسئولون صينيون الشهر الماضي بالتوفيق بين أقوالهم وأفعالهم. ففي الثامن من يناير، قام مصرف الصين الشعبي – البنك المركزي في بكين – برفع عائد السندات الحكومية قصيرة الأجل وتلك التي مدتها عام لجذب الاستثمار بعيداً عن الأصول الثابتة. وبعد ذلك بأيام قليلة، أعلن المصرف زيادة في عتبات الاحتياطي للمصارف المملوكة للدولة حيث تسربت أنباء عن أن الحكومة تقوم بتجميد القروض المصرفية الجديدة. 

ومن غير الواضح مدى عمق تأثير تلك المراسيم على السلطات الإقليمية التي تتمتع باستقلالية ذاتية كبيرة جداً عن بكين أكثر من تلك التي تتمتع بها منذ جيل مضى. ومع ذلك فإن أدوات السياسة البدائية للحكومة أثبتت فعالية في الماضي وليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأنها لن تجدي هذه المرة. ووفقاً لنشرة صادرة عن شركة “بي إف سي إنيرجي”، وهي شركة استشارية مقرها واشنطن وتتابع عن كثب الاقتصاد الصيني، فإن “الجمع بين التغييرات في متطلبات الاحتياطي والتوجيه الصريح وخطورة عدم تقليل الإقراض يحتمل أن يكون له تأثير وأن يؤدي في نهاية المطاف إلى نتيجة تباطؤ الإقراض المرغوب فيها”. وتتوقع بي إف سي أيضاً تحقق نمو اقتصادي طفيف في الصين مقارنة بالعام الماضي ليبلغ 8.5% بالنسبة لعامي 2010 و2011.

وهناك أيضاً سبب آخر وراء ضرورة عدم اعتبار ارتفاع أسعار الأصول في الصين بمثابة تهديد وجودي، وهو انخفاض مديونية البلاد. فبالرغم من أن النظام المصرفي الصيني تم تحديثه بشكل كبير خلال الثلاثين عاماً الماضية، يظل هذا الاقتصاد اقتصاداً نقدياً. فمعظم الصفقات العقارية يتم إجراؤها بمبالغ كبيرة من اليوان، العملة الصينية، التي تقلل من مخاطر الأزمة المالية التي يقودها حبس الرهن. ووفقاً لدراسة حديثة أجرتها مؤسسة ويلز فارجو للأوراق المالية، يعادل الدين المحلي في الصين 20% فقط من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بنسبة تقترب من 100% في الولايات المتحدة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فنسبة القروض إلى الودائع في الصين، وهي مقياس شائع للمديونية، انخفضت بالفعل وفقاً لويلز فارجو حيث بلغت 0.67% بعد أن بلغت 0.94% في عام 1994. وعلى النقيض، ظلت نسبة القروض إلى الودائع حول مستوى الـ 0.1% في ذروة فقاعتها الائتمانية. وفي حين ارتفعت أسعار الأسهم الصينية بصورة جنونية منذ أن تم تفعيل خطة التحفيز، تظل مؤشرات الأسواق الرئيسية في الصين عند مستوى 30-50 وهي أدنى من الارتفاعات التاريخية التي حدثت في أواخر عام 2007.  

وأخيراً، هناك ورقة الصين الرابحة وهي خيار زيادة قيمة العملة. فبعد أن سمحت بكين بزيادة قيمة عملتها مقابل الدولار الأمريكي بحوالي 20% في منتصف عام 2005 فقط لتستعيد ربط عملتها بالدولار في منتصف عام 2008، لحماية مصدريها، هناك حديث عن قيامها بزيادة قيمة عملتها من جديد. فاليوان الأقوى قد لا يكون فقط هو أكثر الطرق فعالية في مواجهة التضخم؛ وإنما من الممكن أن يحفز الاستهلاك المحلي؛ الذي بدونه لا يمكن أن يتم إصلاح الاختلالات التجارية العالمية؛ وربما يمنع ذلك حدوث عراك محتمل بين بكين والمجتمع التجاري العالمي الذي لم يعد يحتمل التلاعب بالعملة الصينية.

لقد تحدت الصين الدلائل الكارثية لوقت طويل جداً، ومن ثم فإن لديها قناعة بأنها لن تصبح عرضة للخطر. لكنه من المؤكد أنه لا يمكن لأي اقتصاد أن يظل ينمو بشكل مستمر، خاصة مع انعدام القدرة على السيطرة على السوق الحر. ومع كل تحدٍ جديد، تصبح عواقب الفشل أكبر. وربما يكون أكثر الأسباب التي تجبرنا على أن نكون متفائلين بشأن المستقبل الاقتصادي للصين هو أنه لا أحد يفهم هذا الأمر أفضل من بكين. 

المجلة

المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدرأسبوعياً باللغتين العربية والإنجليزية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

Website - Twitter - Facebook - More Posts

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>