المجلة
بقلم: :
التاريخ: : الجمعة, 5 مارس, 2010
0
طباعة طباعة

العراق إلي أين؟

هذا الأسبوع يحدد العراق مصيره ومستقبله السياسي من خلال الانتخابات البرلمانية المقرر لها السابع من مارس / آذار الجاري، والتي تجرى وسط تحديات كبيرة تواجه العراق، سواء كانت داخلية تتعلق بالوضع الأمني غير المستقر في الآونة الأخيرة - والذي كشفت عنه التفجيرات الأخيرة واستهداف بعض المرشحين، وكذلك استبعاد بعض المرشحين تحت مبرر انتمائهم لحزب البعث

[escenic_image id="5526219"]

وعلى رأسهم زعيم الجبهة العراقية للحوار الوطني الدكتور صالح المطلك ـ أو خارجية تتمثل في التدخلات الإيرانية والأمريكية في العملية الانتخابية والسياسية بالعراق، فإيران تسعى من خلال تواجدها ونفوذها القوي في العراق أن تؤثر في سير العملية الانتخابية، بما يحقق مصالحها من خلال دعم قوائم انتخابية بعينها على أسس طائفية، بينما تتمثل التدخلات الأمريكية في سعي واشنطن إلى تأمين الوضع في العراق بعد انسحاب قواتها بحلول أغسطس/آب 2011 – بحسب ما أعلنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما ، وكذلك تركيا التي تربطها بالعراق مصالح  تسعى إلى تحقيقها.

وسط هذه التدخلات تأتي التحركات السعودية والمصرية بهدف إنجاح الانتخابات القادمة باعتبار العراق جزءًا مهمًا من العالم العربي، وما يحدث فيه يؤثر بالقطع على الدول العربية بصفة عامة وعلى المملكة العربية السعودية بصفة خاصة.. نظرًا للقرب الجغرافي بين الدولتين، وبالتالي فإن إجراء الانتخابات بمثابة فرصة للتغيير وتحول العراق إلى بلد ديمقراطي  يحدد مستقبله بمشاركة الشعب العراقي في التصويت. 

 لم يكن هذا هو السبب الوحيد لأهمية الانتخابات المقبلة وإنما اكتسبت أهميتها أيضًا من كون النتائج التي ستسفر عنها عمليات التصويت سوف تحدد بشكل واضح المستقبل السياسي للعراق.

كل هذه القضايا وغيرها كانت محل بحث ونقاش في القاهرة الأسبوع الجاري على المستويين الدبلوماسي والأكاديمي، فدبلوماسيًا، أعلنت مصر وتركيا ” الجارة الإستراتيجية للعراق”، رغبتهما في أن تخرج الانتخابات العراقية بنتيجة تمكن كل الأطياف السياسية من التمثيل والمشاركة في البرلمان والحكومة العراقية المقبلة، وأعربت الدولتان على لسان وزيري خارجيتهما أحمد أبو الغيط وأحمد داود أوغلو في ختام جلسات الحوار الإستراتيجي بين القاهرة وأنقرة عن أملهما في أن تتاح الفرصة لكل العراقيين من جميع الأطياف العراقية بالمشاركة في الانتخابات، لكي يتحقق السلام الداخلي  وصولا  لحكومة سهلة التشكيل، وبالتالي القضاء على جميع أشكال العنف وعدم الاستقرار، باعتبار أن الانتخابات المقبلة هي انتخابات حاسمة .

أما على المستوى الأكاديمي فعلى مدار يومين نظم المركز الديمقراطي العربي بالقاهرة مؤتمرًا حضره عدد من المحللين السياسيين العراقيين والمصريين تناول قضية “الانعكاسات المحتملة للانتخابات العراقية على مستقبل العراق والمنطقة العربية”.

وعلى الرغم من تقليل الكثير من المحللين السياسيين من أهمية العملية الانتخابية المقبلة، باعتبار أنها تجرى تحت سيطرة الاحتلال الأمريكي، وبالتالي فقدانها للشرعية، وفقًا لما نص عليه القانون الدولي، فإن الدكتور نبيل حلمي ـ أستاذ القانون الدولي المصري ـ يرى  أنه حتى إن كانت الانتخابات فاقدة للشرعية إلا أنها خطوة مهمة من أجل تغيير الوضع في العراق وفى سبيل أن يحكمه العراقيون وتفويت الفرصة على إيران لتوسيع نفوذها داخل العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية، لافتًا إلى أن حدوث أي خلل في العراق من شأنه أن يؤثر على الدول العربية وخاصة دول الخليج.. وهو ما أدركته المملكة العربية السعودية ومصر وبدأتا في التحرك نحو إنجاح الانتخابات، لكن ذلك لا ينفي الغياب العربي في مقابل التواجد الإيراني والتركي والأمريكي.

من جانبه قال الدكتور أحمد يوسف أحمد، مدير معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، إن الانتخابات المقبلة لن تأت بجديد كما أنها لن تكون تعبيرًا عما يجري في العراق، وسيحدد ذلك نسبة المشاركة، مشيرًا إلى أنه إذا جاءت النتائج مشابهة لنتائج الانتخابات السابقة فإنه يمكن أن نقول ” إن العراق أصبح في طريق مسدود وأن العملية السياسية تم الحكم عليها بالموت”.. أما في حالة حدوث تغيير- ولو طفيفًا – فإن ذلك سيغري القوى التي أعرضت عن المشاركة في الانتخابات مثل المقاومة بالمشاركة في العملية السياسية.

وقال إبراهيم الدليمي، المحلل السياسي العراقي إن المعارضة العراقية ارتبطت بتحالفات مع أجهزة خارجية مما كان له بالغ الأثر في إفشال التجربة الديمقراطية، لافتًا إلى أن أمريكا لم تتبن العملية السياسية في العراق إلا بعد فشلها في تأكيد أكاذيبها – حسب وصفه – بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل.

واستنكر الدكتور أنور رسلان، أستاذ القانون، عميد كلية الحقوق بجامعة القاهرة سابقًا استبعاد بعض الفئات من المشاركة في الانتخابات في إشارة إلى استبعاد صالح المطلك وبعض المرشحين وهو ما اعتبره رسلان إجراءً منافيًا للديمقراطية بما لا يمكن معه الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة.

وقال الدكتور مصطفى الفقي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري، إن الغزو الأمريكي وإسقاط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين قدم العراق إلى إيران على طبق من فضة، وبدأت إيران في استغلال ذلك لتوسيع نفوذها داخل العراق بالتأثير على الشيعة العراقيين.

وطالب الفقي إيران بأن تعترف بعروبة العراق وأن تنزع يدها عنه لأنه وإن كانت هناك مصالح إيرانية في العراق فيجب أن تكون هذه المصالح بمنأى عن عروبة العراق ودون المساس بهويته العربية.

الدكتور محمد السعيد إدريس، المحلل السياسي للشئون الخليجية والإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية بمصر، يرى أن الانتخابات العراقية تشهد العديد من التحولات والتغييرات سواء على المستوى الداخلي في العراق أو على المستوى الإقليمي؛ أول هذه التحولات من وجهة نظر إدريس أن المواطن العراقي أصبح أكثر دراية بضرورة مواجهة مخطط الانقسام الطائفي، كما أن هناك انفلاتًا في التوحد الخاص بالتنظيمات الطائفية نفسه، فهذه الانتخابات شهدت انقسام الأحزاب الشيعية، بينما في المقابل ظهر تكتل جديد يقوده رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي، وهو تكتل وطني يجمع بين السنة والشيعة في ائتلاف واحد تحت مسمى “القائمة العراقية الوطنية”

أيضًا من بين التحولات الداخلية أن الانتخابات تُجرى في ظل وجود مشروع أمريكي للانسحاب من العراق وبالتالي فإن العراقيين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع وفى أذهانهم أن قوات الاحتلال ستغادر العراق ومن سيربح الانتخابات هو الذي سيملأ الفراغ الأمريكي، لكن يجب ألا ننسى أن مشكلة الأكراد ستظل عقبة أمام مستقبل العراق.

وفيما يتعلق بالتحولات الإقليمية أشار سعيد إلى وجود ثلاثة أطراف فاعلة ومؤثرة في الانتخابات العراقية هي إيران وتركيا والدول العربية، ولكن الطرف الإيراني هو الفاعل من بين الأطراف الأخرى في العراق على الرغم من أنه يواجه أزمة حقيقية تتمثل في الانقسام بين القوائم العراقية الشيعية التي تدعمها طهران، وبالتالي فإنه يتوقع أن تأتي نتائج العملية الانتخابية على غير الرغبة الإيرانية، فضلا عن إيران بدأت تظهر على حقيقتها في العراق حينما احتلت حقل ” الفكه النفطي” الواقع على الحدود العراقية الإيرانية، وهو ما كشف النقاب عن نواياها  تجاه العراق، إضافة إلى ذلك أن إيران تواجه أزمة أخرى تتعلق ببرنامجها النووي واحتدام الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية مما أعاد مرة أخرى طرح خيار الحل العسكري كبديل للعقوبات المشددة، فهذا الملف يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوضع في العراق لأنه كلما مر يوم لوجود الاحتلال في العراق فإن هذا يعد يومًا جديدًا إيجابيًا للملف النووي الإيراني، نظرًا لأن طهران تعلم أن واشنطن يصعب عليها الإقدام على عمل عسكري ضدها وهى مازالت قابعة في العراق،  وبالتالي فإن إيران صاحبة مصلحة من بقاء القوات الأمريكية في العراق .

أما تركيا، وفقًا لسعيد، فهي صاحبة مصلحة في إجراء الانتخابات ونجاحها نظرًا لخلافاتها مع الأكراد ورغبتها في عدم انفصالهم عن العراق، بينما الدول العربية غائبة تمامًا عن العراق باستثناء التحركات المصرية والسعودية والسورية  مشيراً إلى أن الانتخابات القادمة – في ظل رفض المقاومة العراقية لها – ستحدد مستقبل العراق خاصة وأنه في حالة مشاركة أعوان المقاومة في العملية التصويتية ربما نفاجأ بحكومة وطنية.

من جانبه قال الدكتور حسن أبو طالب، رئيس تحرير التقرير الإستراتيجي العربي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، إن الغزو الأمريكي للعراق كان له تأثيراته على الإقليم العربي بأكمله وليس على العراق فحسب وما حدث من اجتثاث للبعثيين كان بهدف التأثير على التوازنات المتعلقة بالحالة العراقية الانتخابية بما يعطي فرصًا أكبر لمن لهم مصالح مع النفوذ الإيراني في العراق.

وأوضح أبو طالب أن المتنافسين في الانتخابات في أذهانهم نفوذ القوى الإيرانية والأمريكية والتركية وبالتالي فإن الصورة العراقية تبدو مفتتة سياسيًا، لكنها قابلة لإعادة التشكيل.

وفيما يتعلق بالنواحي الأمنيىة وتأثيرها على سير العملية الانتخابية قال الدكتور رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، إن هناك عدة أسباب أدت إلى عدم الاستقرار الأمني في العراق؛ في مقدمتها وجود قوات الاحتلال الأمريكية، لأنه طالما هناك احتلال فستظل عمليات المقاومة موجودة  إضافة إلى الإجراءات التي اتخذت لحل الجيش وأجهزة الأمن مما أحدث فراغًا أمنيًا ساهم في خلق حالة من التوتر والعنف بين الفرقاء العراقيين في وقت لم تستطع فيه قوات الاحتلال السيطرة على الأوضاع الأمنية وحفظ الأمن.

من بين عوامل العنف أيضًا التقسيم الطائفي سواء كان على أسس مذهبية أو سياسية والذي خلق بدوره أحزابًا هشة وضعيفة تتصارع مع بعضها البعض، وكذلك اجتثاث حزب البعث بعد 40 عامًا في الحكم.. مما أثار استفزاز البعثيين وأدى إلى مواجهات بينهم وبين قوى الاحتلال الأمريكي ومن يتعاون معهم.

يضاف إلى ذلك – والحديث مازال للدكتور حسن أبو طالب – صراع القوى الإقليمية المجاورة للعراق، وأبرز مثال على ذلك الصراع الإيراني الأمريكي على العراق، وبالتالي فإنه إذا لم تتحقق المصالحة الوطنية العراقية بعد الانتخابات فإن العراق لن يعود كما كان وستظل حالة الأمن به غير مستقرة لاسيما في ظل عدم حسم مشكلة كركوك.

المجلة

المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

More Posts - Website - Twitter - Facebook

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>


7 + = 16