المجلة
بقلم: : المجلة
التاريخ: : Friday, 5 Mar, 2010
0
طباعة طباعة

هل سئمت أنقره من الجري وراء أوروبا ؟

دبلوماسية العثمانيين الجدد

أثرت الأزمة العالمية على اقتصادات الدول المتقدمة بشكل يفوق كثيرًا تأثر تركيا بتلك الأزمة ويفوق تأثر الدول المجاورة لها في الشرق والأقل تقدمًا من الناحية الاقتصادية. وقد سارعت أنقرة بفتح سفارات وقنصليات لها في دول تقع جنوب وشرق تركيا ( 15 دولة في إفريقيا على مدى العامين الماضيين) كمجرد استجابة سياسية لتغير موازين التجارة الدولية، فهل هذا دليل على أن تركيا سئمت من اللهاث وراء أوروبا وأصبحت ترى أن قيامها بدور إقليمي أكثر ملاءمة لمصالحها؟ وهل تسعى تركيا حاليًا لأن تصبح لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط؟

هل سئمت أنقره من الجري وراء أوروبا ؟

 من يريد فهم الاتجاه الذي تسير فيه تركيا فعليه أن يقوم بزيارة مسقط رأس وزير الخارجية التركي الجديد، أحمد داود أوغلو. فبالرجوع إلى عام 1959، عندما وُلد أحمد داود أوغلو في منزل لأحد التجار كان يقع على إحدى طرق ضاحية صغيرة تدعى طشقند، وكانت قونيا عاصمة الإقليم مدينة تضم وقتها نحو 50 ألف نسمة وتخدم المزارعين الذين يأتون إليها من أماكن تقع على بعد أميال منها. وكان عدد العربات التي تجرها الخيول يفوق عدد السيارات، كما كانت أسهل طريقة لإجراء اتصال هاتفي داخل المدينة هي الذهاب إلى فندق يايلا، الذي يقع في الجهة المقابلة لما تبقى من آثار القصر السلجوقي الموجود على هضبة عريقة تميز وسط المدينة.

يقول المهندس علي أكايا، الذي يكبُر داود أوجلو بنحو 18 عامًا والذي وُلد في قونيا: “إنها تبدو الآن كما لو كانت بلدًا أجنبيًا”. ويتذكر كيف أن أصدقاءه أخذوا يضحكون في بداية الستينيات عندما التحق بوظيفة كان مسئولًا فيها عن بناء قنوات للري. وقد شاهدوه وهو يعمل جاهدًا من أجل لحام خزانات المياه وهو الأمر الذي كان طريفًا بالنسبة لهم. ويضيف أكايا قائلًا: “كان من المفترض أن يقضي المهندسون أيامهم على مكاتبهم يوقعون الأوراق ولا يلوثون أيديهم بهذه المهام. لقد كنا منغلقين اقتصاديًا وسياسيًا وكانت عقولنا منغلقة أيضًا “.

إنه وصف منصف للدولة ككل. وبحلول السبعينيات، تدرب أكايا على حرفة في النمسا وسافر إلى رومانيا لزيارة مصانع قطع الغيار هناك. وبالرغم من أن معظم زملائه من الريفيين، بدت حدود تركيا بنفس الطريقة التي وصفتها بها اللوحات الموجودة على المعابر: “ُنشئت الأسوار من أجل الدفاع عن حرمة الوطن”، وحتى عام 1983، فإن القوانين التي كانت تحمي العملة التركية جعلت من المهين نظريًا حتى بالنسبة لـ “النوادل” قبول دولار “بقشيش” من أي زبون أجنبي. ونتيجة لحاجتهم الشديدة للعملة الصعبة، كان يتعين على رجال الأعمال الذين يقومون بالسفر إلى الخارج إخفاء “الماركات الألمانية”، التي حصلوا عليها من السوق السوداء في جواربهم، عندما كانوا يسافرون عن طريق الطائرة.  وباعتبارها الحارس على الجزء الجنوبي الشرقي لحلف شمال الأطلنطي، ونظرًا لنزاعاتها مع الاتحاد السوفيتي وبلغاريا وسوريا وبالطبع مع اليونان، فإن ذلك أثر بالسلب على اقتصادها، حيث كان معدل صادراتها السنوي محدودًا، بلغ 1.5 مليار دولار أمريكي خلال فترة السبعينيات. 

وبعد مرور أربعة عقود، تبلغ صادرات قونيا وحدها نفس هذا المقدار. وغرفة الصناعة المحلية التي أُنشئت بصعوبة بالغة في أوائل السبعينيات على يد علي أكايا و60 آخرين من الجيل الأول من رجال الصناعة، أصبحت الآن تتباهى بعضوية 1300 شخص. وقد زادت مساحة أربع مناطق صناعية منظمة لمسافة تمتد إلى 20 ميلًا جهة الشمال بموازاة الطريق السريع الجديد الذي يربط مدينة يتجاوز عدد سكانها مليون نسمة بالعاصمة التركية أنقرة التي تبعد عنها مقدار ساعتين.

ومثل الإصلاحات التي ازدادت إلحاحًا بالنسبة للإمبراطورية العثمانية بدءًا من القرن الثامن عشر إلى الآن، حدث تحول هائل زاد من زخمه سهولة وصول تركيا إلى التكنولوجيا الأوروبية. وقد أُنشئت أول مجموعة من ورش قونيا في فترة الخمسينيات وكانت عبارة عن ورش لإصلاح معدات زراعية صُنعت في أوروبا. وكان أول احتكاك عملي لأكايا بمسألة اعتماد تركيا على البضائع الأجنبية أن العمل في مكتبه المحلي تعطل لعدة أيام لأن رئيسه في العمل كان مفتقرًا إلى العملة الصعبة لشراء قطع الغيار لثلاثة حفارات ميكانيكية أمريكية الصنع كانت قد تعطلت. يقول أكايا واصفًا هذه المشكلة: “ثلاثة تروس في حجم قبضة اليد كلفتني دفع أول راتب لي لاستجلاب شحنة صغيرة من الصلب النمساوي ليصنع منها تروسًا جديدة ويقدم استقالته بعدها.

وبعد أن وقعت تركيا اتفاقية الاتحاد الجمركي مع أوروبا في عام 1995، بلغت العلاقة التجارية بين تركيا وأوروبا ذروة قوتها بعد عام 2001، عندما أدى فساد النظام المصرفي لأسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ تركيا. يقول أشرف سيفسي، رئيس أحد مصانع قونيا التي توفر قطع غيار لمصنعي السيارات مثل رينولت “لقد نضب السوق المحلي، وقمنا جميعًا بعمل كتالوجات وإنشاء مواقع خاصة بنا على شبكة الإنترنت وشرعنا في البحث عن مشترين جدد”. ويُقصد بالمشترين الجدد في ذلك الوقت أوروبا: فالصناعة التركية لم تكن تتمتع بسمعة جيدة لتسمح لأشخاص مثل سيفسي بالبيع بشكل مباشر للمشترين في العالم النامي. وبدلًا من ذلك كانوا يبيعون لوسطاء (سماسرة) في أوروبا يقومون بإعادة تعبئة منتجاتهم وبيعها من جديد.

ولكن بعد مرور عقد من الزمان، يبدو أن الروابط التجارية بين أوروبا وتركيا لم تعد قوية كما كانت.  فقد انخفض نصيب أوروبا من حجم الصادرات التركية في الفترة الواقعة بين عامي 2007 و 2009 من 57٪ إلى 49.5٪ في حين زاد نصيب الشرق الأوسط من الصادرات التركية لأكثر من الضعف، حيث ارتفع من 10٪ إلى 22٪. وفي عام 2009، أصبحت نسبة صادرات قونيا من السلع للشرق أكبر من نسبة صادراتها للغرب، للمرة الأولى على الإطلاق. ووفقًا لما ذكره أحد رجال الأعمال القونيين، فإن مثل هذه الإحصاءات البسيطة غالبًا ما تعكس صورة واضحة ودقيقة عن الواقع الفعلي؛ فعلى سبيل المثال، لم تعد هناك طبقية وجزر منعزلة في الصناعة مثلما كان عليه الحال في الماضي قبل عشر سنوات، وبالتالي لم تعد هناك حاجة للوسطاء الذين يشير إليهم سيفسي. والأهم من ذلك، أن الأزمة العالمية المستمرة قد أثرت على اقتصادات الدول المتقدمة الغربية على نحو أكبر بكثير من تأثيرها على تركيا وجيرانها الشرقيين الأقل تقدمًا من الناحية الاقتصادية.

وقبل وقت طويل من شروع أعضاء الاتحاد الأوروبي في مناقشة كيفية التعامل مع اليونان المثقلة بالديون، كان معظم المحللين يتوقعون ارتفاعًا في معدل النمو في منطقة اليورو هذا العام لا تزيد نسبته على 1 ٪، بينما، في الوقت نفسه، من المتوقع أن تبلغ نسبة النمو في إقليم كردستان العراقي، على سبيل المثال، 20% وهو الإقليم الواقع إلى الجنوب من الحدود التركية الكردية التي تمتد على مسافة 300 ميل، والذي تتولى الشركات التركية 90 ٪ من عمليات البناء والتشييد فيه، وبعد سنوات من القلق المتزايد بشأن الحكم الذاتي للأكراد العراقيين قررت أنقرة الآن فتح قنصلية لها في مدينة أربيل عاصمة المنطقة الكردية العراقية الاتحادية، وكان السودان من البلاد الأخرى التي يبدو أنها قد تمكنت من النجاة من الآثار المدمرة للأزمة الاقتصادية العالمية، حيث يعد السودان ثاني أسرع الاقتصادات نموًا في العالم على مدى السنوات الثلاث الماضية. وقد تزايد نشاط تركيا والصين في الفترة الأخيرة في السودان. فهناك شركة تركية، تتمتع بصلات وثيقة مع الحكومة السودانية، تقوم بتوفير الزى الرسمي للجيش السوداني، بينما تقوم شركة تركية أخرى ببناء أطول ناطحة سحاب في السودان، والتي ستتكون من 29 طابقًا وستكون المقر الجديد للهيئة القومية للاتصالات. كما تتنافس الشركات التركية على الفوز بعقد لتشييد وبناء مطار دولي جديد في الخرطوم تبلغ قيمته 1.5 مليار دولار أمريكي.

 وقد أعلن وزير الزراعة التركي، مهدي إيكر، في أكتوبر/تشرين أول الماضي، في ثاني زيارة له للسودان في عام2009 ، أنه “ينبغي أن يصبح السودان شريكًا إستراتيجيًا لتركيا”. كما أصبحت العلاقات بين الخرطوم وأنقرة من القوة بحيث إن الأخيرة كادت تستضيف الرئيس السوداني، عمر البشير، للمرة الثالثة في غضون عامين فقط، وللمرة الأولى منذ أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة لإلقاء القبض عليه لأنه متهم بارتكاب جرائم حرب.

 وتعد مدينة غازي عنتاب، التي تقع على مبعدة ساعة واحدة فقط إلى الشمال من الحدود التركية – السورية،  والتي حولها أحمد داود أوغلو ونظيره السوري إلى منطقة مرور حرة في الخريف الماضي، من أكثر المدن الصناعية التركية التي استفادت من معدل النمو الكبير الموجود في دول الشرق الأوسط. ففي الربع الأول من عام 2009، ارتفعت صادرات غازي عنتاب إلى العراق وسوريا بنسبة 93 ٪

 و 106 ٪ على التوالي، بينما انخفضت صادراتها لايطاليا وروسيا بنسبة 31 ٪ و 51 ٪ على التوالي.

ووفقًا لما ذكره نائب مدير الغرفة التجارية لمدينة غازي عنتاب، فيجن سيلكتورك، فإن “هذه الأرقام تبين بوضوح، مثل الأشعة السينية، الآثار الناتجة عن الأزمة العالمية. والمسألة بمنتهى البساطة، هي أنه إذا ما انهار الغرب، فمن حسن حظنا أن وضعنا الإستراتيجي يسمح لنا بالتصدير أيضًا إلى الشرق”.

ولكن هل الأمر بهذه البساطة حقًا؟ وهل زيادة التعددية التي ميزت الدبلوماسية التركية، منذ بدء أحمد داود أوغلو في ممارسة تأثيره من وراء الكواليس في عام 2002، مجرد انعكاس لنفوذ البلاد الصناعي المتنامي وبحثها الدءوب عن أسواق جديدة؟ وهل السرعة التي تفتح بها تركيا السفارات والقنصليات في البلدان الواقعة إلى جنوبها وشرقها (فتحت تركيا سفارات لها في 15 دولة إفريقية على مدى العامين الماضيين فقط) مجرد استجابة لتغيير موازين التجارة العالمية؟ أم أنها دليل على أن تركيا، التي سئمت من اللهث وراء أوروبا أصبحت ترى أن دور الزعيم الإقليمي هو الأكثر ملاءمة لها؟

وأحمد داود أوغلو، الذي قاد عملية التحول في السياسة الخارجية التركية، التي بدأت فعلًا قبل مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002، أصر دائمًا على عدم وجود أي تناقض بين دور تركيا الإقليمي المتنامي وترشيحها لعضوية الاتحاد الأوروبي، حيث قال مستخدمًا تشبيهًا حربيًا يتعارض مع طبيعته المسالمة: “كلما سحبنا وتر القوس أكثر نحو الشرق، تمكنا من جعل السهم يصل إلى مسافة أبعد باتجاه الغرب”.

ويندر أن تظهر معارضة صريحة للاتحاد الأوروبي داخل مجتمع الأعمال في مدينة قونيا، بل هناك انتقاد للحكومة التركية لقيامها فيما يبدو بوقف أجندتها الإصلاحية منذ بدء عملية الانضمام للاتحاد الأوروبي عام 2005، لكن هذه المدينة صوتت عام 1969، لصالح أول مرشح برلماني ذي توجه إسلامي واضح (وذي توجه مناهض للغرب)، وصوتت بشكل ساحق منذ ذلك الوقت لصالح أحزاب ذات توجهات إسلامية (تشمل حزب العدالة والتنمية)، وما يتم سماعه في كل مكان هو لغة خطاب محافظة تمزج الكثير من الفخر بالقوة الاقتصادية التي حققتها تركيا أخيرًا بدرجات متفاوتة من التناقض في المشاعر تجاه الغرب.

وأحيانًا يكون هذا التناقض واضحًا، حيث تمتزج المشاعر القومية بمشاعر الشماتة تجاه الدول الأخرى مع تزايد قوة تركيا الاقتصادية، حيث يقول محمد على أتكر، وهو أحد رجال الصناعة المشهورين في قونيا: “قد تكون أوروبا لا تعيرنا اهتمامًا الآن، لكن سوف يحدث أن تعيرنا ذلك الاهتمام لاحقًا…فعصر الممالك انتهى، فالملوك ـــ من أمثال أوروبا وأمريكا ـــ سوف يختفون”. ومثل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي قال لمجموعة من الطلاب كانت في طريقها للالتحاق ببرامج للدراسات العليا في الجامعات الأوروبية في أوائل عام 2008، بأن أسلافهم “لم يجلبوا سوى الانحلال الأخلاقي من الغرب”، يعرب آخرون عن قلقهم تجاه الآثار الضارة للثقافة الغربية.

ويتذكر فيدات يونديم، الرئيس التنفيذي لشركة تقوم بتصنيع الأفران وماكينات التقطيع الخاصة بصناعة المخبوزات، شعوره بعدم الارتياح عندما ذهب إلى إسطنبول لدراسة الهندسة في أرقى جامعة حكومية تركية، وهي جامعة البسفور ذات التمويل الأمريكي، ويضيف قائلًا: إن القيم التي كانت سائدة في الجامعة لم تكن تحظى بقبوله وكان يعتبرها قيمًا دخيلة على ثقافته.

ويعد يونديم من المتعاطفين مع فتح اللـه جولن، وهو داعية يتمتع بشخصية لها جاذبيتها يقوم أتباعه في تركيا، الذين يقدر عددهم بمليونين إلى ستة ملايين، ببناء مدارس في مختلف أنحاء العالم منذ أوائل التسعينيات، حيث يشترك يونديم مع جولن في الإعجاب بماضي تركيا العثماني، ويقوم أحيانًا بتشبيه المدرسين في مدارس جولن بأنهم مثل الجيوش العثمانية التي اجتاحت منطقة البلقان إلى أن وصلت إلى المجر في القرن الرابع عشر في أواخر العصور الوسطى، ويصف هؤلاء المدرسين بأنهم علمانيون في قاعات الدراسة في حين يمثلون نماذج للاعتدال الإسلامي خارجها.

ويتساءل يونديم: “أتعلمون ما الذي أدى إلى عظمة الإمبراطورية العثمانية”، ويجيب قائلًا: “إنها الأمانة والإحساس بالعدالة، والثقافة التي لا تزال موجودة، ففي الأناضول أشعر بأن آثار الحضارة لا تزال موجودة هناك تحت الثرى، ويمكن أن تعود إذا قام أحد بنفض التراب عنها”.

وعلى عكس أي جماعة ذات توجه إسلامي أو قومي، يعد فتح اللـه جولن، الذي يتخذ من بنسلفانيا مقرًا له، مؤيدًا للغرب، بل مؤيد للولايات المتحدة على وجه الخصوص، وذلك رغم عدم استساغته لعادات غربية معينة، وهي العادات التي لا يستسيغها فيدات يونديم أيضًا، وتدرس ابنة جولين في الجامعات الأمريكية، ويقوم هو بالسفر إلى أوروبا بشكل دوري، لكن حنينه للعصر العثماني ليس على شاكلة حنين الإسلاميين الأتراك الأوائل، الذين كانوا يعبرون عن ذلك الحنين في صورة عداء تجاه الغرب. فالحنين لدى جولن بمثابة تعبير عن الثقة في الذات وعن نفاد الصبر بشكل متزايد تجاه الرؤية التي كانت تتسم بالتقوقع على الذات وبكراهية الأجانب من جانب الأجيال التي عاشت مأساة حقبة إنشاء الجمهورية التي قامت على حطام الإمبراطورية التي هاجمها الغزاة من كل جانب.

ويوجز أكايا التغيير في العقلية التركية بقوله: “في البداية…كنا ننظر إلى العرب على أنهم قبليون يتسمون بالقذارة، وإلى الأوروبيين على أنهم حفنة من الكفرة، أما الآن فنحن لا نكره حتى الروس. فتركيا الآن أكثر تسامحًا تجاه الغرب، وأكثر تسامحًا تجاه العالم الخارجي بشكل عام، فقد تخلصنا من مخاوفنا، حيث أدركنا أن الحدود القائمة لن تتغير”، إن هذه هي الروح التي تميز دبلوماسية “العثمانيين الجدد” التي يوجهها أحمد داود أوغلو، وهي روح المسلم الذي يشعر بقيمة ذاته وتمتلئ حياته بالثقة.

ويعرب إحسان داجي، وهو محلل للسياسة الخارجية متعاطف مع حزب العدالة والتنمية (وزوجته نائبة تابعة للحزب) عن قلقه من وقت لآخر تجاه مبالغة الحكومة في توجهاتها الإسلامية، ويشير إلى أن الوزراء يشعرون بالارتياح بدرجة أكبر في العواصم الشرق أوسطية مقارنة بتواجدهم في بروكسيل، وأعرب عن رؤيته بأن أحد جوانب القصور الرئيسية في الحكومة، منذ أن انتقل عبد اللـه جول إلى قصر الرئاسة، يتمثل في عدم وجود قوة موازنة لداود أغلو، يكون دورها هو النظر باتجاه الغرب، ويتساءل عما إذا كان الخطر الأكبر يتمثل في الإخفاق الذي ينتج عن الثقة المبالغ فيها في الذات.

ويوضح داجي أن “تركيا تعد حديثة العهد فيما يتعلق بلعبة القوى العظمى، فلم يحدث أن أتيح لها هذا الخيار خلال الحرب الباردة، وهي الآن تريد أن تصبح لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط، فهل لديها ما يكفي من خبراء في شئون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية؟”، لقد أثارت كاتينكا باريسش، نائبة مدير مركز الإصلاح الأوروبي الذي يتخذ من لندن مقرًا له، نقطة مماثلة، حيث أشارت إلى أن ألمانيا لديها 7 آلاف دبلوماسي مدرب، أما تركيا، وهي دولة بنفس حجم ألمانيا، فلديها ألف دبلوماسي فقط.

لقد ظهرت قلة خبرة تركيا منذ أن بدأت الانفتاح على العالم اقتصاديًا وسياسيًا في أوائل الثمانينيات، وقد كان تورجوت أوزال، وهو واحد من الزعماء الأتراك أصحاب الرؤى ويعد من العثمانيين الجدد منذ فترة طويلة قبل أن يأتي داود أوغلو إلى الساحة، يحلم بالهيمنة التركية على المناطق التي تتحدث التركية في وسط آسيا، ولم يتحقق من ذلك سوى بناء العشرات من مدارس جولن وتراكم الثرة التي يملكها رجل الأعمال المفضل لدى أردوغان أحمد كاليك. لقد فشلت خطط رئيس الوزراء ذي التوجه الإسلامي والنائب عن مدينة قونيا نجم الدين أردوغان في التسعينيات لصرف وجه تركيا بعيدًا عن أوروبا عندما قام الزعيم الليبي معمر القذافي بتوبيخ المسئول التركي على إساءة معاملة الأكراد أثناء زيارة رسمية من قبل الأخير لطرابلس، وذلك في مشهد مؤسف بثه التليفزيون التركي مساء ذلك اليوم.

إن الجانب الكبير في نجاح الانفتاح الدبلوماسي لحزب العدالة والتنمية حتى الآن يرجع إلى كون تركيا تعد أقوى تجاريًا مما كان عليه الحال قبل عقد من الزمان، لكن هناك مؤشرات على إمكانية حدوث تصدعات في بنيان الدبلوماسية التركية، فبدلًا من التركيز على استغلال مساعيه الحميدة للصلح بين فتح وحماس، يبدو أن أردوغان  مصر على التركيز على فظائع الظلم الصهيوني في الخارج، كما أن التحرك الشجاع من جانب السياسة الخارجية لحكومته الذي يتمثل في التقارب مع أرمينيا أصبح عرضة لخطر الانهيار.    

           ذات مرة، قالت الروائية التركية أليف ألاتلي إن بلادها (تركيا) لديها القدرة على أن تجمع بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه. فمثل الحكومات السابقة، ربما يشعر حزب العدالة والتنمية في نهاية الأمر بالحاجة إلى تحويل انتباهه من جديد نحو الغرب. 


وفي المقابل، فإن سلسلة حزم الإصلاح التي قام الساسة الأتراك بتمريرها بعد عام 2001، لضمان بدء المفاوضات بشأن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي يمكن أن يُنظر إليها مع مرور الوقت بأنها كانت مجرد محاولة يائسة تهدف إلى دعم اقتصادها الوطني الذي كان على حافة الانهيار.

نيكولاس بيرش – كاتب في صحيفة وول ستريت جورنال و صحيفة التايمز اللندنية

المجلة

المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدرأسبوعياً باللغتين العربية والإنجليزية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

Website - Twitter - Facebook - More Posts

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>