المجلة
بقلم: : المجلة
التاريخ: : Thursday, 29 Jul, 2010
0
طباعة طباعة

توقيع اتفاقية تاريخية عبر المضيق

بعض القلق على الجبهة الشرقية..

يبشر توقيع اتفاقية تعاون اقتصادي بين الصين وتايوان في 29 يونيو (حزيران) 2010 ببداية مرحلة جديدة من العلاقات عبر المضيق والتكامل الاقتصادي الآسيوي. ولكن لا تمر تلك الاتفاقية دون شكوك سياسية، على الأقل من جانب تايوان. وفي الواقع، على الرغم من أن الاتفاقية تحقق مميزات واضحة (وكبيرة) لتايوان، فإن مسألة الاستقلال ما زالت تحوم حول مستقبل الجزيرة.
تشن يون لين ، ورئيس الوكالة الصينية شبه الرسمية(إلي اليمين)  ، يصافح شيانغ بينغ كون مبعوث تايوان (إلى اليسار) ، و رئيس مؤسسة التبادلات عبر المضيق ، و ذلك أثناء جولة المحادثات التجارية الخامسة بين تايوان و الصين التي عقدت في  تشونغتشينغ ، مقاطعة سيتشوان في الصين يوم 29 يونيو 2010.

تشن يون لين ، ورئيس الوكالة الصينية شبه الرسمية(إلي اليمين) ، يصافح شيانغ بينغ كون مبعوث تايوان (إلى اليسار) ، و رئيس مؤسسة التبادلات عبر المضيق ، و ذلك أثناء جولة المحادثات التجارية الخامسة بين تايوان و الصين التي عقدت في تشونغتشينغ ، مقاطعة سيتشوان في الصين يوم 29 يونيو 2010.

في 29 يونيو 2010، وقعت تايوان والصين اتفاقية ثنائية تاريخية تمهد الطريق لإقامة علاقات اقتصادية وثيقة عبر المضيق. وتضع الاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي مجموعة عامة من الإرشادات من أجل الترتيبات المستقبلية المتعلقة بتجارة السلع وروابط تجارية أكثر شمولا. ولكنها ليست اتفاقية تجارة حرة حقيقية. منذ أن تولى ما يينغ جيو رئاسة تايوان عام 2008، تم بالفعل تنفيذ مجموعة من الإجراءات التحررية، منها تخفيف القواعد المطبقة على الخطوط الجوية، دون الحاجة إلى اتفاقية إطارية للتعاون الاقتصادي، وبهذا يشكك بعض الناخبين المحليين المعارضين للاتفاقية في الحاجة إليها. ولكن تساعد الاتفاقية على إضفاء صفة رسمية على الصلات التجارية المزدهرة بالفعل. وقد قال السيد ما يينغ إنها سترسل بإشارة دبلوماسية إيجابية إلى دول أخرى ما زالت حتى الآن تمانع توقيع اتفاقيات تجارية مع تايوان، متعللة بمخاوف من أنها قد تزعج الصين. ومع حدوث تقدم في مفاوضات الاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي، سيتوسع الطرفان في نطاق السلع التي تتمتع بتخفيض أو إلغاء التعريفات الجمركية، وستضيفان مجالات تتعلق بالخدمات والاستثمار وفض المنازعات. وتم الانتهاء من قائمة «الحصاد المبكر» – وهي القائمة الأولية من السلع التي ستتمتع بالتخفيض الجمركي – في شهر يونيو لصالح تايوان. وسوف تتمتع الجزيرة بتخفيضات وإعفاءات جمركية على 539 سلعة تصدرها إلى الصين، كانت تبلغ قيمتها عام 2009 نحو 13.8 مليار دولار أميركي (فيما تمثل هذه القيمة 16.1 في المائة من قيمة صادرات الجزيرة عبر المضيق). بينما تشهد الصين تخفيضات جمركية على 267 سلعة تصدرها إلى الجزيرة، وصلت قيمتها إلى 2.9 مليار دولار أميركي في العام الماضي (وهي تمثل 10.5 في المائة من صادرات البر الصيني الرئيسي عبر المضيق). ويعكس الانحياز لصالح تايوان عنصرين أساسيين: أولا، تعتمد تايوان بصورة أكبر على البر الصيني كسوق تصديرية بدلا من العكس. ثانيا، يتضح أنه من المأمول أن تساعد الاتفاقية التي تعمل لصالح تايوان حكومة الجزيرة على تجنب الانتقادات المحلية للاتفاقية. وقد أعلنت حكومة تايوان أيضا زيادة الحاجة إلى مثل تلك الاتفاقية منذ أن بدأ تنفيذ اتفاقية تجارة حرة بين الصين واتحاد دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) في يناير (كانون الثاني) 2010. وقد تسببت التخفيضات أو الإعفاءات الجمركية التي طبقت على مجموعة من السلع في اتفاقية التجارة الحرة بين الصين و«آسيان» في فقدان المُصدرين التايوانيين القدرة التنافسية أمام دول «آسيان». وبذلك توجد منافع اقتصادية واضحة لتايوان فيما يتعلق باتفاقيتها الخاصة. ولكن تظل الاتفاقية مثيرة للجدل في الغالب لأسباب سياسية. ويقول حزب المعارضة الأساسي الديمقراطي التقدمي أن الاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي ستسرع من زيادة اعتماد الجزيرة الاقتصادي على الصين، وبذلك يثير مخاوف من مخاطر خسارة تايوان لاستقلالها الفعلي. وتعد تلك الرؤية الرسمية سياسية إلى حد ما؛ حيث يريد الحزب تصوير إقامة السيد ما يينغ جيو علاقات ودية عبر المضيق على أنها تمثل خطورة لسيادة الجزيرة من أجل تقوية قاعدة مؤيدي الحزب الأساسية، ولكن ازدادت الروابط الاقتصادية بوضوح أثناء فترة حكم الحزب الديمقراطي التقدمي (ما بين عامي 2000 و2008). وبالتأكيد توجد أسباب وراء مثل تلك المخاوف. من المرجح أن يكون البر الصيني كريما، لأنه يعتقد أن تزايد اعتماد تايوان على السوق الصينية سيمنح البر الصيني تدريجيا نفوذا أكبر على الأحزاب السياسية والناخبين في تايوان في المستقبل. وبالفعل، تشير استطلاعات الرأي إلى أن أغلبية الناخبين التايوانيين يعتقدون أن التكامل الاقتصادي عبر المضيق ضروريا إذا لم ترغب تايوان في أن تكون مهمشة دوليا. وفي الواقع، لن يتمكن الحزب الديمقراطي التقدمي بالفعل من استخدام بطاقة السيادة ضد حزب كومينتاغ الحاكم، بسبب حقيقة وجود ضغوط حالية داخل الحزب الديمقراطي التقدمي على قيادته من أجل تبني اتجاه أكثر نفعية في العلاقات عبر المضيق، على الرغم من أن الكثيرين في الحزب المعارض الرئيسي لا يعتقدون أن الاتفاقية ستقدم علاجا شاملا لمشاكل تايوان الاقتصادية كما أشار الحزب الحاكم. ومن المرجح أن يستمر التقارب عبر المضيق في خلال الأعوام الثلاثة المقبلة. وعلى الرغم من أداء الحزب الديمقراطي التقدمي الجيد في سلسلة من الانتخابات الفرعية والمحلية في الشهور الأخيرة، فإن الحزب الحاكم سيظل محتفظا بسلطته في كل من البرلمان والرئاسة حتى عام 2012. وقد أخفقت المظاهرات الأخيرة التي نظمها الحزب الديمقراطي التقدمي لإظهار معارضته للاتفاقية في العثور على تأييد قاعدة الحزب الأساسية، وبذلك ستجعل مثل تلك التحركات قضية الاتفاقية في محور اهتمام وسائل الإعلام المحلية. وتهتم الحكومة التايوانية بصورة خاصة بمخاوف المزارعين، الذين سيواجهون خسائر أمام القطاع الزراعي الصيني الأكثر قدرة على المنافسة. وبذلك أكد الحزب الحاكم بالفعل على أنه لن يقبل بزيادة أعداد الصادرات الزراعية الصينية المسموح بدخولها تايوان. وأشار أيضا إلى أنه لن يكون هناك تغيير في الحظر على السماح بدخول عمال صينيين إلى الجزيرة (وهو مصدر قلق آخر لدى الناخبين بأن العمالة الصينية زهيدة الأجر ستغمر السوق). وتظل الدوافع السياسية للصين مصدر قلق في تايوان، ولكن من المرجح أن يستمر اتجاه الدول التي تسعى إلى عقد اتفاقيات تجارة حرة ثنائية أو إقليمية، نظرا لفشل منظمة التجارة العالمية في تحقيق جولة أخرى من التحرير التجاري. وتسمح تلك الاتفاقيات التجارية الثنائية والإقليمية أيضا للدول الموقعة بزيادة تركيز جهودها على الاستثمار والخدمات بصورة أكبر مما كانت عليه في ظل منظمة التجارة العالمية. ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه أيضا، خاصة حيث تسعى الدول منفردة أو التكتلات التجارية لتعزيز وجودها كمراكز مالية و/أو خدمية (كما في حالة تايوان وكوريا الجنوبية وكثير من دول مجلس التعاون الخليجي).  

  * كيل دوسانيه – كبير الخبراء الاقتصاديين ومدير المحللين في إدارة خدمات مخاطر الدول لشؤون آسيا وأستراليا في وحدة معلومات الـ«إيكونومست».

المجلة

المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدرأسبوعياً باللغتين العربية والإنجليزية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

Website - Twitter - Facebook - More Posts

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>