المجلة
بقلم: :
التاريخ: : الخميس, 29 يوليو, 2010
0
طباعة طباعة

يصطحب كتاب «أفول السنة» للكاتبة ديبورا أموس القارئ في جولة مكوكية داخل العراق ما بعد الغزو الأميركي.

انهيار حضارة

حيث توثق أموس العواقب السياسية والثقافية لتهميش المجتمع السني سواء بالنسبة للعراق أو بالنسبة للمنطقة بأسرها. حيث تعج شوارع الموصل وبغداد بضحايا العنف الطائفي الرهيب. كما ترصد أموس صراع ومآسي المجتمع السني النازح إلى كل من دمشق وعمان وبيروت. ففي الكتاب الذي يبدو وكأنه نذير الموت بالنسبة لأي متفائل بشأن مستقبل العراق، نجد أن أغلبية السنة الذين التقت بهم الكاتبة ليست لديهم أية نية بالعودة إلى وطنهم؛ فلم يكن هناك سوى مخرج سينمائي سني واحد كان لديه إيمان حقيقي بأنه يمكن إعادة بناء العراق مرة أخرى.

يصطحب كتاب «أفول السنة» للكاتبة ديبورا أموس القارئ في جولة مكوكية داخل العراق ما بعد الغزو الأميركي.

 

أفول السنة

ديبورا أموس

 

بابليك أفيرز، 2010 – 07 – 27

 

غلاف مقوى بسعر 10.50 جنيه إسترليني

 

ما زالت الطائفية هي القضية المحورية في السياسات العراقية، فقد تعثرت جهود ما بعد الغزو لخلق هوية قومية عند مستويات متعددة، كانت في أغلب الأحوال خلف الخطوط الطائفية. وليس ذلك مفاجئا، أخذا في الاعتبار مستوى العنف الطائفي الذي ميز معظم العقد الماضي.

كما شهدت معظم فصول الانتخابات البرلمانية التي أجريت في مارس (آذار) الماضي استمرار تلك الظاهرة؛ فكان يرجى أن تأتي الانتخابات ببرلمان يشتمل على المزيد من النواب السنة. وعلى الرغم من أن إياد علاوي، المرشح الشيعي غير الطائفي، تمكن عام 2010 من حشد الأصوات السنية، جاء انتصاره بهامش ضئيل، حيث فازت قائمته بمقعدين فقط على قائمة منافسه نوري كمال المالكي. وقد شهدت الأشهر التالية مطالب بإعادة فرز الأصوات واستبعاد البعثيين، بالإضافة إلى المفاوضات الخفية بين كتلتي الشيعة الرئيسيتين. ونظرا للمأزق السياسي في العراق؛ حيث لا يوجد تحالف قادر على تشكيل أغلبية حاكمة، زادت التوترات الطائفية وعاد شبح العنف الطائفي يخيم على سماء العراق مرة أخرى.

ومن هذا المنطلق، يعد كتاب ديبورا أموس «أفول السنة» من الكتب الأساسية بالنسبة لأي شخص يرغب في فهم معضلة العراق الحالية. ففي كتابها، ترصد الصحافية في «إن بي سي» الصعوبات التي يواجهها العراق فيما بعد الغزو. كما تقدم تحليلا دقيقا إلى حد كبير لطبيعة الديناميكيات الإقليمية. ونظرا لأن فرضية أموس تهدف إلى حد كبير إلى توثيق بزوغ الهلال الشيعي، فإن النطاق الذي يغطيه الكتاب باهر حقا، وليس مقصورا على العراق. فهناك فصول تدور حول المناورات السياسية للرئيس السوري الحصيف بشار الأسد وأخرى حول تأثير مشكلات العراق على لبنان. كما توجه أموس انتقادات لجهود مكافحة الإرهاب الأميركية، وترصد دور إيران في إشعال فتيل الفتنة الطائفية.

يتسم تحليل أموس للسياسة الإقليمية بالوعي، وعلى الرغم من أن رصدها لرد فعل بشار الأسد تجاه ريتشارد الثالث كان مسليا، فإنها بذلت قصارى جهدها في رصد تأثير الغزو على الأمة العراقية. وهنا، تأخذ سياسة الدبلوماسية مقعدا خلفيا ويحتل الفنانون والمخرجون والراقصون والطلاب، خشبة المسرح في قصة إنسانية للغاية.

ففي أحد الفصول الأولى، تصف أموس جهود الجالية العراقية الفنية في دمشق لإنتاج مسلسل تلفزيوني كوميدي في مزيج من الدعابة والتراجيديا.. حيث كان المسلسل «انباع الوطن» الذي تم عرضه عام 2007 خلال شهر رمضان، أول محاولة موجهة من قبل الجالية العراقية المنفية لانتقاد حكومة المالكي. فطوال الحلقات الثلاثين كان بعض الممثلين العراقيين ذوي الشعبية يؤدون أدوار مسؤولين حكوميين فاسدين في مشاهد ساخرة للغاية، ربما يراها المشاهد الأجنبي أقرب إلى «الفارس». وتصف اموس كيف نجحت الفرقة في عرض المسلسل رغم القانون العراقي الذي يمنع السخرية من المسؤولين الحكوميين. فبين اليأس الذي يشعر به العراقيون المنفيون، هناك شعور جديد بالحرية. على أية حال، فكما هو الحال في معظم القصص التي ترويها أموس، فإن التراجيديا، والإهانة ليستا بعيدتين عن بعضهما البعض. فكانت وفاة بطل مسلسل «انباع الوطن»، وهو الممثل الكوميدي المحبوب راسم الجميلي، حدثا مفجعا. وفي الوقت الذي نعت فيه الجالية الفنية رحيله، دهشوا لسماع أن إدارة بغداد وعدت بإرسال طائرة لإعادة جثمانه إلى البلاد: «إنه أحد أفضل ممثلي العراق» وتم حفظ جثمانه في ثلاجة لمدة خمسة أيام حتى تصل الطائرة ولكنها لم تصل حتى اضطر أصدقاؤه في النهاية إلى حمل جثمانه المتهرئ عبر حرارة دمشق لكي يدفنوه إلى جانب أقرانه العراقيين الذين نزحوا إلى الأبد.

وفي موضع آخر من الكتاب، تناقش أموس أزمة النساء العراقيات فيما يعد أكثر فصول الكتاب إظلاما. ففي بداية الفصل نلتقي بأم نور، وهي امرأة قوية تولي اهتماما بالغا بتربية أولادها. ويبدو أن حالها في دمشق حال طيبة، فهي تستطيع تحمل مصاريف المدارس ولديها المال الكافي لشراء أثاث جديد. ومع ذلك وكما تصف أموس في كتابها، فإن غلالة التفاؤل التي تظهر في البداية سرعان ما تتراجع أمام الحقيقة القاسية. وبعد ذلك تصطحب أم نور أموس إلى أحد الملاهي الليلية. وتصف أموس «طقسا أنثويا مألوفا للغاية» حيث تستريح النسوة العراقيات من الرقص لإعادة إصلاح زينتهن أمام مرآة الحمام. ولكن الملهى نفسه ليس سوى مكان غريب ترقص فيه النسوة اللاتي ترتدين ملابس غريبة على المسرح فيما يتحرك الرجال فوقهن «لكي يتمكنوا من النظر على نحو أكثر دقة للبضاعة».

وتؤدي المغنية خليطا من الأغاني العراقية الكلاسيكية، وفي كل مرة تكون هناك أغنية حول الأمهات وهناك امرأة أكبر سنا ترتدي ثوبا أحمر «تضرب على صدرها بقوة حقيقية» والدموع تتساقط بغزارة على وجنتيها. فالنسوة في الملهى يبعن أجسادهن لكي يضمن لأولادهن الحصول على قدر من التعليم وموطئ قدم في المستقبل. وفي الملهى ذي الصبغة العراقية، تحلم النساء بالعودة إلى منازلهن، وهو ما يعد أقرب إلى كونه مستحيلا. فكما تقول أم نور لأموس: «سأقتل إذا ما عدت. فسوف يقتلني أقاربي على الفور». وينتهي الفصل باعتراف أم نور الأكثر قسوة وهو أنها تعمل في الاتجار بالفتيات الصغيرات.

وعلى الرغم من أن مناقشتها للاجئين العراقيين أخاذة ومكتوبة ببراعة، يبدو في بعض الأحيان أن أموس تنظر إلى عصر صدام حسين من خلال نظارة وردية اللون. وتصف أموس كيف تراجعت الوعود الأولية بالحرية والازدهار أمام العنف الطائفي. لقد تحول العراق في ليلة واحدة إلى شيء غير واضح وتعطينا أموس إحساسا من خلال اللقاءات التي أجرتها بأن عراق الأمس قد فقد. وبالتالي فإنه ليس أمام العراقي سوى أن يجد لنفسه حياة في مكان آخر.. «عندما غادرت العراق، أدركت أنني لم يعد لدي إحساس بالمكان» تلك كانت كلمات الراقصة التي يبلغ عمرها 24 عاما وهاجرت مؤخرا إلى هولندا. وذلك هو الاستنتاج العام لأموس، فنظرا لأن العنف الطائفي ما زال مهددا للشارع العراقي، فإن الأطباء والمهندسين والمدرسين الذين أجبروا على الرحيل لن يعودوا مرة أخرى. وطالما كان ذلك هو الحال، فليس من المتوقع أن يتمكن العراق من بناء مجتمع متسامح ومتعدد الثقافات. وبالنسبة لغير المطلعين على السياسة في الشرق الأوسط، ربما يبدو كتاب أموس صعبا بعض الشيء. ففي الكتاب الذي تبلغ صفحاته 213 صفحة، تتناول أموس بمهارة عدة قضايا إقليمية معاصرة، ولكنها لا تتحدث كثيرا حول تاريخ الصراع في المنطقة أو تقدم أي تحليل مطول لعراق صدام. ولكنها رغم ذلك تناولت كثيرا من التحديات التي تواجه المنطقة بعمق. ومع ذلك يجب أن تحذر.. «أفول السنة» يقدم صورة محزنة لدولة العراق الحالية.

المجلة

المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

More Posts - Website - Twitter - Facebook

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>