المملكة المغربية
الساحات المغربية العديدة
تتعدد عرقيات الشعب المغربي، وتنعكس هذه التعددية في مشاهد المنطقة. بعيدا عن قصورها الذهبية ومروجها المشذبة، يكمن الجمال الحقيقي للبلاد في حدائق الماضي الثري غير المنمقة. وعلى مدار الزمن، اعتبر العالم الغربي المغرب ملاذا بوهيميا غامضا وجنة للرحالة. في الواقع، بالإضافة إلى صور الملك محمد السادس التي تزين الجدران في جميع أنحاء المنطقة، هناك العديد من الملصقات التي تحيي ذكرى الموسيقي الراحل بوب مارلي. يرجع السبب في ما يسمى بالغموض في المغرب إلى حد ما إلى ارتباطه بالسحر، حيث توجد بين المتاجر التي تبيع البقالة والسلع الكهربائية صيدليات تبيع «الزواحف المخللة» وأشياء أخرى غريبة مخصصة للتخلص من الجن. تلبي البلاد أيضا رغبة محبي السفر والرحلات حيث تتنوع مساحاتها ما بين رمال الصحراء الغربية والريف الأخضر والأراضي الوعرة إلى المدن القديمة والشوارع العصرية المتأثرة بالفرنسيين. توجد أيضا رياضة التزحلق على الثلج في الشتاء، وعلى الرغم من محدودية المرافق إلى حد ما، فإن هناك شيئا جديدا ومحيرا في قرية للجليد على الطراز النمساوي في شمال أفريقيا.
وبعيدا عن الغموض، وعلى الرغم من المحاولات الحديثة لمعالجة القضية، فإن المغرب ما زال يواجه مشكلات اجتماعية ملحة. لقد أدت البطالة المتفشية وعدم وجود نظام تأمين اجتماعي إلى ظهور مناطق تعاني من الفقر المدقع. وفي الوقت الذي تغلق فيه المتاجر في بلدات المغرب في نحو الساعة التاسعة مساء، ليس من الحكمة السير في الشوارع المظلمة وحيدا. في المناطق المظلمة في فاس – عاصمة المغرب الثقافية – تجد أشخاصا يرتدون ثيابا رثة يشمون الغراء في أكياس بلاستيكية، في تذكرة محزنة لتداعيات ارتفاع أعداد الشباب الذين يتعرضون للنسيان.
أما المدينة الملكية المزدهرة، مراكش، فهي تتميز بالحيوية. وفي تناقض مع آثارها العريقة ووتيرة السوق المتسارعة (تمتلئ المدينة بمتاجر طعام ورجال يحملون القرود وسيدات معهن إبر الحناء والرواة الغرباء، حيث أحد أنواع الفنون التي بدأت تنحسر ولكنها ما زالت موجودة نظرا لأن 40 في المائة من الشعب المغربي يعاني من الأمية)، تجتذب المطاعم الحديثة المغاربة الأثرياء والمغتربين. غالبا ما يتدفق السياح على قرية شفشاون الواقعة على الجبال وبلدة الصويرة الساحلية التي يوجد بها شاطئ من «الكثبان الرملية». وتشتهر مدينة فاس أيضا بأنها مركز ثقافي وديني رئيسي حيث يزيد تاريخها على ألف عام. وتوجد بها مدابغ رائعة لم يتغير إنتاجها وهيكلها منذ قرون. وما زالت درجات اللون الأحمر الداكن التي تظهر مع غروب الشمس، الذي يشاهده الأطفال من فوق أسطح المنازل القديمة وقت استراحتهم من مباراة كرة القدم بعد انتهاء اليوم الدراسي، تلقي بظلالها على فنون الحضارات القديمة.
تاريخ ثري
تشكل مملكة المغرب جزءا من منطقة المغرب العربي وتشترك في علاقات ثقافية وتاريخية مع الدول الأخرى في المنطقة: تونس وليبيا والجزائر وموريتانيا. غالبية السكان الحاليين من العرب والبربر الذين يتحدثون بلكنة عربية مغربية، على الرغم من أن الجينات الحالية تنتمي إلى مزيج من الأيبيريين والفينيقيين واليهود السفارديم والأفارقة السود. يُعتقد أن اللغة البربرية وصلت في الوقت ذاته مع بداية الزراعة، وكانت أول دولة مغربية مستقلة معروفة هي مملكة البربر عام 110 قبل الميلاد. ووصل العرب لأول مرة إلى المغرب عام 680 ميلادية، وأدخلوا الإسلام معهم. وعلى الرغم من اعتناق كثير من البربر للإسلام، فإنهم صبغوا الإسلام بطبيعتهم الخاصة، حيث احتفظوا بقوانينهم العرفية وانقسموا إلى طوائف إسلامية مختلفة. وفي العديد من الحالات كان الأمر مجرد دين شعبي تحت ستار الإسلام كوسيلة للخروج عن سيطرة العرب.
سكنت المغرب منذ خمسة آلاف عام ثقافات من العصر الحجري الحديث، تركت وراءها رسومات لحيوانات في الكهوف. وفي القرن الثاني عشر، أقام الفينيقيون مواقع تجارية تاركين وراءهم آثارا بونيقية في مليلية وتطوان وطنجة والرباط، التي أصبحت عاصمة البلاد عام 1912. كما أنشأت الإمبراطورية الرومانية، التي جاءت بعد ذلك وسيطرت على المنطقة طوال أربعة قرون حتى عام 429 ميلادية، مستوطنات رومانية منها الآثار الشهيرة الموجودة في وليلي، بالقرب من مدينة مكناس الحالية. ولكن محا الغزو الفندالي عام 429 ما تبقى من الحضارة المسيحية الرومانية. ويُعتقد أن هذا أيضا قد يكون سببا في إضفاء طابع الحياة البدوية البربرية. وبعد ذلك بفترة قصيرة جاءت الدولة البيزنطية، وحاول البربر في الشمال الاحتفاظ بمناطقهم أعلى الجبال. وفي عام 780، وحدت أسرة الأدارسة المغرب لتصبح أول دولة إسلامية في أفريقيا تخضع للحكم الذاتي مستقلة عن إمبراطورية العرب، وأسست مدينة فاس. وأصبحت الدولة مركزا للتعليم وقوة كبرى جديدة. في ما بعد أصبحت خاضعة لسيطرة مجموعة من الأسر البربرية الحاكمة مثل أسرة المرابطية والموحدية – التي ساد المغرب في ظلها منطقة المغرب العربي وإسبانيا الإسلامية – ثم المرينيون والوطاسيون والسعديون، حتى جاءت الأسرة العلوية التي بدأ حكمها عام 1669 على يد مولاي الرشيد.
كان المغرب وما زال حتى يومنا هذا من أقرب حلفاء الولايات المتحدة بعد أن كان أول دولة تعترف رسميا باستقلال أميركا عام 1787. كان مولاي الحسن آخر سلطان قوي في المغرب قبل الاستعمار، وجاء بعده عام 1894 السلطان عبد العزيز الذي كبد البلاد ديونا أجنبية طائلة جعلتها متاحة للتدخلات الأوروبية. وفي معاهدة فاس عام 1912، تم تقسيم المغرب ما بين فرنسا وإسبانيا، حيث فرضت إسبانيا حمايتها على المناطق الشمالية والجنوبية من الصحراء. ولكن أسفر ظهور دوائر ثقافية شبابية مغربية عن حركات قومية تكللت بإصدار بيان رسمي عن حزب الاستقلال مطالبا باستقلال البلاد. وبعد زيادة الشعور القومي، قررت فرنسا، خشية اندلاع حرب أهلية، الإطاحة بالسلطان سيدي محمد بن يوسف (الذي كان يؤيد حركة الاستقلال) وتنصيب سيدي محمد بن عرفة مكانه، وهو قريب له يبلغ من العمر 70 عاما. ولكن أدى نشاط المعارضة إلى عودة محمد بن يوسف إلى الحكم عام 1955. وعندما نال المغرب استقلاله، عام 1956، غير السلطان لقبه إلى الملك محمد الخامس.
اعتبر الملك معتدلا وحاكما رحب الصدر. في أثناء حكمه، انضم المغرب إلى جامعة الدول العربية وأصبح عضوا مؤسسا في منظمة الوحدة الأفريقية. كما أقام علاقات ودية مع فرنسا وإسبانيا حيث ساعدتا على إنشاء القوات المسلحة الملكية وقدمتا مساعدات من أجل التنمية الاقتصادية. ولكن مع الزيادة السكانية، أصبح توفير فرص العمل والإسكان والخدمات الاجتماعية في المغرب مهمة عسيرة في البلاد.
قضايا معاصرة
بعد وفاة والده عام 1961، تولى الملك الحسن الثاني الحكم. وفي عام 1986، اتخذ خطوة جريئة بدعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريس إلى إجراء مباحثات، ليصبح ثاني زعيم عربي يستضيف زعيما إسرائيليا. وساعد على اتخاذ هذه الخطوة وجود سكان من اليهود المغاربة في إسرائيل. وعلى الرغم من أن حكمه عزز من قوة الأسرة العلوية، إلا أنه أيضا اتسم بسجل سيئ في مجال حقوق الإنسان. واشتهرت الفترة ما بين الستينيات والثمانينيات بـ«سنوات الرصاص» حيث تعرض آلاف من المعارضين المغاربة للسجن أو القتل أو النفي أو الاختفاء. ونجا الملك الحسن الثاني من محاولتي اغتيال، كانت أخطرهما تلك التي خطط لها الجيش المغربي. وفي فترة حكمه أيضا عام 1975، طالب 350.000 مغربي غير مسلح بضم الصحراء الغربية إلى المغرب، مطالبين باستعادتها من إسبانيا بعد الاستقلال. وضم المغرب المنطقة، لتندلع بعد ذلك حرب العصابات ضد قوات موالية للاستقلال مدعومة من الجزائر، وينتهي القتال عام 1991. وما زالت الخلافات حول الوضع غير المحسوم مستمرة.
وفي عام 1999، توفي الملك الحسن الثاني، وجاء من بعده ابنه محمد السادس الذي بدأ في تنفيذ إصلاحات في المغرب كان والده قد أعد خطتها بالفعل. قبل نهاية حكمه في منتصف التسعينيات، أطلق الملك الحسن سراح بعض من المعتقلين السياسيين في المغرب، بل وطلب من معارض حكم عليه بالإعدام أن يرأس الحكومة. كما أعاد تأهيل اقتصاد البلاد، وتحدث عن حرية الصحافة وحقوق المرأة، وأشار إلى إمكانية إجراء استفتاء من أجل منح الصحراء الغربية استقلالها.
يمر المغرب بمرحلة من التغيير الاجتماعي في عهد الملك محمد السادس. بعد توليه العرش بفترة قصيرة، تعهد الملك محمد السادس بحل مشكلتي الفقر والفساد في المغرب وتوفير فرص العمل وتحسين سجل البلاد في مجال حقوق الإنسان. فأفرج عن 8000 معتقل سياسي وخفف من العقوبات المفروضة على 30.000 آخرين. وفي عام 2003، أدخل تعليم اللغة البربرية في المدارس الابتدائية. وفي العام ذاته، بعد سلسلة من التفجيرات الانتحارية التي ضربت الدار البيضاء، اتخذ المغرب إجراءات قمعية ضد مسلحين إسلاميين مشتبه بهم. بالتالي أعلنت واشنطن المغرب حليفا ليس عضوا في «الناتو»، بعد أن أثنت على تأييده للحرب الأميركية على الإرهاب. كما أن المغرب حليف موثوق به في أوروبا في مكافحة الإرهاب والاتجار في المخدرات والهجرة غير الشرعية. وفي عام 2008، منح المغرب مكانة متقدمة من الاتحاد الأوروبي.
في عام 2004، نفذت الحكومة إصلاحات تتعلق بقانون الأسرة الذي يحسن من وضع المرأة، والذي اقتُرح لأول مرة عام 2000 ولاقى معارضة من المحافظين. وفي عام 2006، تم تعيين 50 امرأة كداعيات حكوميات لأول مرة، في جزء من حملة الحكومة من أجل الترويج لصورة أكثر سماحة عن الإسلام.
مشكلات لم تحل
على الرغم من إجراء تلك الإصلاحات من أجل أسلوب حياة أكثر حرية، ما زالت وسائل الإعلام المغربية بعيدة عن الحرية وما زالت تتجنب تناول موضوعات ذات حساسية مثل الملك والدين والصحراء الغربية خوفا من المقاضاة القانونية. ويشار إلى أن البرلمان المغربي مجرد تمثيل رمزي، ويعتقد أن هناك قدرا من الفساد في النظام القضائي. وكذلك، ينتقد كثيرون الإصلاحات بسبب أخطاء في تنفيذها.
من الواضح أن الاقتصاد المغربي تجاوز تأثير الأزمة الاقتصادية بصورة جيدة. وتملك البلاد احتياطيا كبيرا من العملات الأجنبية، وديونا أجنبية منخفضة. ويتميز الاقتصاد المغربي بانفتاح كبير على العالم الخارجي. في عام 2009، وضعت الدولة في تصنيف لأكبر 30 دولة في قطاع الأعمال الخارجية. وتعد فرنسا أكبر شريك تجاري وأكبر مستثمر أجنبي في المغرب. في عام 2005، حقق المغرب ثاني أكبر إجمالي ناتج محلي في الدول غير النفطية في العالم العربي بعد مصر. ومن أهم الموارد الفوسفات والسياحة ومبيعات الثروة السمكية والمأكولات البحرية، على الرغم من أن 36 في المائة من السكان يعتمدون مباشرة على الإنتاج الزراعي، الذي يخضع لسقوط الأمطار. وفي عام 1999، أصيبت الزراعة بالركود بسبب الجفاف.
توجد حاجة واضحة إلى تحسين مستويات التعليم في المغرب. تكشف إحصائيات صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عن وصول نسبة الأمية إلى 58.7 في المائة في عام 2007. وفي العام ذاته، ذكر تقرير للبنك الدولي عن التعليم في العالم العربي أن بعض مشكلات نظام التعليم في المغرب سببها قلة ميزانيات التعليم وعدم كفاءة التدريس وزيادة معدلات التسرب. وعلى الرغم من المناخ المتحرر وتخفيف القيود، فإن عبء الزيادة السكانية الذي تتحمله مؤسسات تعليمية غير ملائمة، ومشكلة الفساد، تسببا في تصدعات خطيرة في المجتمع المغربي. اتسعت هذه التصدعات لتكون فجوة كبيرة تفصل بين الأغنياء والفقراء في البلاد.

















تابعنا