تجربة المغرب في الحد من الفقر
دروس للعالم العربي
معهد كارنيغي للسلام الدولي
الحسن عاشي
ديسمبر (كانون الأول) 2010
خلال العقد الماضي، انخفض معدل الفقر في المغرب بنسبة تزيد عن 40 في المائة، وأصبح هناك أقل من 9 في المائة من المغاربة يعيشون تحت خط الفقر في مقابل نحو16.2 في المائة قبل عشرة أعوام. وبالتالي، استطاع المغرب تحقيق أهدافه التنموية للألفية التي كان مخطط لها أن تنجز في عام 2015 والخاصة بالفقر بما يفوق سواء التوقعات أو أداء دول أخرى مشابهة.
يسعى الحسن عاشي (باحث مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، وهو خبير اقتصادي في التنمية والاقتصاديات المؤسسية، والتجارة والعمل، تتركّز أبحاثه على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) لأن يضع خارطة للعوامل الكامنة وراء انتقال نحو 1.7 مليون مغربي من الفقر من خلال فحص عدة عوامل تتراوح من العوامل الديموغرافية إلى البنى الاستثمارية ودور البنية التحتية إلى منظمات المجتمع المدني. وبقيامه بذلك، فإنه يؤكد على التحديات التي ما زالت تواجه المغرب مثل معدلات الأمية المرتفعة وعدم المساواة والنمو الاقتصادي المتغير. وأصبح ذلك ذا أهمية خاصة في الوقت الراهن نظرا لأن المغرب، الذي يقترب من الانتخابات، والعالم
العربي بصفة عامة يمران بمرحلة انتقالية.
ويعد أول عنصر ساهم في تعزيز معركة المغرب ضد الفقر هو الانخفاض المتزايد لمعدلات الخصوبة حيث انخفضت من 5.5 إلى 2.3 طفل لكل امرأة خلال العقود الثلاثة الماضية. وقد ساعد الانخفاض الحاد في النمو السكاني في الحفاظ على المعدل الاقتصادي المتسارع للمغرب والذي ارتفع من 2.2 إلى 5 في الفترة من 2000 – 2009.
ويعزو عاشي انخفاض معدل الخصوبة إلى تأخر سن الزواج والذي نجم أساسا عن تحسن الظروف التعليمية وقلة الفرص المتاحة في سوق العمل. وبالتالي يتضح بالنظر إلى دور التعليم أن الدولة قد لعبت دورا مهما في خلق الظروف التي سهلت الانخفاض في النمو السكاني.
ولمدة عقود بعد الحصول على الاستقلال، وفر المغرب التعليم المجاني والرعاية الصحية للجميع دون التمييز بين الأغنياء والفقراء. وبالمثل استثمرت الدولة في البرامج الأساسية للبنية التحتية وعززت موارد مياه الشرب وشبكة الكهرباء وشبكات الطرق. وتعمل تلك الاستثمارات على رفع المستوى المعيشي للسكان، ولم يكن ذلك ممكنا دون عائدات الضرائب التي جاءت في أعقاب عمليات إصلاح للنظام الضرائبي في الثمانينيات تم عبرها الحد من الاستثناءات وتعزيز الإدارة. وقد أدى ذلك الإصلاح إلى الإذعان الضرائبي أعلى مما يعني أن عائدات الضرائب الآن أصبحت تمثل 24 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ 15 في المائة في مصر و11 في المائة في سوريا.
ويرجع جانب مهم من نجاح المعركة ضد الفقر في المغرب إلى أنها أصبحت السياسة المستهدفة للمستويات العليا في المغرب. فوفقا لعاشي، فإن ملك المغرب محمد السادس يشارك بفعالية في سياسة البلاد للحد من الفقر والمعروفة باسم «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية». وهو ما وفر دعما سياسيا قويا للمبادرات المختلفة للحد من الفقر، ويتجلى، على نحو خاص، في الشروط العالمية للخدمات العامة.
ومع ذلك، يقول عاشي إن هناك ميلا يتسم بالخطورة نحو المركزية التي تدعم سياسات الحكومة. وفيما أصدر صناع السياسة في التسعينيات مقاربة جديدة للإنفاق العام كانت تسعى لتوجيه الموارد العامة إلى تحقيق الأهداف والتخلي عن المركزية من خلال مشاركة المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني، فقد تم التخلي عن تلك الجهود خلال السنوات الماضية. ويدعو عاشي إلى تغيير ذلك التوجه نظرا لأن المنظمات غير الحكومية كان لها دور حيوي في إعادة تعريف علاقات القوة على المستوى المحلي وتحويلها إلى عملية صناعة قرار تشاورية تتضمن الشباب والشابات. ويجب تعزيز ذلك التطور والحفاظ عليه. وحتى الآن، كانت الدولة تتسامح مع سلوك المنظمات غير الحكومية لأن تلك المنظمات كانت تركز على قضايا محددة دون الانخراط في سياسات تتسم بالمواجهة. وبقدر صعوبة ذلك، فإنه ربما يقدم رؤية مهمة للدول العربية.
ويضيف المؤلف أنه من الجدير بالذكر أن هناك عوامل ضعف تحيط بمعركة المغرب ضد الفقر. فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي كانت فيه تحويلات المهاجرين المغاربة تمثل مصدر دخل مهم للعديد من العائلات الفقيرة والبرامج المحلية الاجتماعية الاقتصادية، فإنها تمثل موردا تنمويا غير مستقر. وبالمثل، يفقد دور المجتمع المدني بصفة عامة الزخم نظرا لتبني الدولة مقاربات تزيد المركزية في معالجة مشكلات الدولة. فثقافة التأييد والمشاركة ما زالت لم تتطور في المغرب نظرا للافتقار إلى أدوات المحاسبة الملائمة. ويجب تعزيز ذلك عبر آليات المحاسبة لكي نضمن أن لا تستولي النخب المحلية على التوزيع الضروري للسلطة. وعلى الرغم من أن «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية» التي ذكرناها من قبل لديها العديد من المزايا، فإن الدولة وحدها تحملت ووفرت التمويل للمزيد من المشروعات وكانت مشاركة المجالس المنتخبة محدودة
للغاية.
إن تصميم الاستراتيجية وتنفيذها عملا ضد موجة اللامركزية التي ظهرت في التسعينيات ويجب تغيير ذلك التوجه لضمان تعزيز النمو في المستقبل والدمقرطة.
وبالتالي، هناك خطوات مهمة يجب اتخاذها لتحقيق تقدم أكبر. فأولا، ما زال معدل الأمية مرتفعا للغاية (45 في المائة) خاصة في المناطق الريفية وبين النساء. وكما يؤكد عاشي فإن الحد من الفقر دون تعزيز التعليم لا يعمل على تحسين الظروف المعيشية كما أنه لا يحمي الناس من السقوط مرة أخرى فريسة للفقر. ولعلاج تلك المشكلة، يقترح عاشي أن يقدم المغرب برامج «التحويل النقدي المشروط للمال»، والتي تعيد توزيع المال على الأسر الفقيرة شريطة أن يعلموا أولادهم. حيث إن مواجهة الأمية هي الشرط المسبق لمعالجة عدم المساواة التي ظلت مرتفعة رغم انخفاض معدل الفقر. كما يجب طرح سياسات فعالة لإعادة توزيع الدخل من أجل تعزيز الانفتاح التجاري والمالي والذي من دونه ربما يتراجع انخفاض معدل الفقر مرة أخرى.
ويصل عاشي إلى أن صناع السياسة بحاجة للتفكير فيما بعد الفقر وأن يركزوا جهودهم على تعزيز النمو واللامركزية السياسية والمالية. وهو ما يتطلب تعزيز مشاركة الأطراف الأخرى بخلاف الدولة بما في ذلك المجالس المحلية المنتخبة ومنظمات المجتمع المدني. وربما يكون ذلك هو الدرس الأكثر وضوحا وصعوبة والذي يمكن استخلاصه من تقرير عاشي: الحاجة إلى حوكمة لامركزية. وكما تجلى خلال الأشهر الست الماضية في العالم العربي، فإن ذلك بحاجة إلى أن يصبح أكثر إلحاحا. فبالنسبة للبعض، يبدو أن المغرب يتخذ خطوات في الاتجاه الصحيح كما أوضح ذلك الملك محمد السادس في خطابه الأخير الذي وعد فيه بإجراء تغييرات دستورية. وبقراءة تقرير عاشي، لا يسعنا إلا أن نتمنى أن تكون الانتخابات التي تم إجراؤها في الأول من يوليو هي بداية العودة للامركزية ومن ثم، تقديم مستقبل أفضل لفقراء المغرب.
التوصيات الرئيسة إلى صانعي السياسات
• بناء الرأسمال البشري:على صانعي السياسات السعي إلى محو الأمية، من خلال تخصيص المزيد من الموارد البشرية والمالية لبرامج محو أمية الكبار، وتشجيع الأُسَر الفقيرة على تعليم أبنائها.
• تقليص عدم المساواة: يمكن الحدّ من عدم المساواة عبر فرض ضرائب أكثر تصاعدية واعتماد إنفاق عام مُوجَّه بشكل أفضل، وتدعيم سياسات إعادة توزيع الدخل.
• تحسين بيئة الأعمال: يجب أن يقدّم القادة حوافز إلى أصحاب المشاريع غير الحكومية كي ينضمّوا إلى اقتصاد المغرب الرسمي، ويشجّعوهم على التقيّد بالتزاماتهم الاجتماعية والمالية تجاه موظّفيهم.
• تعزيز اللامركزية السياسية والمالية: يمكن المساهمة في تحسين السياسات التنموية المحلية عبر زيادة مشاركة الفاعلين غير الحكوميين، بما في ذلك المجالس المحلية المُنتَخَبة ومنظّمات المجتمع المدني.























تحليل اقتصادي في المستوى.. و بصفتي مغربيا فانني انوه كثيرا بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية حيت كان لها دور فاعل في تقليص نسب كل من الفقر و الامية و كذا تطوير البنى التحتية..