أول رئيس لجمهورية جنوب السودان سلفاكير ميارديت
رجل الحرب والسلام
أدى سلفاكير طوال العقود الماضية دورا مؤثرا في ملحمة انفصال جنوب السودان عن الشمال. في الوقت الحالي، بعد أن أصبح أول رئيس لجنوب السودان، يواجه الرجل العسكري تحديات دبلوماسية يأمل العالم بأسره في أن يتخطاها.
يشبه سلفاكير صاحب الشخصية المميزة شخصا خاسرا مدججا بالسلاح من رعاة البقر. ولكن بعيدا عن ذقنه المجعد وقبعته ماركة ستيتسون وفصاحته الواضحة، ما يميز كير حقا هو ثباته وتصميمه على تنفيذ أي تعهد حتى النهاية. صرح ذات مرة لحشد سوداني جنوبي قائلا: «الاستفتاء القادم اختيار ما بين (أن تكونوا مواطنين) درجة ثانية في بلادكم أو أحرارا في دولة مستقلة». وفي 9 يوليو (تموز) 2011، احتفلت جمهورية جنوب السودان رسميا باستقلالها التام عن الشمال تحت رئاسة كير.
بعد أن أمضى أكثر من عقدين مركزا على المناورات العسكرية من أجل قيادة بلاده وتجنب الحرب وضمان حصول الجنوب على نصيبه من الموارد الطبيعية في السودان، يجب أن يظهر سلفاكير أيضا في الوقت الحالي مهارة في المفاوضات الحذرة مع الخصوم السابقين، من أجل إخراج شعبه من صراع استمر خمسة عقود مع شمال السودان في قصة دموية قتل فيها نحو مليون ونصف المليون شخص.
ولد سلفاكير في بحر الغزال عام 1951، وهو ينتمي إلى جماعة الدينكا العرقية، كما كان سلفه في زعامة الحركة الشعبية لتحرير السودان جون غرنغ، على الرغم من أن غرنغ ينتمي إلى قبيلة أخرى.
دُفع بكير إلى الساحة السياسية بعد وفاة غارنغ المفاجئة في حادث تحطم مروحية عام 2005. وحتى اليوم، يقول البعض إنه على الرغم من التزامه الواضح فإن كير يفتقد على المستوى الدولي الخبرة الدبلوماسية والكاريزما اللتين كان يتمتع بهما سلفه. ولكن تكمن نقاط قوته في مهاراته الاستشارية وصبره وقدرته على الاستماع. ورغم احتياجه إلى تعلم لعبة السياسة سريعا من أجل قيادة دولة جنوب السودان الوليدة، فإنه غالبا ما يلقى الهتافات المحبة عندما يتحدث إلى العامة. ويقول المراقبون إن تميزه بالتوفيق بين الأطراف تحديدا هو ما أبقى على وحدة الجنوب.
يدين غالبية سكان جنوب السودان بالمسيحية ويتبعون العادات القديمة، في حين غالبية سكان الشمال من المسلمين. يعتنق كير الكاثوليكية ويخطب بانتظام في الكاتدرائية الكاثوليكية الرومانية في عاصمة جنوب السودان، جوبا. ويتقن اللغتين العربية والإنجليزية، وهما لغتا الشمال. ويوصف كير باللطف والتواضع والاعتدال، وهي الصفات التي عززت من مكانته في عيون شعب الجنوب، لا سيما من يبغضون سيطرة جماعة الدينكا على الجيش الشعبي لتحرير السودان.
عندما كان مراهقا في فترة الستينيات، انضم كير إلى حركة انيانيا المتمردة وشارك في أول حرب أهلية سودانية من عام 1955 إلى 1972. بعد أن ضمنت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 الحكم الذاتي في منطقة الجنوب وأنهت الصراع، أصبح كير مشاركا في القوات المسلحة السودانية.
وارتقى في الرتب حتى أصبح مقدما، وهي رتبة استثنائية رفيعة تمنح للمتمرد السابق. عندما ألغى الرئيس السوداني الراحل جعفر النميري اتفاقية أديس أبابا في عام 1983، وبدأ في تقسيم الجنوب إلى مناطق منفصلة، أرسل غرنغ لقمع تمرد عسكري في موطنه في بور، ولكنه بدلا من ذلك انضم إلى حركة التمرد وشجع عليها مع كير وقادة جنوبيين آخرين. وأصبحوا بالتالي الأعضاء المؤسسين للجيش الشعبي لتحرير السودان ضد حكومة الخرطوم، وتحت قيادة غرنغ.
لم يكن غرنغ يمتلك خبرة ميدانية عسكرية كافية، واعتمد على المهارات المتميزة لمقاتلي أنيانيا القدامى، ومنهم كير خريج كلية السودان العسكرية لتنفيذ مهام القتال. وفيما بعد أصبح كير رئيسا للأركان، ومن خلال العمل والقتال في مناطق مختلفة في البلاد، اكتسب كير معرفة أعمق بالتعقيدات العرقية والإقليمية في الجنوب.
وعندما انقسم الجيش الشعبي داخليا في فترتي الثمانينيات والتسعينيات، ظل كير مواليا لغرنغ. في عام 1988، كان كير فنيا القائد الثاني. وفي المؤتمر الديمقراطي الوطني الافتتاحي للحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1994، تم تثبيت كير في منصب نائب غرنغ. وعلى الرغم من أن غرنغ كان في الغالب يتولي الاهتمام بالمسائل السياسية، فإن كير أظهر قدرته على المصالحة عندما ضغط عليه عام 1999 من أجل التوقيع على اتفاق سلام تنتهي به سبعة أعوام ونصف من الصراع القبلي بين جماعتي النوير والدينكا العرقيتين.
بعد التوقيع على اتفاق سلام شامل ينهي رسميا الحرب بين متمردي الجنوب والحكومة في يناير (كانون الثاني) عام 2005، تم تعيين كير نائبا لرئيس جنوب السودان. وبعد يومين فقط من وفاة غرنغ في 30 يوليو (تموز) عام 2005، اختارت الحركة الشعبية كير ليخلفه نائبا أول لرئيس السودان.
وأعيد انتخاب كير في أبريل (نيسان) 2010 بنسبة 93 في المائة من الأصوات، وشكل الحكومة التي جمعت بين العديد من الأعداء القدامى لحركة التحرير والفصائل المتنافسة. وعلى الرغم من هذه المصالحة، فإن جمهورية السودان الجديدة قد تكون أقل ديمقراطية من المأمول، حيث توجد شكاوى من أن كير يخيف منافسيه.
كما تثير سيطرة جماعة الدينكا الشكاوى. تتسم سياسة جنوب السودان بالتعقيد نظرا لوجود ما يزيد على 200 جماعة عرقية، لكل منها لغتها الخاصة وقبيلتها ومنطقتها وانتماؤها الحزبي. لقد أثبت كير أنه يتقن فن التهدئة والتفاوض الماكر، مما يساعد على معالجة وتجنب الانشقاقات داخل جيش التحرير وبين الجماعات العرقية الجنوبية.
وفي محاولة لطمأنة جماعة النوير العرقية، احتفظ كير بنائب الرئيس من النوير رياك مشار ليكون مرشحه لمنصب نائب الرئيس، على الرغم من الخلافات المعروفة بين الرجلين.
كما نجح كير أيضا في تقييد مُنَظِم أكبر فصيل متمرد في حركة التحرير الشعبية بولينو ماتيب نهيال. بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من أن قبيلة باري في ولاية وسط الاستوائية من أبرز مهاجمي سيطرة الدينكا على الحكومة، إلا أن كير حاز تأييد كثير منهم ومن بينهم السياسي المحبوب رئيس البرلمان جيمس واني إيغا أحد كبار مستشاريه.
وجدير بالذكر أن كير لم يفتقد وجود جون غرنغ إلى جانبه، حيث إن ريبيكا زوجة غرنغ تقف إلى جانبه. وهي في الوقت الحالي مستشارة الرئيس للشؤون الإنسانية والمرأة على الرغم من انتقادها لحكومته علنا.
إيمي أسعد



















تابعنا