مهرجان “شباك” في لندن.. رصد للتغيرات في العالم العربي
تناغم وانسجام
على مدى نحو ثلاثة أسابيع احتضنت لندن مهرجان (شباك: نافذة على الثقافة العربية المعاصرة) الذي كان باقة متنوعة من وسائل التعبير الثقافي – في المسرح والشعر والرقص والموسيقى، والأفلام والتصوير الفوتوغرافي والفنون المعمارية. بالإضافة إلى العديد من المحاضرات والجلسات التفاعلية التي سمحت باستكشاف الجماهير لعدد من القضايا التي يعالجها الفن – من الإشكاليات المتعلقة بالحرية والتغيير الاجتماعي وعلاقتهما بالربيع العربي في تونس ومصر وسوريا وليبيا وصولا إلى قضية الصحراء الغربية.
لقد كان “شباك لندن” أول مهرجان شامل للثقافة العربية، حيث شارك فيه أكثر من 100 فنان من جميع أنحاء العالم العربي. وقد تميز المهرجان بالحيوية والتنوع.
وكان الربيع العربي حاضرا في التعبير الفني، حيث طغى على الحوارات والعروض في إطار حالة من الحماس والشغف والتمرد. فقد كان احتفالا بما تم تحقيقه بالفعل على المستويين السياسي والثقافي مع مخاوف حقيقية بشأن التأسيس على تلك النجاحات وحمايتها.
وعلى الرغم من أنه كانت هناك فرص للتعبير الجمالي، والفن من أجل الفن، ارتكز جانب كبير من المهرجان على الواقعية الاجتماعية والأمور المتعلقة بالوعي والنقد، وهو ما أعطاه عمقا أخلاقيا وثقافيا وأضاف له نضجا ومعنى.
في العديد من معارض وفعاليات المهرجان، كانت المخاوف الفنية تختلط بالمخاوف الاجتماعية. فقد قدمت سلسلة رانيا مطر “فتاة وغرفتها” بمعارض الفسيفساء، نافذة ملونة ومحفزة على التأمل لأوضاع الفتاة والمرأة العربية في العصر الراهن.
الهوية العربية
وكان من أبرز فعاليات المهرجان برنامج حول الكوميديا في الشرق الأوسط هو “ذرات صغيرة” ويدور حول المخرج المغربي أحمد بوعناني، ومعرض فني يستكشف الهوية العربية بعنوان “حول أهمية الثقافة العربية المعاصرة”، بالإضافة إلى معرض حول الثورة المصرية والتغيرات الاجتماعية التي ترتبت عليها تحت عنوان “من الفيس بوك، إلى ناسبوك”، بالإضافة إلى أمسية لقراءة الشعر المصري والخليجي.
كما كانت جدارية هالة القوصي التي تم عرضها في “سيتي هول” والتي تصور التغير الحيوي في القاهرة، من الفعاليات المهمة أيضا. كذلك قراءة لهشام مطر بمركز “ساوثبانك” لجانب من أحدث رواياته “تحليل اختفاء” والتي تعالج الأثر النفسي لانتهاكات حقوق الإنسان على الأفراد والعائلات التي تجبر على النفي، مركزا على منفى الليبيين في القاهرة.
وكانت هناك سلسلة من الفعاليات حول فن العمارة تفحص البيئة المعمارية في العالم العربي والتي شهدت تغيرات سريعة في الفترة الأخيرة في ظل وجود العديد من المتاحف الجديدة والمدن والشركات والمراكز الثقافية تحت الإنشاء. وكانت محاضرة 12 يوليو بعنوان “مساحة عامة: الساحات العامة والحضرية في العالم العربي”، والتي ألقت الضوء على المعماريين البارزين في الشرق الأوسط، كما تم التطرق بعمق لتلك القضية في الجلسة النقاشية التي عقدت في 19 يوليو تحت عنوان “التفكير المستقبلي: جلسات نقاش حول مستقبل فن العمارة في العالم العربي”.
كما كان من أهم الفعاليات الموسيقية في ذلك المهرجان عرض موسيقي بمركز “باربيكان” يعرض ملامح الموسيقى العربية كجزء من سلسلة مركز باربيكان للموسيقى العالمية. وقد اشتمل ذلك العرض على موسيقيين مرموقين ومطربين وفلاسفة، وهو ما جعل العرض مناسبة فريدة وثرية استقبلها الجمهور بحماس. وقد لعب العديد من هؤلاء العارضين أدوارا محورية في احتجاجات ميدان التحرير وعزفوا تضامنا مع الشعب المصري خلال الانتفاضة، مقدمين للشعب المصري الدعم والإلهام.
وفي نفس الأمسية، كان هناك حدث فريد بـ”كادوغان هول”، بعنوان “حفل موسيقي لأبناء مصر” أقيم لتمويل المشروعات التي تقيمها مؤسسة “انقذوا أطفال مصر” والتي تهدف إلى توفير الرعاية الصحية للأمهات والأطفال وزيادة الفرص التعليمية للأطفال المصريين. لقد كانت “انقذوا أطفال مصر” تعمل في مصر منذ 1998 وهي تركز حاليا على حماية الأطفال من أضرار ممارسة العنف في المدارس والزواج المبكر، بالإضافة إلى محاولة تقديم مساعدة إلى الأطفال ذوي الإعاقة.
كما عزفت “أوركسترا الغرفة الإنجليزية”موسيقى لملحنين مصريين هما حليم الضبع، وجمال عبد الرحيم، بالإضافة إلى قطع موسيقية لباخ وموتسارت وبيتهوفن في حفل جميل استقبله الجمهور بحماس بالغ. كما عرض الملحن البريطاني ديفيد هيث لأول مرة لحن “الهدية” ووصفه بأنه “نوع من قصائد الحب المهداة لشعوب الشرق الأوسط من ملحن غربي بلغة تمزج بين طبول شمال أفريقيا وإيقاع أكثر الموسيقيين الذين تأثرت بهم وهو جون كولترين”. وقد تحدث هيث باهتمام حول ضرورة التسامح والاحترام المتبادل بين كافة الديانات والجنسيات والثقافات متحدثا حول التأثير المهم لمشاركته في تأليف موسيقى أحد الأفلام التسجيلية لـ”إتش بي أو” الذي أخرجه أحمد جمال، والذي كان بعنوان “الصحافي والجهادي” والذي يدور حول الصحافي اليهودي دانييل بيرل الذي قطعت رأسه في باكستان في 2002 على يد أصوليين مسلمين.
وعادة ما كانت الفعاليات تجذب جماهير عريضة للبرامج، حتى ان القاعات تكون مكتملة العدد، وذلك ما حدث في جلسة النقاش “الربيع العربي: المنظور الأدبي” الذي عقد في “سواس” حيث انضم ثلاثة من الكتاب العرب جمعة بوكليب وخالد البري وغالية قباني إلى بريان ويتكر من “الغارديان” لمناقشة وضع الأدب العربي، والتحديات المتعلقة بالرقابة، وانتشار الأمية وآفاق نشر الثقافة الأدبية في العالم العربي.
عصف فكري
وساد الحوار قدر من الشجن حيث تحدث المشاركون حول التأثير المدمر لعقود من الدكتاتورية وانتهاك حرية التعبير في الكتابة والصحافة في العالم العربي، بالإضافة إلى عدم توافر الفرص التعليمية في العالم العربي، وفقا لما أشارت إليه سلسلة تقارير “تنمية الإنسان العربي” التي تصدرها الأمم المتحدة.
من جهة أخرى، لم تحظ فعاليات أخرى بنفس القدر من المشاركة وكانت هناك صعوبات تتعلق بالتنظيم، حيث تأخر البدء في البرنامج الموسيقي الافتتاحي الذي عقد في “ذا سكوب” بعنوان “ثورة موسيقية في العالم العربي” نظرا لوجود إعلانات متضاربة حول موعد البدء. ولكن ذلك العرض تمكن من جذب جمهور من تلك المنطقة المحيطة بنهر التيمز.
لقد كان “شباك لندن” متنوعا ويعج بالحيوية ويجمع في الوقت نفسه بين العروض الفنية وجلسات العصف الفكري ورصد التغيرات الاجتماعية بطريقة مختلفة ومقنعة. وتعد استضافة لندن لمثل ذلك المهرجان دليلا على كونها مركزا للثقافة العالمية، وفضاء لالتقاء الشعوب من كافة أنحاء العالم للمشاركة في الأنشطة الإبداعية والتعبير عن الذات والعصف الفلسفي في جو من الانفتاح والاحترام المتبادل والتسامح مع الآراء المختلفة.
ولكي يترك “شباك لندن” تأثيرا أعمق، فإنه تعهد بعقد المزيد من الفعاليات والمعارض على غرار التي أقيمت في لندن في العالم العربي حتى يكون بإمكانه الوصول إلى قطاع أكبر من الجماهير وزيادة تأثيره وتعزيز العلاقات والتواصل التي أسسها “شباك لندن”.
لقد كان المهرجان ناجحا، كما ساعد انفتاحه العميق في استكشاف نطاق واسع من الموضوعات المتعلقة بالعالم العربي على حيويته ومساهمته في الحياة الثقافية بلندن. وسوف تستمر بعض المعارض مثل “من فيس بوك إلى ناسبوك” بميدان صالون – الذي يستكشف المجتمع المصري وثقافته ودور الشبكات الاجتماعية في الثورة المصرية – طوال شهر سبتمبر (أيلول). إذن، ما زالت أمامك فرصة للمشاركة.
نوام شيمل

















تابعنا