الدكتور محمّد غانم الرميحي
التاريخ: : الجمعة, 16 سبتمبر, 2011
1
طباعة طباعة

الأفكار وتاريخها

قال لي احد الاصدقاء فخورا، انه نصح احد اهل السلطة من العرب بالنصيحة التي قالها مكيافيلي للامير في كتاب الامير، قلت ما هي؟ قال.. الافضل ان يكون الحاكم محبوبا ومهابا في الوقت نفسه، اما اذا كان عليه ان يختار بين ان يكون محبُوبا اومُهابا، فعليه ان يختار الثانية، اي يكون مُهابا. سألت الصديق، كيف يكون الحاكم في عصرنا مهابا؟ قال ان يمتلك القوة كما قال مكيافيلي وبطش بالاعداء!
مصرية ترفع صورة الرئيس حسني مبارك أمام قاعة المحكمة التي يحاكم فيها مع رموز النظام السابق.. بعض المصريين ما زالوا متعلقين برئيسهم السابق ويرفضون ما يحصل له بخاصة وهو على فراش المرض

مصرية ترفع صورة الرئيس حسني مبارك أمام قاعة المحكمة التي يحاكم فيها مع رموز النظام السابق.. بعض المصريين ما زالوا متعلقين برئيسهم السابق ويرفضون ما يحصل له بخاصة وهو على فراش المرض

اخذت اتأمل هذه المحادثة مع الصديق، فوجدت ان امثالها كثير يمر بنا يوميا. اي ان هناك من يعتقد ان ما قيل من حكم او من نتائج اعمال في ظروف تارخية سابقة، يصلح ان يستخدم اليوم بعلاته، في اوائل القرن العشرين. وهو مرض ثقافي عربي قليل منا من يتبصره ويبحث فيه.
إن مثل هذا القول في السياسة او الاجتماع او الاقتصاد او الفكر سائد بيننا، وان تبصرنا فيه وحاكمناه وجدنا ان مثل هذا القول غير عقلاني وخارج من السياق التاريخي. اذا كيف يمكن تطبيق تجربة في القرن التاسع عشر لها ظروفها وملابساتها على احداث في القرن الحادي والعشرين؟ وهو قرن وزمن له مواصفات اخرى وظروف موضوعية مختلفة.

الا ان هذا الامر، اي استخدام المقولات السابقة الجاهزة، يتكرر كثيرا في ثقافتنا العربية. هناك من يستدعي التاريخ ليقول لك ان الخليفة فلان كان يعمل كذا وكذا، كان يطوف مثلا بمنازل الحي، حتى يتعرف على من له حاجة، او من يدعو ربه في السماء كي يشتكي من شيئ حدث له، فيقوم الخليفة بتحقيق ما يصبو اليه الشاكي!

هذا يقع في ظروف اجتماعية وبيئة عمرانية مختلفة كل الاختلاف عما نحن فيه. لو حدث ان طبقه احد اهل الحكم اليوم فهو بالتاكيد سوف ينعت بقلة الذكاء على الاقل، او اكثر من ذلك النعت فكيف يطوف بمدينة بها عدد من ملايين المنازل، وكيف يسمع من يناجي ربه خلف الجدارن الاسمنتية اليوم؟

اليوم هناك وسائل اخرى لمعرفة راي الناس دون الحاجة للتلصص عليهم ليلا، كما انه من المستحيل ان يعوض الحاكم المحبة والرضا من الناس كي يكون (مرهوبا) ويستخدم العنف، على راي مكيافلي وصديقنا الذي صدقه، و وسائل الاعلام الحديثة تنقل كل شاردة وواردة.
لو اراد الحاكم اليوم ان يكون مرهوبا لبطش بالناس. لم يكن شاه ايران محمد رضا بهلوي الا مرهوبا باستخدامه للمخابرات (السافاك) ومثله السيد نجاد اليوم، ولم يكن اكثر رهبة من صدام حسين او حتى هتلر فأين هم اليوم. ان تكون مرهوبا اليوم بهذه النصيحة، هو ان تحفر قبرك بيدك.

من هناك فإن اطلاق المقولات على عواهنها واستدعاء احداث التاريخ من دون تفكير في المتغيرات، هي نوع من العبث واسقاط للزمن وظروف وبيئة الحدث نفسه، بل ان استدعاء الماضي هو بشكل اخر خروج عن مساقات العلم ، فما صلح في السابق لا يصلح بالضرورة في اللاحق.
الا اننا لو تدبرنا ما حولنا سوف نجد ان محدثينا في الكثير من الاوقات، سرعان ما يلجؤون الى احداث التاريخ، كي يقنعونا بما يحدث اليوم، وهو منهج في تقديري باطل، يتجاوز المعقول، وهو مرور الزمن وتغير الظروف.

الدكتور محمّد غانم الرميحي

الدكتور محمّد غانم الرميحي

د. محمّد غانم الرميحي هو أستاذ في علم الاجتماع السياسي، في جامعة الكويت وقد قدّم كتاباتٍ عديدة تتعلق بمواضيع علم الاجتماع السياسي، وشغل مناصب كثيرة، ومنها رئيس قسم ومساعد عميد كلية الآداب والتربية في جامعة الكويت. كان رئيس التحرير في عدد من المجلات والصحف على رأسها مجلة (العربي) الشهرية الشهيرة. له عدة مؤلفات.

More Posts

شاركنا

تعليق واحد

  1. مسعود عبدالجبار العماري يقول:

    الأستاذ الكبير الرميحي لو لم يكن في وسعنا الاستفادة من الماضي، لما كانت هناك خبرة، ولما كان هناك جديد. لا بد من الاسقاط على الماضي لنبني المستقبل. وأنت لو لم تستعمل هذه اللغة التي تكتب بها، وهي إرث ماضوي، لما كان بمقدورك مخاطبتنا. فهل ستخترع لغة أخرى مثلا؟! لا بد من الاستفادة من الماضي ولكن بحكمة.
    وأنت لا تأخذ الأمور بهذه البساطة فقصة الخليفة مفيدة حتى في عصر التكنولوجيا هذا، لأن الحاكم ينبغي أن يكون قريبا من الناس. بالطبع هو لا يستطيع أن يزور كل بيت، ولكن قد يزور فجأة واحدا منها ليتعرف حياة الناس، ويسمع منهم بدل التقارير الكاذبة التي تأتي إليه وتوهمه أن الأمور على ما يرام.
    الشيء الوحيد الذي لا يمكن فعله هو أن ننتقد مثلا عصرا غابرا بمعايير ومقاييس الحاضر. وهذا ما هو حادث بشكل كبير في ثقافتنا العربية المعاصرة.

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>