الشورى والانتخابات البلدية
عيد المرأة السعودية
• “يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء”
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة الأولى
• “تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد، وبوجه خاص تكفل للمرأة، على قدم المساواة مع الرجل، الحق في:
(أ) التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، والأهلية للانتخاب لجميع الهيئات التي ينتخب أعضاؤها بالاقتراع العام.
(ب) المشاركة في صياغة سياسة الحكومة وفي تنفيذ هذه السياسة، وفي شغل الوظائف العامة على جميع المستويات الحكومية”
الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، المادة السابعة
• “إن للمرأة المسلمة في تاريخنا الإسلامي، مواقف لا يمكن تهميشها”
عبدالله بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية
جاء خطاب الملك عبدالله بن عبدالعزيز في افتتاح الدورة الجديدة لمجلس الشورى مفاجئاً وسارّاً في الوقت ذاته، والمتأمل لسياسة الملك عبدالله يكتشف بسهولةٍ أنّه يحسن طبخ قرارته بتأنٍ وتؤدةٍ لتأتي متوافقةً مع طموحات شعبه، ولكن ضمن المنهجية التي أسماها في خطابه التاريخي بـ”التحديث المتوازن” وهو مصطلح جميلٌ، لتوصيف الترقي في الإصلاح والتطوير بما يشمل كافة طبقات المجتمع وفئاته وتوجهاته، دون القفز في المجهول، ولا الجمود على العتيق ولا الركون إلى القائم.
لقد منح الملك في هذا الخطاب المرأة حقّ دخول مجلس الشورى، وهو الجهة التشريعية الأعلى في البلاد، كما منحها حقّ الترشّح للإنتخابات البلدية وحق التصويت، وهو ما عبّر عن قراءة واعيةٍ لحاجاتٍ المرأة في المجتمع السعودي، التي تضطلع الدولة بتأمينها ورعايتها، نظراً للحاجة الداخلية الطبيعية للتطوير كما صرّح الأمير نايف، وكذلك مع استحضار التزامات السعودية الخارجية والاتفاقات الدولية التي وقّعت عليها.
في السياق المحلي السعودي هذا القرار يوازي في تاريخيته قرارين سابقين هما: قرار تعليم المرأة وقرار تحرير العبيد، وسيكون له من الآثار الإيجابية الكثير مما يدعم حقوق المرأة ومكانتها في المجتمع.
القراران السابقان: تعليم المرأة وتحرير العبيد
المرأة نصف المجتمع، وتعليمها هو اللبنة الأولى في بناء دولةٍ حديثةٍ، ومن هنا وفي عام 1959 صدر النطق الملكي الكريم بتعليم البنات في عهد الملك سعود وحكومة الأمير فيصل حينذاك، وقد لقي معارضةً شديدةً في ذلك الوقت، يمكن متابعة تفاصيلها الشائقة والمفيدة في كتاب “فتنة القول بتعليم البنات”، عبدالله الشدوي.
ومعلومٌ اليوم أن كثيراً من المعارضين حينذاك أصبحت بناتهم جميعاً منخرطاتٍ في سلك التعليم ونبغ منهنّ الكثير، واستفادت البلاد منهنّ في خطط التنمية المتتابعة.
وقد قال فيصل كلمته المشهورة للمعترضين على تعليم البنات: “إن الدولة تفتح المدارس تنفيذاً لواجباتها تجاه المجتمع، ولكنّها لا تملك إكراهكم على إرسال بناتكم إليها، وما دام هناك احتمالٌ بأن تأتي، ولو فتاة واحدةٌ، في أي يومٍ من الأيام، لتتعلم في هذه المدرسة، فإن المدرسة يجب أن تكون مهيأةً ومجهّزةً مسبقاً، بالمعلمات، وأن تحمي الدولة بقاءها بما لها من سلطة”.
وفي موضوع تحرير الأرقاء أو العبيد، وتحديداً في 6 نوفمبر 1962 أصدرت حكومة المملكة العربية السعودية بياناً وزارياً جاء فيه ما نصّه: “عاشراً: ومن المعروف أن موقف الشريعة الإسلامية من الرقّ يحث على فك الرقاب، ومن المعروف أيضاً أن الرقيق الموجود في العصر الحاضر، قد تخلفت فيه كثير من الشروط الشرعية التي أوجبها الإسلام لإباحة الاسترقاق، فقد واجهة الدولة السعودية منذ تأسيسها مشكلة الرق والرقيق، وعملت بجميع الوسائل التدريجية على القضاء عليه، فمنعت أول الأمر استيراده وفرضت العقوبات على ذلك، ثم منعت مؤخراً بيعه أو شراءه، وتجد الحكومة الآن الفرصة مواتية لأن تعلن إلغاء الرق مطلقاً وتحرير جميع الأرقاء، وستقوم الحكومة بتعويض من يثبت استحقاقه للتعويض” (صحيفة أمّ القرى، السنة الأربعون، العدد 1944، الجمعة 9 نوفمبر 1962) وقد دفعت الحكومة حينذاك ما يقارب الستين مليون ريال كتعويضات.
القرار الثالث: المرأة في الشورى والإنتخابات البلدية
افتتح الملك خطابه التاريخي في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة الخامسة لمجلس الشورى بالتذكير بما للملك عبدالعزيز من مكانةٍ تاريخية مستحقةٍ لدى جميع السعوديين بوصفه موحّد البلاد ومرسي دعائمها، وذكّر بأنّه لم يصنع هذا وحيداً ولكنّه صنعه بمعاضدة أجداد السعوديين الذين ناصروه وآزروه، وذكّر بأهمية المنجز التاريخي، وضرورة وأهمية التطوير الدائم، ورعاية قيم المجتمع.
إنّه خطابٌ لا يكتفي بالتأكيد على الأمانة والمسئولية، بل يستحضر مصلحة الوطن و “إنسانه”، كما أنّه لا يتوقّف عند “عقبات العصر” كالتخلّف والتشدد والتنطّع ونحوها، بل يواجهها بعملٍ دؤوبٍ وصبرٍ حكيمٍ وتطويرٍ عاقل.
لقد أوضح الخطاب الملقى في مجلس الشورى أنّه اعتمد على الشورى في بنائه وإصداره، لقد تشاور الملك مع فقهاء المؤسسات الرسمية ومع غيرهم، فـ”استحسنوا هذا التوجّه وأيّدوه” حسب ما جاء في الخطاب. وبما أنّ هذا القرار يتعلّق بمصلحة المجتمع والدولة، فإن القول الفصل فيه هو لملك البلاد، راعي المصالح العليا، وقائد الإصلاح. حتى بالمنطق الفقهي العام، فضلاً عن السياسي، فهو ولي الأمر وصاحب القرار.
لقد جاء قراره بمشاركة المرأة في مجلس الشورى معبراً عن أنّ المرأة ستكون جزءاً رئيساً في العملية التشريعية في البلاد وفي أعلى مؤسساتها وهو مجلس الشورى، وقراره بحق المرأة في الترشّح للمجالس البلدية وحقها في التصويت، معبراً عن دور المرأة في التخطيط والتنفيذ الإداري بما يخدم مصالحها ومكانتها في المجتمع، بمعنى أنّ المرأة ستكون شريكةً في التشريع وشريكةً في التنفيذ جنباً إلى جنبٍ مع الرجل.
للزمن قيمته وللاستعداد للتطبيق على الأرض وقته، ومن هنا أحسب أنّ اعتماد تنفيذ هذه القرارت في الدورات اللاحقة لمجلس الشورى وللبلديات فيه منح فرصةٍ زمنيةٍ معقولةٍ للمؤسسات المعنية لتجهيز نفسها وبناء آلياتها لتنفيذ هذه القرارات بأعلى مستوى ممكن من الإتقان.
يحبّ ملك الإصلاح أن يسمع النصيحة والمشورة من شعبه فذلك حقهم الطبيعي، ومن مسئوليته أن يتخذ القرار الأنسب الذي يرى فيه تحقيق “العزة والكرامة والمصلحة” لهم، وبما أنّ المشهد العام يحوي الكثير من المزايدين -كلٌ بحسب أهدافه وتوجهاته- فقد جاء الكلام واضحاً في الخطاب بأنّ “من يخرج على تلك الضوابط فهو مكابر، وعليه أن يتحمل مسؤولية تلك التصرفات” بما يعني أنّ على مصدري الآراء الشاذّة والفتاوى المتطرفة والرؤى المنحرفة أن يلزموا المصلحة العامة، وأنهم سيتحملون مسئولية ما يصدر منهم، لا تقييداً لحرياتهم بل منعاً لهم من الاعتداء على حريات الآخرين.
لقد أثبتت المرأة السعودية مكانتها المستحقة، فكان منهنّ المبدعات في كل مجالٍ، والعاملات في كل تخصص، بعضهن حصل على تقديرٍ عالميٍ ومحليٍ، وأوسمةٍ متخصصةٍ في شتى المجالات، وهي بالفعل أصبحت مستعدةً للانتقال لهذه الخطوة المهمة في تاريخ المرأة السعودية.
وحسب رؤية ملك الإصلاح وتوجهه السياسي فإنني أحسب أن المرأة ستحظى في المستقبل القريب بحقها في المشاركة في كل مؤسسات الدولة لا التشريعية فقط، بل القضائية والتنفيذية، أي القضاء ومجلس الوزراء.
قرارات ملك الإصلاح
لم تزل قرارات ملك الإصلاح تدفع باتجاه تطوير البلاد ودفعها للمستقبل، قد يرى البعض تأخراً، وقد يرى البعض استعجالاً، وقد تختلف الرؤى والآمال، ولكنّ موقع المسئولية يحتمّ عليه تحديثاً متوازناً كما جاء تعبير خطابه المتقن.
25 سبتمبر: عيد المرأة السعودية
كنت في قناة العربية على الهواء أستمع لخطاب الملك، وحين أعلن قراراته التاريخية شرعت في التصفيق، ثم توقفت لأنني على الهواء، ثم قلت إنّ هذا الحدث التاريخي بمثابة عيدٍ للمرأة السعودية، ولست أرى ما يمنع من أن يصدر قرارٌ باعتبار هذا اليوم يوماً للمرأة السعودية، هو أهمّ بالتأكيد، من يوم الشجرة أو غيره من الأيام المعتمدة رسمياً للاحتفال بمناسبات مماثلةٍ، تمنح المرأة عيداً هي خليقةٌ به، وتمنح الملك ذكراً حسناً لقرارٍ تاريخيٍ اتخذه.

















تابعنا