فهد الأسطاء
التاريخ: : الخميس, 27 أكتوبر, 2011
1
طباعة طباعة

صور الصفيح المهرولة… كيف جاءت النجوم!!

مارلين مونرو أشهر نجمة سينمائية

مارلين مونرو أشهر نجمة سينمائية

حينما بدأت السينما في أواخر القرن التاسع عشر كان عليها أن تجد مكانا مناسبا امام الفن المسرحي الأهم والأشهر حينها خاصة مع حداثتها وقصر مدة عرضها التي لم تتجاوز في البداية الخمس عشرة دقيقة للفيلم ولم يكن الممثل السينمائي وقتها ليجد أي مكانة قريبة من نجوم المسرح وقتها.
فحتى وقت متأخر من بداية السينما كانت رابطة مخرجي برلين المسرحيين مثلا ترفض السماح لممثلي المسرح بالعمل في الأفلام باعتبارها فنا لايرقى لسمعة المسرح.

وكذا الحال في بداية السينما اليابانية حينما رفضت مسارح الكابوكي السماح لممثليها بالظهور في الأفلام السينمائية.

وفي أمريكا نفسها كان الممثلون في البداية يخجلون من وضع اسمائهم على الأفلام او مايطلقون عليها استهزاء “صور الصفيح المهرولة”!!

جيمس دين

جيمس دين

لكن الأمر لم يكن ليستمر على هذه الحال وبدا وكأن القدر يخفي نصيبا أكبر للمثل السينمائي، فبعد فترة ليست بالطويلة اتجهت الامور بشكل آخر حينما اصبح جمهور المشاهدين يراسل الاستديوهات ويطالبها بالكشف عن اسماء الممثلين واعطائهم معلومات عن نجومهم المفضلين بعد ان كان الجمهور قد اعتاد اطلاق اسماء وألقاب مخترعة لنجومهم مثل “فتاة البايوغراف” نسبة لشركة بايوغراف التي تظهر فلورانس لورانس في أفلامها والتي يمكن اعتبارها اول نجمة سينمائية بالمعنى الحديث و “ماري الصغيرة” لقبا للممثلة ماري بيكفورد وغيرهما امام رفض المنتجين الافصاح عن اسماء ممثلي أفلامهم الحقيقية خشية ان يدركوا انهم عامل جذب جماهيري فيطالبوا بزيادة أجورهم.

ويروي المؤرخون السينمائيون قصة التغيير الذي خلق فكرة النجم للسنوات التالية التي عاشتها السينما حتى هذا اليوم حينما أراد كارل ليمبل احد المنتجين المستقلين ان يعلن عن انتقال “فتاة البايوغراف” فلورانس لورانس من شركة “بايوغراف” الى شركته “الشركة المستقلة للأفلام” حيث قام بعملية مفبركة ناجحة فبعد التعاقد مع فلورانس قام بإشاعة خبر موتها ذاكرا اسمها الحقيقي لأول مرة عبر تقارير صحفية مجهولة ولاتحمل توقيعا.

ثم أتبع ذلك بعمل حملة اعلانية كبيرة باسم شركته لنفي اشاعة موت الممثلة وانها مجرد كذبة للتشويش حول انتقال الممثلة فلورانس وتأكيدا لهذا الأمر فقد وعد كنغ باغوت الممثل الأول لشركة كارل ليمبل والذي يظهر اسمه لأول مرة كذلك بأن يرافق الممثلة فلورانس الى سانت لويس لحضور افتتاح أول أفلامها مع “الشركة المستقلة للأفلام” مما دفع الكثير جدا من الجماهير والمعجبين الى التجمع والاحتشاد عند محطة القطار ليحضوا برؤية نجمتهم “فتاة البايوغراف” السابقة وهي على قيد الحياة.

فلورانس لورانس أول نجمة سينمائية

فلورانس لورانس أول نجمة سينمائية

ويقال إن بعض المهووسين قاموا بتمزيق شيئ من ملابسها للاحتفاظ به كذكرى ليعلن بذلك عن احدى اهم عوامل الجذب الجماهيري ومحاور اقتصاديات السينما التي مازلنا نرى تأثيرها حتى هذا اليوم.
وهذا ما نعكس ايضا لدى العديد من المنتجين الاوربيين وقتها والذين كانوا قد سلكوا مثل هذا الطريق الناجح في إبراز ممثليهم لخلق فكرة النجم وشعبيته طمعا بمردودات مادية اكبر.

لكن الأمر اصبح مندفعا بشدة نحو هذا الاتجاه وبدرجة مبالغة تعطي الممثل النجم موقعا خاصا وشهرة عالية وقامت شركات الانتاج بإغراق الجمهور بمختلف وسائل الدعاية من صور فوتغرافية وصور حائطية وبطاقات بريدية اضافة لمجلات السينما التي تقوم بالترويج لهؤلاء النجوم جاعلة منهم اناسا أشبه بالأساطير.

ويقال إنه كان في هوليوود وحدها مالايقل عن خمسمائة مراسل صحفي لنقل آخر أخبار النجوم وتحركاتهم وأسرارهم.
وترى الكاتبة تري مارغريت ان هولييود حينها كانت ثالث اكبر مصدر للاخبار بعد واشنطن ونيويورك ونحو مائة الف كلمة كانت تخرج يوميا منها ونشأت حينها العديد من الاندية الخاصة بمعجبي نجم معيّن فتعالت مكانة الممثل النجم حتى بلغت مكانة يفرض فيها الممثل رؤاه الخاصة تجاع الفيلم ومخرجه ايضا.

وكان من المعتاد ان يتم الاعلان عن الأفلام من خلال ممثليها والنجوم الجماهيرية ولوقت طويل من دون أي ذكر للمخرج او غيره وبخاصة في ظل نظام الاستديو الذي كان يعمل على تهميش دور المخرج بدرجة كبيرة حينما يتتابع احيانا اكثر من مخرج لعمل فلم واحد.

في وقت ما كان يأتي المخرج الى موقع التصوير ليجد بانتظاره ماهو مطلوب منه تصويره لهذا اليوم وربما من دون ان يعرف ما الذي سيفعله في الفلم غدا.

رودولف فالنتينو

رودولف فالنتينو

وربما تجسد مارلين مونرو اشهر نجمة سينمائية كل هذا الهوس الشعبي بالنجوم للدرجة التي مازال مقتلها، او انتحارها، يشكل سرا غامضا رغم العديد من المؤلفات التي كتبت عنها كما لم يكتب عن أي نجم سينمائي آخر.

وكذا الحال مع النجم جيمس دين الذي مات شابا بعد ان كان مثلا يحتذى عند كثير من الشباب الأمريكي في الخمسينات الميلادية لدرجة تقليد لباسه وتسريحة شعره بل انه مازال هناك حتى هذا اليوم من يعتقد في عدم موته ويرسل إليه الرسائل. وهو هوس يعيد ماحدث مع النجم السابق رودولف فالنتينو .

واذا كانت بداية الستينات هي نهاية ما يسميه الكاتب ادغار موران “نظام النجوم” وتلك القداسة الغامضة للنجم وتحميله ادوارا حياتية اكبر من حقيقته، فإنه بالمقابل حتى هذا اليوم لم يحدث تغيير كبير على مستوى مكانة الممثل حيث مازال عامل جذب يتقاضى أعلى الأجور. ومازال أداء الممثل نفسه لايشكل معيارا اساسيا في الحكم على جماهيريته الا ان الوعي الفني المتزايد الذي كان نتيجة منعطفات فنية كبيرة ومهمة في تاريخ السينما أبقى الممثل في هذا المكان مابين شهرته الطاغية وأجوره العاليه لكنها في المقابل أعطت عناصر العمل الاخرى كالمخرج والسيناريست والمصور وغيرهم مكانة اكبر وجعلت منهم عوامل أساسية في التقييم الفني تسبق دور الممثل الذي لن يزعجه هذا الأمر مادام يتلقى رسائل معجبيه ويستلم مبالغ المنتجين.

ولايطمع احد من السينمائين في صنع موازنة منصفة مابين جماهيرية الممثل ودور العوامل الفنية الأخرى الا انه يمكننا اعتبار الفترة الحالية التي نعيشها هي اكثر الفترات منطقية في وضع الجميع في أماكنهم التي يستحقونها.

فهد الأسطاء

فهد الأسطاء

ناقد سينمائي ومحرر الصفحة السينمائية في جريدة الشرق الاوسط من 2004 الى 2009. رئيس مجموعة تلاشي السينمائية ومدير موقع سينمانا وعضو مؤسس لموقع سينماك

More Posts

شاركنا

تعليق واحد

  1. هيفاء بنت سعود يقول:

    مبدع يا استاذ فهد مقال رائع ومفيد ..

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>