سينماتون … جدل السينما التجريبية
في دورة مهرجان الخليج الأخيرة (ابريل 2011) وبعد نهاية الحفل الختامي كان هناك مخرج أوروبي قد اتخذ له مكانا منعزلا ونصب كاميرته ليقوم بتصوير فتاة إماراتية بشكل جامد تماما من دون أي تعابير محددة او أي حركة داخل المشهد!
بالنسبة لي لم يكن هذا ليثير الاستغراب كثيرا لأنني أعرف ان هذا المخرج الاستثنائي بأسلوبه، هو الفرنسي الشهير جيرار كوران صاحب فيلم “سينماتون” الذي يعد أطول مشروع سينمائي متواصل والذي بدأ تصويره منذ عام 1977 ولم ينته منه حتى هذا اليوم.
حقق جيرار اكثر من 156 ساعة كلها عبارة عن 2347 بورتريه لشخصيات فنية وثقافية معروفة من سينمائيين وكتاب وصحفيين وفنانين تشكيليين ونقاد ومنتجين وغيرهم مثل المخرج الفرنسي الشهير جان لوك غودار وفيم فيندر وجوزيف لوزي وساندرين بونير وجولييت بيرتو و غيرهم كثير اضافة الى شخصيات غير معروفة ايضا حيث يقوم فقط بتصوير وجه الشخص المصور في لقطة ثابتة لمدة ثلاث دقائق وبضع ثوان واضعا كل شخص أمام الكاميرا في الحالة التي يرغبها كما ولو كان جالسا لالتقاط صورة فوتغرافية على الرغم من انه طرأ بعض التغييرات في السنوات اللاحقة حيث اصبح جيرار يعطي الشخص المصور فرصة عمل أي شيء أثناء تصويره.
وكان يسبق كل “بورتريه ” بطاقة تعريفية تتضمن الرقم التسلسلي للتصوير واسم الشخص المصور وجنسيته ونشاطه ومكان التصوير وزمنه حيث يصرح جيرار بأنه يهدف من خلال هذا العمل الى تكوين أرشيف عن الفن على الرغم من ان بدايته كانت لتصوير اصدقائه قبل ان يتوسع لتصوير الناس الأكثر شهرة ليقدم حتى الآن الفيلم الوحيد الذي يجمع بين اكبر عدد من المشاهير والمخرجين مثل كين لوتش وجان لوك غودار والايطالي روبرتو بينجيني والأميركي صموئيل فولر وتيري جيليام..علما بأن جيرارد نفسه لا يدري متى ينهي هذا المشروع الضخم.
سينماتون ربما هو الجانب الأشهر من حياة المخرج جيرارد كوران لكن الجانب الحقيقي الذي يعطي هذا المخرج قيمته كونه يعتبر الأبرز في مجال ما يسمى بالسينما التجريبية في هذا الوقت!
ولذا فقد كانت خطوة رائعة وقتها من ادارة مهرجان الخليج السينمائي بدبي استضافة هذا المخرج ضمن فعاليات “في دائرة الضوء” والمخصصة لأعمال كوران على 32 فيلماً طويلاً، و6 أفلام متوسطة المدة، و4 أفلام قصيرة إضافة إلى 6 أفلام مسلسلة من “سينماتون” حيت تم ايضا وضع شاشات عديدة في مختلف اماكن المهرجان لعرض افلام كوران على مدار الساعة.
والحقيقة ان تجارب كوران والذي يطلق عليه بعض النقاد بطرافة المخرج الأكثر كسلا في العالم متعددة ومتنوعة بغرائبيتها، فهو يقدم افلاما تأملية لاتسوقها الاحداث وافلاما طويلة لمدة يوم كامل من دون توقف وافلاما اخرى مكوّنة من صور فوتوغرافية او حتى صور سالبة “نيجاتيف” وتصوير ثابت بلا معنى لأماكن مختلفة او مكتظة كالمحطات والقطارات والشوارع وصالات السينما وربما امتد به هوس التجريب للتوجه نحو افلام شهيرة لعمالقة السينما والقيام بضغطها في دقائق معدودة!!
والحديث هنا عن جيرارد كوران هو حديث في الحقيقة عن قيمة السينما التجريبية ذاتها والتي تستخدم امكانيات خاصة في التعبير بشكل حرّ ومتحرر تماما سواء من البناء التقليدي للفيلم والقيمة الجمالية المعتادة او حتى التحرر من الموضوعات نفسها وهي في النهاية لايمكن اعتبارها سينما شعبية تستهوي الناس او تتفاعل معها ولطالما اثارت الجدل ايضا مابين معارضيها الذين لا يرونها تتجاوز كونها عبثا ونزعة ذاتية وبين مناصريها الذين يرون فيها فنّا خالصا في التعبير الذاتي واعلانا صادقا في التحرر ودفع عجلة الفن نحو آفاق جديدة.

















تابعنا