صفاء عزب
بقلم :
التاريخ: : الثلاثاء, 1 نوفمبر, 2011
0
طباعة طباعة

فاطمة عبد الهادي.. تصحيح لمفاهيم خاطئة عن جماعة كانت محظورة!

نساء الأخوان

60 سنة أو أقل قليلا عاشها الإخوان المسلمون في مصر يعملون في الخفاء ولا يستطيعون حتى الإعلان عن أنفسهم خوفا من المطاردات والمضايقات الأمنية، ويعاملون كجماعة محظورة ليس من قبل الأمن فقط، ولكن من مختلف فئات المجتمع المصري، حتى قامت ثورة يناير 2011 فتغيرت المعايير، وانقلبت الأمور، وأصبحت جماعة الإخوان صاحبة الصوت الأعلى في مختلف أرجاء القطر المصري، بل وأصبح أعضاؤها نجوما لامعة، تتكالب عليهم وسائل الإعلام، وصارت كتبهم ومؤلفاتهم تحظى بانتشار واسع على مرأى ومسمع من الجميع، بعد أن كانت تتعرض للمصادرة، بل وتعتبر تهمة لمن تضبط في حوزته.
نساء الاخوان.. أي دور داخل الجماعة!

نساء الاخوان.. أي دور داخل الجماعة!

استثمارا لهذا الرواج الإخواني في الشارع المصري، شهدت الفترة الأخيرة صدور مجموعة كبيرة من تلك المؤلفات، التي ما كانت لتخرج للنور أبدا في ظل النظام السابق، ومن بينها كتاب “رحلتي مع الأخوات المسلمات” الصادر عن دار الشروق المصرية للنشر في 148 صفحة.

أسرار خاصة

المثير في هذا الكتاب أنه ليس من تأليف إخواني رجل كما اعتادنا من قبل، حيث إن مؤلفته قيادية إخوانية هي فاطمة عبد الهادي وكيل أول لجنة نسائية في جماعة الإخوان، والتي تكشف فيه كثيرا من الأسرار الخاصة بالجماعة، لا سيما في فترات الصدام مع السلطة، ومن ثم فهو يحمل خصوصية شديدة، لأنه ليس من المألوف أن تخرج الأخوات المسلمات عن الصمت المعروف لنساء الإخوان وتتحدث إلى الناس في ظل القواعد العامة للجماعة، التي تجعل المرأة دائما مستترة بعيدا عن الأضواء. فقلما كانت هناك كتابات أو شهادات لنساء من الإخوان إلا نادرا وكانت شهاداتهن ذات بعد سياسي بحت، وأحيانا مثار جدل كما في شهادات زينب الغزالي. أما هذا الكتاب فقد جاء مختلفا لأنه يقدم شهادة ذات بعد سياسي واجتماعي معا، ويعكس كثيرا من الجوانب الخفية والمسكوت عنها في أسلوب حياة الأخوات التي ربما لم تكشفها كتابات السابقة.

حجاب الإخوان

وعلى الرغم من عدم ضخامة حجم الكتاب، إلا أن محتواه يزيد من قيمته، لما يفنده من كثير من الانطباعات والاتهامات الموجهة للإخوان المسلمين، وما يكشفه من بشاعة الدولة الأمنية في عهود مصر السابقة. فمن السطور الأولى في الكتاب فاجأنا الدكتور محمد فريد عبد الخالق في مقدمته للكتاب بكثير من المعلومات المثيرة عن الإخوان التي تخالف ما نعتقده عن عالمهم أهمها قضية الحجاب، حيث يقول عضو مكتب الإرشاد الإخواني إن هذه المسألة لم تكن واضحة ولا حاضرة في ذلك الزمن البعيد بالشكل الموجود حاليا، مشيرا إلى أن شقيقته سعاد لم تكن محجبة حتى قرب زواجها، وأن زوجته سبقتها في الحجاب بوقت قصير. أما النقاب فلم يكن له وجود بين الأخوات في عصر البنا، ولم يظهر إلا مؤخرا لأسباب خاصة بعمل المصريين في بعض الدول حتى انتشر بشكل كبير، مؤكدا على أن النقاب بعيد كل البعد عن نمط التدين المصري المعتدل.

فاطمة عبد الهادي

فاطمة عبد الهادي

قسم الأخوات

وتكشف المؤلفة في بدايات الكتاب شهادتها عن تكون البذور الأولى للنشاط النسائي داخل جماعة الإخوان المسلمين كجماعة دعوية بحتة، وتحولها إلى جماعة ذات نشاط اجتماعي وسياسي في آن واحد، حيث بدأ الأمر بالدروس الدينية عام 1942 لمجموعة مكونة من ست أخوات منهن المؤلفة فاطمة عبد الهادي، أمينة الجوهري، فاطمة البدري، وزينب زوجة الشيخ الشعشاعي، في أحد أحياء القاهرة الشعبية. ثم أخذت تتسع أنشطتها لتشمل تقديم خدمات اجتماعية مثل التمريض ومساعدة الفقراء والأيتام وتزويج الفتيات للإخوة الذين يبحثون عن زوجات. وكان هذا هو أحد الأدوار التي كانت تقوم بها المؤلفة، ومع ذلك فقد تأخر زواجها حتى منتصف الثلاثينات من عمرها، لإصرارها على تزويج شقيقاتها قبلها، ولما تقدم لها أحد الإخوة للزواج منها رفضته في البداية، لأنه كان يحمل مؤهلا متوسطا، ولكنها تزوجته في النهاية وأنجبت منه البنين والبنات بعد ذلك. ومن خلال سرد المؤلفة تكشف لنا ما ينم عن طبيعة غير متشددة للإخوان وزعيمهم حسن البنا، فإلى جانب قضية الحجاب، تكشف المؤلفة عن أن بذرة الاتحاد النسائي الإخواني خلت من زوجة مؤسس وزعيم الإخوان الشيخ حسن البنا، فأشارت إلى أنها رفضت الانضمام لنشاط الاخوات، وفضلت التفرغ لرعاية الأولاد من دون أي تحفظ أو اعتراض من البنا، وهو ما يوحي بعدم تسلط البنا على أهل بيته.

سنوات الصدام

وفي موضع آخر من الكتاب تتناول المؤلفة وقائع الصدام التي حدثت بين الجماعة والسلطة والتي كانت شاهدة عليها بحكم وجودها في مركز الأحداث. وتروي مشاهد بشعة عن عمليات التعذيب والاعتقال التي مارسها الأمن ضد الإخوان وعائلاتهم ونسائهم، وكيف أنهم لم يتورعوا عن تعذيب أمهات الإخوان اللائي تجاوزن السبعين عاما، وكانوا يسخرون منهن ويعرضونهن لأبشع الإهانات. ولكن أهم حدثين توقفت عندهما المؤلفة في هذا السياق، كانا حدثي عام 1954 وعام 1957. ففي التاريخ الأول بدأ الصراع بين الحكومة والإخوان بعملية مداهمات ومطاردات وسجن واعتقالات لسنوات طويلة ليضطروا زوجاتهم لطلب الطلاق، وهو ما حدث بالفعل، وفقا للمؤلفة التي تقول إن زوجها محمد هواش القيادي الإخواني الشهير، قد خيرها بين البقاء أو طلب الطلاق بعد الحكم عليه بالسجن المشدد 55 سنة، ولكنها اختارت البقاء من أجل أولادها، بعد أن تعرضت هي الأخرى للاعتقال والتعذيب، لمساعدتها نساء الإخوان المعتقلين، وكيف كانت مشاعرها حينما حرم الأمن أولادها الصغار من الأم والأب في وقت واحد. ولا شك أنها شهادة مؤلمة تكشف واقعا مريرا عاشته كثير من العائلات المصرية بسبب المطاردات الأمنية للإخوان بحق وبدون حق.

مذبحة وإعدام

أما التاريخ الثاني عام 1957، فهو يحمل ذكرى مذبحة الإخوان الشهيرة التي ارتكبها رجال الأمن ضد مساجين طرة بفتح المدافع الرشاشة على مجموعة من المساجين وإبادتهم بطريقة وحشية. وتستعرض المؤلفة في هذا السياق نماذج من الكفاح النسائي الإخواني، الذي يؤكد على صلابة وقوة نساء الإخوان في مواجهة الشدائد، ومنهن السيدة آمال العشماوي ابنة وزير المعارف في الأربعينات التي ترأست اللجنة النسائية في بداية إنشائها. وهو أمر نستنبط منه مدى تغلغل الإخوان في المجتمع المصري في تلك الفترة ووصولهم إلى طبقة الوزراء وعلية القوم ممن تحمسوا لأفكارهم.

وتصل المؤلفة إلى عام 1965 وقضية تنظيم الإخوان الشهيرة والتي تعرض فيها زوجها مع أقطاب الإخوان لأبشع وسائل التعذيب، حتى تم إعدامه عام 1966 ضمن ثلاثة من كبار الإخوان أشهرهم المنظر الإخواني سيد قطب. ويعتبر هذا الجزء من الكتاب شهادة موضوعية من مؤلفته الشاهدة على الأحداث، والتي قيمها وثمنها البعض واعتبرها أكثر حيادية وواقعية على هذا الحدث الفاصل في تاريخ العلاقة بين الإخوان والدولة، مقرنة بشهادات نسائية أخرى.

نساء بيت المرشد

وتأتي أهمية الكتاب من كونه شهادة للتاريخ من قيادية إخوانية عاصرت أحداثا مهمة، وشهدت على كثير من تفاصيلها، بل وكانت جزءا منها في بعض الأحيان. وتزداد أهمية هذه الشهادة التاريخية كونها لشخصية نسائية إخوانية بارزة، حيث كانت فاطمة عبد الهادي وكيلة أول لجنة نسائية في الإخوان المسلمين، وزوجة أحد قيادييها البارزين وهو الشيخ محمد يوسف هواش، الذي تم إعدامه مع سيد قطب في العهد الناصري، كما كانت مقربة من بيوت قادة الإخوان، وكانت على اتصال بأهليهم مثل بيت الشيخ حسن البنا، وزوجته، وبناته، وكانت المرأة الوحيدة من غير أهله التي عاشت فترة اغتياله، وحضرت غسله ميتا، وجنازته من بيته، فضلا عن كونها وثيقة الصلة بنساء بيت حسن الهضيبي، المرشد الثاني. لذا لم يكن غريبا أن يكتب مقدمة الكتاب الدكتور محمد فريد عبد الخالق عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين، وعضو مكتب الإرشاد الأسبق، مدير عام دار الكُتب والوثائق القومية المصرية سابقًا.

صفاء عزب

صفاء عزب

صفاء عزب

صفاء عزب، كاتبة صحافية مصرية تعيش في القاهرة. حاصلة على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية، شغلت العديد من المواقع الصحافية داخل مؤسسات صحافية مصرية وعربية وأجنبية. كما تشغل موقع رئيس تحرير برنامج (علمتني الحياة) في قناة (المحور) الفضائية المصرية .. ساهمت في إعداد الكثير من البرامج التلفزيونية في القنوات الرسمية والخاصة.

More Posts

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>


8 + 2 =