عبدالله الرشيد
التاريخ: : الإثنين, 14 نوفمبر, 2011
7
طباعة طباعة

كيف تكتب تحقيقاً صحفياً على الطريقة السعودية!!

محمد بازيد يستعرض الخطوات الخمس لصناعة تحقيق صحفي على الطريقة السعودية، "التاسعة إلا ربع"

محمد بازيد يستعرض الخطوات الخمس لصناعة تحقيق صحفي على الطريقة السعودية، "التاسعة إلا ربع"

“صورة المحقق الصحفي التي تظهره على شكل شخص دونكشتوتي، مدمن على النيكوتين، والكحول، يلوح في مبنى المدينة بفضيحة خرجت للتو من الآلة الكاتبة.. مازالت متشبثة بالأذهان على الرغم من الأدلة الوفيرة التي تثبت العكس”. بول غري.

لست أدري لماذا يجتهد كثير من الصحفيين السعوديين في تحويل وظيفة التحقيق الصحفي من أداة فاعلة لدراسة الواقع وكشفه وإبرازه، وتوجيه أنظار المعنيين إليه، إلى وسيلة لملء فراغ الصفحات بمواضيع وقضايا مستهلكة مقتولة في قوالب مكررة منذ أن اكتشفت الصحافة الورقية الطباعة..!
إنهم يجهلون أن التحقيق الصحفي في حقيقته يعتبر فرعاً من علم الاجتماع، ينزل فيه الباحث إلى الميدان ليصف الواقع ويحلله، مستخدماً بذلك أدوات منهج البحث الوصفي/ المسحي، القائم على الملاحظة، والمقابلة، والاستبيان.

الزميل محمد بازيد. مذيع البرنامج الكوميدي على اليوتيوب “التاسعة إلا ربع” قدم فقرة ساخرة بعنوان: (كيف تصنع تحقيقاً صحفياً على الطريقة السعودية؟)،الفكرة رغم طرافتها إلا أنها تعكس واقع نسبة كبيرة من التحقيقات المنشورة في الصحف السعودية، التي تقدم القضايا الاجتماعية الحساسة عبر قوالب بالية وأدوات عفى عليها الزمن، في حالة تعيدنا إلى طرح السؤال الأهم: لماذا لا توجد إلى الآن جهة لها الحق الرسمي في إصدار تراخيص مهنية لممارسة العمل الصحفي تستطيع من خلالها غربلة التراكم الهائل في أعداد الصحفيين الذي أصاب صفحات جرائدنا بالخمول والتخمة والتبلد، وتدفع باتجاه رفع معايير جودة المنتج الصحفي؟

شاهدت تحقيقاً صحفياً نُشر في إحدى الصحف السعودية قبل يومين يتحدث عن واقع العلاقات بين الشباب والفتيات في السعودية! التحقيق نفسه لو نُشر قبل عشر سنوات لأصبح مكروراً متهالكاً، ومع ذلك يعاد نشره كموضوع رئيسي في سنة 2011، في سنة انهارت فيها حكومات، وتغيرت دول، إلا أن صحفنا مازالت عصية على التغيير.
الصحافة الورقية لا تموت فقط بسبب تصاعد وقوة الإعلام الجديد، بل تموت بشكل أسرع حين تستخف بعقول قرائها، وتوكل دراسة قضايانا الاجتماعية الحساسة إلى صحفيين لايخرجون من مكاتبهم ولا يكلفون أنفسهم تعلم أبجديات الثقافة وأسس البحث العلمي.

كاريكاتير على هامش التحقيق الصحفي الفائز بجائزة 1989 "لون المال"

كاريكاتير على هامش التحقيق الصحفي الفائز بجائزة 1989 "لون المال"

الصحافة الورقية لا تموت فقط بسبب انصراف القراء لمواقع التواصل الاجتماعي، والصحافة الإلكترونية الخفيفة، وإنما تموت حين تصبح تحقيقاتها الصحفية كمواد معلبة طويلة الأجل، تتكرر ذاتها مع كل موسم اجتماعي أو ديني، الكليشيهات ذاتها، الأكاديميون ذاتهم، والمواطنون ذاتهم، والنتيجة ذاتها… هل مجتمعنا بهذا الجمود؟

يمكنني القول إن التحقيق الصحفي هو الحقل الأبرز الذي تستطيع فيه الصحيفة أن تقدم قوتها وعمقها وفرادتها، وتميز صحفييها، سيبقى السبق الإخباري، وتنوع الكتاب والمحللين من أقوى روافد الصحيفة، لكن التقارير والتحقيقات الصحفية الاستقصائية الميدانية هي التي تكشف عن الصحفي الحقيقي كما يقول مورت روزبنلوم من وكالة اسوشييتد برس: “حين يأتي النداء في منتصف الليل، كان على الإطفائي ارتداء لباسه بسرعة وإطفاء النار، أما الصحفي فعليه أن يخبر مليون شخص: من أشعل عود الكبريت؟ ولماذا؟”.

يكفيك أن تشاهد فيلم The Insider لتعرف بالضبط وظيفة المحقق الصحفي الذي يساهم في إثارة الواقع كله، وإشعال الرأي العام، والقضاء والشعب تجاه مصالحه، وتعريفه بالمخاطر التي تهدده، لأنه بحسب جيمس غوردون بينيت: “يمكن لأي صحيفة أن تتفوق على جميع كنائس نيويورك في عدد الأرواح التي ترسلها إلى النعيم وتنقذها من الجحيم”.

فيلم The Insider الذي قام بإخراجه مايكل مان، يقدم قصة من الواقع عن الفساد السياسي الرأسمالي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تدور أحداثه حول القضايا التي رُفعت على شركات التبغ الأميركية لأنها تزيد النيكوتين من أجل إصابة المدخنين بالإدمان، أدى فيه الممثل آل باتشينو دور الصحفي لويل بيرغمان الذي عرض حياته للخطر من أجل كشف حقيقة شركات التبغ مع أحد العاملين فيها الدكتور جيفري واينلد، الذي قام بتجسيد شخصيته الممثل راسل كرو.

آل باتشينو وراسل كرو في فيلم: The Insider

آل باتشينو وراسل كرو في فيلم: The Insider

دعك من التحقيقات الصحفية المحفوفة بالهلاك والمخاطر، يقدم ديفيد راندال كبير محرري الأخبار في صحيفة الأندبندنت مثالاً للتحقيق الصحفي الاستقصائي النموذجي الممتاز، صمم فيه الصحفي على البحث والتحري ونقل حقيقة ما يحدث، ونشره أمام الناس، ليست قضية كبيرة أو دولية، بل مجرد قضية محلية داخلية تخص السود في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا، ومع ذلك فاز التحقيق بجائزة بولتيزر للصحافة والآداب والموسيقى عام 1989.

قام الصحفي بيل ديدمان بدراسة التمييز العنصري في تقديم القروض المصرفية في أتلانتا بجورجيا، ومن أجل التأكد من فرضياته حول امتناع بعض البنوك عن منح القروض للسود، قام بمراجعة 109000 قرض مصرفي، ومقارنة فهارس الكمبيوتر الاتحادي مع شريط تسجيل الإحصاء الفيدرالي، وتركيز البحث المقارن على الأحياء السكنية للسود والبيض.

بالإضافة إلى مقابلات متكررة مع السكان، والأكاديميين والقانونيين، ورجال المصارف، وحين اكتملت معلوماته نشر تحقيقه في مجلة أتلانتا جورنال بعنوان: “لون المال”، وجاءت النتائج الفورية بعد تسعة أيام من النشر حيث ضخت أكبر مصارف أتلانتا 77 مليون دولار في القروض المخصصة لمناطق السود، بعدها بأشهر بدأت وزارة العدل الأمريكية التحقيق مع 64 مؤسسة مالية في أتلانتا بتهمة خرق قوانين مكافحة التمييز العنصري.

سيكون من غير العادل تحميل الصحفي السعودي لوحده مسؤولية هذا المستوى المتردي الذي وصلت إليه التحقيقات الصحفية، فهي بيئة إعلامية كاملة تتحمل فيها أطراف عدة المسؤولية، وقد يكون الصحفي مجرد ضحية، لكنه سيكون مُلاماً حين يرضى بأن يستسلم لدور الضحية.

عبدالله الرشيد

عبدالله الرشيد

أكاديمي وإعلامي سعودي. rsheed5@gmail.com

More Posts

شاركنا

7 تعليقات

  1. yamzago يقول:

    أستاذى الفاضل مع خالص احترامى وتقديرى لكلماتك ولكن دور الصحفى انتهى بمجرد انشغاله عن الصحافه بالاعلانات بالطبع تعى ماذا اقصد

  2. سحر يقول:

    اعطني حريتي اطلق يدي… ماينقص صحافتنا
    الاهم ياصحفين بطلوا نفاق

  3. Othman يقول:

    للامانة كلام قوي وحلول رائعة ايضاً
    والشكر موصول لمحمد بازيد لإبداعاته في برنامجه التاسعة الا ربع ،،

  4. محمد يقول:

    الان هدف الصحفي هو الحشو الاعلامي على حساب استمراره في الصحيفة وهدف الصحيفة الاساسي هو المردود المادي من الإعلانات ، إذا ضاعت النية السليمة فسد الأمر كله

  5. Khaled Alateeq يقول:

    أيضا لا تنسى فيلم All the President’s Men

    والذي كان يحكي قصة التحقيق الصحفي عن فضيحة “الوتر قيت” والذي كلف الرئيس الأمريكي نيكسون بعد هذا التحقيق كرسي الرئاسة وجعلة يتنحى من أجل ذلك

  6. من العالم الاخر يقول:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    تحية عطزة…..من بعد البسملة العظيمة

    استاذنا الفاضل الصحفي السعودي لديه كل ما يآهله لكونه صحفي ومحقق بارع وكن ينقصه شيئين اثنين هما:

    اعطيه حريته في النقد والرآي دون ان تلجمه لكي يكون حمال دون ات يعرف مايحمل سوى مايقول له احمل وارحل
    ولا تخليه في موضع ان لازم يجب موضوع ولا بيفصل من الوظيفة اللي بالفعل تكاد ان تكون مصدر رزقه فياتي اليوم الثاني ناسخ لك موضعه من النت …. ومع هذا …. ترى لقوال الصدق قلتوا مرتد وعلماني وقذف اولياء امره …..

    هذه المشكلات وبعالمنا مالها حل ،،،، الحل يآتي من العوالم الاخرى

  7. على الجرح .. ولا أزيد على كلامك غير أن الواجب أيضا التوعية في الوسط الإعلامي بأهمية هذا المجال في الصحافة وتفعيله بما نملك .. لم يجرب أحد أن يرفع السقف حتى نعرف مدى إرتفاعه

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>