المجلة
الناشر :
التاريخ: : الثلاثاء, 29 نوفمبر, 2011
0
طباعة طباعة

درس عراقي في بناء مؤسسات غير ديمقراطية

فساد متأصّل

مع بدء عمليات انسحاب القوات الأميركية، تلفت مجموعة الأزمات الانتباه إلى وجود تحديات تحيط بشرعية الحكومة العراقية، ومشكلات فساد عاجلة وهيكلية يعاني منها الوضع السياسي. وربما ستنعكس الآثار السلبية لهذه التحديات في النهاية، على استقرار البلاد الذي بدأ في التحقق منذ عام 2008.
العراق الجديد ينخره الفساد

العراق الجديد ينخره الفساد

بعد عام 2008، ومع انحسار أعمال العنف، بدأ العراق في تعزيز قوته، غير انه طفت في الوقت نفسه مكامن الفساد، على السطح، وأصبحت أكثر وضوحا من ذي قبل، خاصة بعد أن وضعت منظمة الشفافية الدولية البلاد في نهاية تصنيفها لمؤشر الفساد الدولي (حيث جاء العراق في المرتبة 175 من بين 178 دولة عام 2010).
وكان لانتشار الفساد وتأصله في هياكل الدولة العراقية، أن أسهم في تآكل حاد للخدمات العامة، ويحاول التقرير الصادر عن مجموعة الأزمات الدولية مواجهة قضايا الفساد مباشرة، ويبدو أنه في النهاية ظل حبيسا لإطاره المفاهيمي، وعاجزا عن إصدار توصيات تتجاوز مرحلة تشخيص المرض المستشري داخل الهياكل الحكومية للدولة العراقية.

وعلى مدى ستة أعوام من العنف الذي أعقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ظهرت بين كبار المسؤولين ثقافة الهروب من العقاب، في حين كان المحققون والمراجعون ومنفذو القانون، يعانون من العجز في ملاحقة قضايا الفساد. وفي محاولة مبكرة لمواجهة تلك المشكلات، وضعت سلطة الائتلاف الأميركية المؤقتة النظام الرقابي الحالي في عام 2004 من أجل الحد من الفساد.

ومع أن تقرير مجموعة الأزمات الدولية لا يلقي نظرة على الأوضاع السابقة على الغزو الأميركي عام 2003، فإنه يوضح العديد من أوجه القصور الهيكلية التي تشوب النظام الحالي، وقد طبقت سلطة الائتلاف عددا من الإصلاحات التي أثارت المشاكل منذ البداية، وحرمت المجلس الأعلى للمراجعة المالية – الذي كان المؤسسة العراقية الوحيدة من نوعها – من سلطاته وجعلته عاجزا عن الإشراف على عمليات الإنفاق الحكومي، وإحالة حالات الفساد المشتبه بها إلى المحكمة مباشرة. وبدلا من ذلك، تم تحويل هذه السلطة إلى هيئة النزاهة التي أنشئت عام 2004، ولم تستطع أن تعمل حتى اليوم بصورة مستقلة بسبب مشكلات تتعلق بالتعيينات، وتقييد دخولها إلى الإدارات الحكومية.

يعتمد عمل هيئة النزاهة على مفتشين عموميين، وهي مؤسسة أنشأتها سلطة الائتلاف، لديها مراقبون ماليون في جميع مؤسسات الدولة بما فيها الوزارات. ولكن يعاني الهيكل الإداري والقانوني لهيئة المفتشين العموميين من قصور شديد، وليس في وسع المؤسسة تقديم المساعدة إلى أي جهة.

كما أن مجلس النواب، الذي يفترض أن يكون أهم مؤسسة في الهيكل الرقابي العراقي الجديد، هو في واقع الأمر من أكثر المؤسسات عجزا على الإطلاق. وبذلك يستمر مسلسل تشكيل مؤسسات غير الفعالة في الهيكل الرقابي في العراق، وبدورها لا تستطيع هذه المؤسسات تحمل المسؤولية أمام النظام القضائي، الذي أظهر مدى ضعفه الشديد أمام الضغوط السياسية، على سبيل المثال، أعطت الأحكام التي أصدرها القضاء في عدد من القضايا ذات الأهمية الكبيرة حرية لحكومة المالكي في الحكم بما تشاء.

وفي ظل محاسبة مؤسسية ضعيفة، يُظهر التقرير أن مستويات الفساد لا نهاية لها تقريبا، ابتداء من قصور هيكلي وانتهاء بتأثيرات العلاقات الشخصية بين القضاء والسلطة التنفيذية. ذلك أن أصول الفساد تنشأ عن عوامل متعددة، مثل التدفق الهائل للأموال منذ عام 2003، والانفلات الأمني وانهيار نظام القضاء الجنائي مما أدى إلى سهولة الإفلات من العقاب، وصاحب كل ذلك عمليات اغتيال متواصلة استهدفت مسؤولي الدولة مما عرقل عمل الهيئات الرقابية، وأدى إلى ظهور فجوات في النظام القضائي والمؤسسي الذي أقيم ليلعب دورا في محاسبة الحكومة.

تعم آثار الفساد في المجتمع العراقي، وقد اختفت فيما يبدو مليارات الدولارات من الأموال العامة بسبب فجوات في الإنفاق الحكومي، في حين تستمر معدلات المحسوبية والرشاوى بالتزايد. وبالتالي، انخفضت مستويات الخدمات العامة، في قطاعات مهمة مثل الصحة والتعليم والكهرباء «بل وأصبحت أقل مقارنة بمعدلاتها في الماضي القريب في البلاد».

في الوقت ذاته، سيكون الانسحاب الأميركي الوشيك في نهاية عام 2011، اختبارا حقيقيا على قدرة قوات الأمن على حفظ النظام والقانون، والذي من الواضح أنه لا يطبق على أقوى أفراد المجتمع العراقي. ما يهدد بفقدان شرعية النخبة الحاكمة، وزيادة مخاطر التمرد عليها، في حين أصبحت مطالب الشعب أكثر وضوحا مع انتشار موجات العصيان في جميع أنحاء العالم العربي.

اندلعت مظاهرات تلقائية في فبراير (شباط) عام 2011 في السليمانية، ثاني أكبر مدينة في إقليم كردستان، والتقط قادة الشباب العراقي هذا التطور لينطلقوا في سلسلة مظاهرات عمت البلاد في 25 فبراير الذي أطلق عليه «يوم الغضب». وكان رد فعل المالكي أن طالب بإعطاء مهلة لمدة 100 يوم للحكومة من أجل تحسين توصيل الخدمات إلى الشعب والحد من الفساد.

وانتهت هذه المهلة في 7 يونيو (حزيران) دون إصدار أي تشريع ذي صلة أثناء المائة يوم، وواجهت مظاهرات تالية في بغداد، على الرغم من قلة أعدادها، قوات عنيفة موالية للحكومة، يتضح أنها تتصرف بناء على موافقة النظام. وفي الوقت الذي كان المالكي يحاول كسب الوقت كي تسمح أرباح النفط المتوقعة تحسين الخدمات العامة، انتشرت المعارضة في أرجاء النظام نفسه، حيث قدم رئيس هيئة النزاهة استقالته في 9 سبتمبر (أيلول). واستمرت المظاهرات، وبدت أعدادها في تزايد، حتى بلغت عدة آلاف في ميدان التحرير في بغداد في 9 سبتمبر.

من الواضح أن وقت الإصلاح الجوهري قد فات، مع أن تقرير مجموعة الأزمات يشير إلى أن الفرص لم تنعدم في هذا الشأن، حيث إن خبراء فنيين «برعوا في تقديم اقتراحات قابلة للتنفيذ» لم يتم تبني أي منها. ومن بين تلك الاقتراحات قانون يجبر الأحزاب السياسية على الإفصاح عن مصالحها المالية، وقواعد لتحسين أداء المؤسسة الرقابية، وقانون لحماية استقلال المحكمة العليا. وحتى يتحقق اتخاذ مثل تلك الإجراءات، ستستمر الحكومة في الافلات من المحاسبة، ولن يتم وضع حد للفساد.

وفي النهاية، يؤيد التقرير تعزيز إجراءات مكافحة الفساد القائمة، لا سيما من خلال إصلاح قضائي. ولكن، كما أوضح التقرير، لم تبد المؤسسة السياسية رغبتها في الموافقة على مثل هذا التشريع، بل من المرجح أن تعرقل الاتفاقات الشخصية بين فروع الحكومة تأثير مثل هذا التشريع.

ووفقا لما توصل إليه التقرير ذاته، لا يوجد سبب كاف للاقتناع بأن الحكومة ستؤيد أي تعديل بخلاف ما يسمح لها بتقوية نفوذها. وتتطرق الجملة الختامية في التقرير، التي تذكر أن الإصلاح الضروري يتطلب «وحدة الرؤية وحسن النية، وهي الخصائص المفقودة اليوم».

وفي الختام شدد التقرير على أنه يجب على الحكومة العراقية حماية شعبها من الحكومة نفسها، لذا ستبقى المطالب بحل مشاكل يبدو أن النظام راغب في بقائها، مجرد محاولة متفائلة على أفضل وجه، وغير مفيدة في أسوأ تقدير.

المجلة

المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

More Posts - Website - Twitter - Facebook

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>