حديث في أسرار صناعة التقاليد

خطاب اليزابيت الثانية ملكة بريطانيا في عيد الميلاد أصبح تقليدا على الرغم من أنه لم يبدأ إلا في سنة 1932
حين يحتفل الاسكتلنديون معاً بهويتهم القديمة، فإنهم يحتفلون بطرائق تقليدية متجذرة، فالرجال يرتدون مايسمى: الكلتية “Kilt” ـ ملابس تقليدية للرجال في المناطق المرتفعة باسكتلندا، وهي تَنُّورة تصل إلى الركبة، بكسرات من الخلف فقط دون الأمام. ـ ، وكل جماعة لهم نوع خاص من القماش، ويرافق احتفالهم عزف للمزامير ذات القرب، يحيون من خلال هذه الرموز طقوسهم القديمة، تلك الطقوس التي تعود أصولها إلى زمن سحيق.
ولكن الحقيقة ليست كذلك كما يقول عالم الاجتماع البريطاني أنطوني جدينز الذي يؤكد أن أصول هذه الطقوس ليست بهذا القدم كما يتوقع، وأن هذه الرموز ومعها الرموز الأخرى للاسكتلنديين هي إبداعات حديثة تماماً، إذ يبدو أن صانعاً إنجليزياً من مدينة لانكاشاير اخترع الكلتية القصيرة في بدايات القرن الثامن عشر، حيث كانت فكرته محاولة إيجاد لباس ملائم للعمال قاطني الهضاب الاسكتلندية.
لقد كان هذا الزي الذي يمثل القومية الاسكتلندية الآن نتاجاً للثورة الصناعية، فلم يكن الغرض منه الحفاظ على الأعراف المتوارثة عبر الزمن، بقدر ماكنت الفكرة اجتذاب قاطني الهضاب من المزارع إلى المصانع، في حين كان الغالبية الساحقة من سكان اسكتلندا الذين يسكنون في الأراضي المنخفضة ينظرون بشيء من الاحتقار إلى لباس سكان الهضاب، الذي يمثل الآن الزي القومي الاسكتلندي.
هذا يؤكد أن الكثير مما نظنه تقاليد وعادات غائرة في الزمن، تناقلتها الأجيال، ونقوم بالتمسك بها واحترامها، وتقديسها من أجل آبائنا وأجدادنا ربما أنها ليست بهذا القدم الذي نتوقعه، وربما كانت من محدثات القرن الماضي، وربما كانت فقط قبل ولادتنا بقليل، قدرنا أننا سمعنا، وتلقينا أنباءها مشافهة، ولم نشاهد صناعة هذا التقليد أمامنا.
كتب المؤرخان إريك هوبزباون، وتيرنس رانغر كتاباً متخصصاً في رصد الأمثلة على التقاليد المصنوعة والحديثة في أقطار العالم المختلفة، تحت عنوان: “ابتكار التقليد” “The Invention of Tradition” حيث يرى المؤرخان أن هناك عادات وتقاليد مخترعة، ويعاد تصنيعها، تستخدم كوسائل للسلطة بأشكالها الدينية/السياسية/العائلية كافة، هي لم توجد منذ زمن سحيق مهما كان يحاول حراسها إيهام الناس بذلك.
ويعلق أنطوني جدينز على فكرة الكتاب: “إن من الخرافة الاعتقاد بأن التقاليد محصنة ضد التغيير، فالتقاليد تتطور عبر الزمن، بل يمكن أن تتبدل أو تتحول فجأة بشكل تام، ولعلي أستطيع القول إنها تُخترع، ويعاد اختراعها… فخطاب عيد الميلاد الذي تلقيه الملكة، ويذاع كل عام في بريطانيا أصبح تقليداً، على الرغم من أن هذا التقليد بدأ في سنة 1932″.
إن ما تتميز به التقاليد ليس عمقها، وتجذرها عبر الزمن فحسب، وإنما أنها تخلق مناخاً للفعل يمكن أن يستمر من دون تفنيد، يستمر في إطار يحجم العقل، ويقمع أي أسئلة تريد أن تشكك في هذا التقليد، أو تتساءل حول جدواه، وحقيقته، فغالباً يكون للتقاليد حراسها، هؤلاء الحراس ليسوا بالضرورة الحكماء والعلماء، وإنما هم الذين حالفتهم الظروف ليمتلكوا “القدرة على تأويل الحقيقة الطقسية للتقليد”، كما يصف ذلك جدينز.
فهم وحدهم الذين يمكنهم فهم الرموز الخفية المتضمنة في الطقوس الجمعية، إلى درجة تشكل هذه التقاليد عند ممارسها نوعاً من أنواع الحقيقة، هو يرتكبها بشكل تلقائي متكرر، من دون أن يسأل نفسه عن البدائل، حتى لو كانت هذه التقاليد بحد ذاتها تمثل له مشكلة، أو عائقاً، أو مصدراً للإرهاق.
ستظل المجتمعات دوماً بحاجة إلى التقاليد، وربما بحاجة إلى اختراعها، وحمايتها، لما قد يوفره ذلك من حماية للهوية، وتنظيم لحياة الناس، لكنها في الأخير تبقى أدوات متجددة ومتغيرة، يُتوقع منها أن تساهم في خدمة أفراد المجتمع وتسهيل حياتهم، وليس في تعقيدها وتنغيصها.
إن رفض إثارة الأسئلة والمرجعات حول التقاليد بحجة احترام وتقديس قدمها عبر الزمن، حجة ضعيفة تسقط عند أول مراجعة تاريخية متحررة من سطوة حراس التقاليد.
وستكون مفاجأة كبيرة ونحن نتذمر من تشدد وتنطع بعض التقاليد، لنكتشف أن “الزمن القديم” الذي يُوصف بأنه وقت نشأة هذه التقاليد، كان زمناً أكثر تحرراً وتسامحاً وانفتاحاً من زماننا الحديث الذي حاصرنا فيه أنفسنا بعادات وتقاليد حديثة.
لا يتورع حراس التقاليد من سرقة وتزوير تاريخ آبائنا من أجل تعزيز سلطتهم، وضمان نفوذهم، وحتى ولو كان ذلك على حساب حاضرنا، وتقدمنا، ونجاحنا، وإذا أردت أن تحتج، أسكتوك و{قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}.























كان حليا بالمقال ان يشمل عادات او تقاليد مستحدثه قريبا او حديثا ولدي مثال عن اللبس في الشماغ الأحمر خاصة وكذلك العقال لم تكن دارجه ومع ذلك سوق لها لغرض غير مفهوم او مجدي وكذلك لبس المشالح الرجاليه في المناسبات و الألتزام بلبس العباءة النسائيه خارج المنزل وهي لم تكن ساريه لوقت ليس ببعيد و غيره