الشعب لا يعرف…
بلاتو كان من أكثر الفلاسفة عداء للمنهج الديمقراطي، حيث يرى فيه تهميشا للحكماء واعطاء قوة غير شرعية لرجل الشارع – الذي لا يفقه في السياسة.
بلاتو كان مؤمنا بأن السفينة يجب ان تقاد بربان واحد، وان السياسية لها رجالها المختلفين عن ذلك المواطن العادي المسكين – الذي لا يعرف حتى مصلحة نفسه.
وما اكثر أشباه بلاتو الموجودين حولنا في العالم العربي اليوم والذين يطربون لسماع هذه الكلمات “القرارات الحكيمة تتخذ في الغرف المغلقة”، “الشارع العربي سبب الفوضى”، “النخبة يجب ان تنتخب وتشرع وتحكم وتقاضي، والباقي يتفرج”.
لعقود طويلة في العالم العربي كان ما يسميه بلاتو “الفيلسوف الحاكم” يحكم البلاد، بالأيادي والنواجذ. كنا نقرأ ان “الأخ القائد”، و”الريّس” وغيرهما.. هم اهل الحكمة ورؤوسها. كان قرارهم السياسي لا يعلى عليه. وكان فخامته دوما يريد، والشعب لا يريد. كان فخامته يرسم خطط الدولة باحترافية، ويشرع بالحكمة، وكان الشعب دائما يقف عائقا امام تحقيق هذه الخطط. فما كان لفخامته الا ان قمعهم تارة وتارة اخرى – وما من فائدة.
في طبيعة الحال، الحاكم الذي يتفرد بجميع الصلاحيات في وجود قوانين طوارئ، وسلطات دينية تجبر الناس على سمعه وطاعته، واعراف اجتماعية تستعبد الشعب، هو حاكم لديه القدرة على أن يتخذ القرار السياسي الصحيح حتى لو اختلف معه معارضوه. ففي حال كان الرئيس يستطيع ان يشرع من دون ان يناقشه احد، وان ينفذ من دون ان يحاسبه احد، فانه بطبيعة الحال لديه القدرة بحكمته ان يصدر القوانين المثالية من دون مواجهة او تعديلات من رعيته او الخونة من معارضيه.
ومع تلك الصلاحيات غير المحدودة، فشل فخامة الرئيس في أن يطور بلده سياسيا او اقتصاديا او اجتماعيا. ففي دول أخرى من العالم، كان هناك اصحاب فخامة وجبروت، قمعوا شعوبهم وحكموها بديكتاتورية، ولكنهم نجحوا في تطويرها – عسكريا على الأقل. ولكن فخامة الرئيس العربي، فشل حتى في ذلك. هل من الممكن ان يكون الخلل في صاحب الفخامة وليس الشعب المتخلف؟
كما يذكر بلاتو، أن العملية الديمقراطية لن تأتي بالضرورة بالقرار السياسي الافضل. وللأسف، لن يحكم الناس الفيلسوف الحاكم ذو العقل والحكمة، بل سيحكمها العوام من الشارع الذين لا يفقهون مبادئ الاقتصاد والعلاقات الدولية.
لكن العملية الديمقراطية الصحيحة وحدها هي القادرة على الرجوع عن القرار الخاطئ وتصحيحه، توزيع المسؤوليات، ومحاسبة المسؤولين على قصورهم.
القرار السياسي ليس أولوية. الشعوب العربية لم تعد تتوقع قرارات سياسية عظيمة، او انجازات ستغير من معيشتهم، الشعوب تريد فقط ان تشارك في رسم القرار.
وإلى كل بلاتو في العالم العربي: القرار السياسي فشل في افضل حالاته، ولن ينجح في اي حالة اخرى. وبذلك، فالتركيز اولا يجب ان يكون على العملية السياسية قبل القرار. القرار ليس مهما، بل طريقة اتخاذه هي الاهم.
باختصار، العملية السياسية تعلو اليوم على القرار السياسي، وتعلو على صاحب الفخامة.























أنستطيع ضمان ان الديمقراطيه قادرة على الرجوع عن القرار الخاطء دومآ وقبل فوات الأوان ؟.