المجلة
الناشر :
التاريخ: : الخميس, 15 ديسمبر, 2011
0
طباعة طباعة

نهاية “سنوات العسل” بين الاتحاد الاسلامي وحكومة أربيل

أزمة في كردستان

في السوق التجارية الجديدة «تابلو»، يلعب أندام عمر البولينغ، ويلتقط صورا إلى جانب طاولة الهوكي المصغرة، ويأكل الفشار. وهو يحمل على غرار غيره من الشباب في العشرينيات، الوجه العصري لأربيل، العاصمة الحالية لكردستان العراق. إلا أن أندام أدرك حدود ذلك الوجه العصري قبل أيام، عندما جذبه رجال الشرطة من حزامه إلى داخل سيارة الشرطة نظرا لالتقاطه صورا لأحد الاحتجاجات.
مسعود البارزاني

مسعود البارزاني

عمر هو أحد أعضاء الاتحاد الإسلامي الكردستاني الذي يرأسه صلاح الدين محمد بهاء الدين، وهي منظمة خيرية لها جذور نظرية تشبه جذور جماعة الإخوان المسلمين وصلات مالية بالهلال الأحمر الإقليمي وعدة منظمات أخرى، فهي منظمة إصلاحية يمثل أعضاؤها المجتمع الكردستاني الأوسع، وتتمحور أهدافهم الأساسية حول «الحرية، والإخاء، والعدالة».
وتشهد كردستان تحولا دراميا سريعا يماثل سرعة تطورها الصناعي الذي يشبه ما يحدث في الخليج، فهي تتحول من كونها رمزا للاستقرار، والأمن، والتنمية في العراق إلى منطقة غير مستقرة تعج بالاحتجاجات الشعبية والعنف العشوائي.

الأشقاء الودودون

ويتمحور معظم ذلك النزاع المتصاعد حول الأشقاء الودودين، تحالف «الاتحاد الإسلامي الكردستاني» من المنظمات الاجتماعية الإسلامية. وبوجود خمسة أعضاء في البرلمان، يصبح الاتحاد الإسلامي الكردستاني لاعبا أساسيا. وينجذب مؤيدوه أساسا إلى البنية البديلة للسلطة التي تقدمها المنطقة حاليا، خاصة ما يتعلق منها بنبذ العنف. كما يفيد أيضا «الاتحاد الإسلامي الكردستاني» من العيادات الطبية التي يوفرها، ونوادي الشباب، كما أن لديه العديد من المنابر الإعلامية في كردستان.

إلا أن معظم الاحتجاجات الحديثة ـ التي وصفها المسؤولون الحكوميون بأنها «أعمال شغب» – ترتبط بديناميكيات النظام ثنائي الحزب للحكومة الإقليمية لكردستان. حيث يعد الحزب الديمقراطي الكردستاني هو الحزب الأقدم من الحزبين المهيمنين على المنطقة الكردستانية. حيث جاءت المنظمة التي أسسها مصطفى البارزاني رد فعل على النظم الاستبدادية في إيران والعراق، كما أنها انحازت إلى الجانب الوطني اليساري في الصراع وكانت تحظى بدعم الاتحاد السوفياتي السابق. وقد تم تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني في 1975 على يد أسرة كردية متمردة، هي أسرة طالباني التي كانت تؤيد القضايا الاشتراكية والتي تعرضت لاضطهاد قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني. وكان جلال طالباني، الرئيس الحالي للعراق، من الأعضاء المؤسسين للاتحاد الوطني الكردستاني.

في عام 1994، خاضت الأحزاب المتصارعة حربا مدنية شرسة، حتى ان مجرد ارتداء اللون الأصفر الخاص بالحزب الديمقراطي الكردستاني، أو الأخضر المميز للاتحاد الوطني الكردستاني كان يمكن أن يعرض مرتديه للخطر. وقد خفت حدة التوترات السياسية نسبيا، وأصبح كلا الحزبين يحكم إقليم كردستان من خلال الحكومة الإقليمية الكردستانية.
ومع ذلك، واجهت المنطقة صدعا جديدا في بداية العام الحالي، عندما قام فصيل تابع للاتحاد الوطني الكردستاني، يطلق عليه «غوران» بتحدي الهيمنة السياسية لكلا الحزبين، دافعا الناس إلى الشوارع في احتجاجات ضد احتكار الحزبين للسلطة.

مركز النزاع

وعلى الرغم من أن الاتحاد الإسلامي الكردستاني كان خطابه أقل تسييسا، فإنه يحظى بتأييد أوسع. كما تربطه علاقات طيبة بالمسيحيين واليزيديين، وينظر إليه بشكل عام كحزب أكثر شمولية للأديان. ومن ذلك المنطلق، فإنه قادر على تحدي كل من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الوطني. ومن جهة أخرى، فإنه كان في مركز النزاع في أعقاب ما أطلق عليه المسؤولون الحكوميون «خطبة نارية» تم إلقاؤها بعد صلاة الجمعة بأحد المساجد في زاخو في الثاني من ديسمبر/ كانون الأول.

صلاح الدين محمد بهاء الدين أمين عام الاتحاد الإسلامي الكردستاني

صلاح الدين محمد بهاء الدين أمين عام الاتحاد الإسلامي الكردستاني

ووفقا للروايات الحكومية، كان الملا إسماعيل عثمان يحث الشباب على الاحتجاج على تراخي الأخلاقيات العامة، ففي مدينة زاخو الشمالية، ومدينة دهوك، على مقربة من الحدود التركية، نزل الناس إلى الشوارع وحرقوا منتجعات التدليك ومتاجر الخمور. وعن ذلك قال مسعود البارزاني، رئيس حكومة كردستان الإقليمية، إن أفعال الإمام «كانت حثا مباشرا على العنف»، ولكنه أقر في الوقت ذاته بفشل قوات الأمن التابعة لحكومة كردستان في السيطرة على الأوضاع بعد ذلك.

ولكن من يعرفون إسماعيل عثمان يروون قصة مختلفة. فهم يصفونه بأنه الإمام الجليل للمسجد ويقولون إنه لم يحث أبدا خلال الخطبة على الاضطرابات المدنية أو العنف. بل ووفقا لصحيفة «حوالتي» الإقليمية، كان الملا عثمان خصما للاتحاد الإسلامي الكردستاني ومؤيدا للحزب الديمقراطي الكردستاني. مؤكدين أن الإمام أقر بحديث حول منتجع التدليك الذي يقع بالقرب من المسجد، نافيا أن يكون قد شجع الهجمات على المنتجع أو أي منطقة أخرى في المدينة.

وبغض النظر عما يمكن أن يكون تسبب في الاضطرابات، فسرعان ما خرجت الأحداث عن السيطرة، وتم شن هجمات على الاتحاد الإسلامي لكردستان واشتعلت زاخو وداهوك. ويظهر فيلم فيديو على موقع «يوتيوب» ما يبدو أنهم ضباط أمن تابعون للحزب الديمقراطي الكردستاني وهم يشعلون النيران في سجادة أو قطعة من الملابس قبل دخول أحد المباني. وبعد ذلك بلحظات، يظهر الدخان وهو يندلع من المبنى.

في أعقاب الحريق، كان أعضاء الاتحاد الإسلامي الكردستاني محاصرين. فقد تم إلقاء القبض على 50 فردا في زاخو وحدها، وتشير التقارير إلى أن الأعضاء المحتجزين للاتحاد الإسلامي الكردستاني قد تعرضوا للتعذيب. وقد تم إخلاء سراح 19 منهم منذ ذلك ولكن ما زال هناك 32 في السجون، وفقا للموقع الإلكترونيKURDIU، وهو أحد المنابر الإعلامية للاتحاد الإسلامي الكردستاني وأحد المواقع الإلكترونية الرئيسية للأخبار الكردية. وما زال أندام يتحلى بالشجاعة قائلا: «سوف نظل ندافع عن حقوق الناس بأسلوب سلمي ومدني، فتلك هي الطريقة التي نشأنا عليها وذلك ما نؤمن به»، وفقا لما قاله في حديث خاص مع «المجلة».

العقاب الفوري

ويتعرض الصحافيون وغيرهم ممن يغطون العنف لخطر العقاب الفوري، حيث يتعرضون لهجوم قوات الأمن وهم يغطون الأحداث وهو ما يسيء لحرية الصحافة في تلك المنطقة الديمقراطية المستقرة من العراق. فقد تعرض فريق «الجزيرة» للضرب، بالإضافة إلى إلقاء القبض على صحافيين من راديو «خابير» وتلفزيون «سبيدا»، وموقع KURDIU أثناء تغطيتهم للاحتجاجات.

وللأسف، فإن ذلك ليس جديدا بالنسبة للعراق، فهي قصة مكررة حول مركز النزاع الذي يشبه إلى حد ما بنى السلطة التي كانت موجودة في ظل صدام حسين. كما أنه يوازي الأحداث التي وقعت في 2005، عندما شهدت كردستان اضطرابات شبيهة أدت إلى مقتل أربعة من كبار الأعضاء في الاتحاد الإسلامي الكردستاني، بالإضافة إلى حرق عدة مبانٍ تخص الاتحاد. وقد أصدرت «صحافيون بلا حدود» بيانا ضد العنف الذي تتعرض له وسائل الإعلام في كردستان. ويقول أحمد ميرا، مدير مجلة «لفين» التي يقع مقرها بالسليمانية لصحيفة «كردستان تايمز»: «ما زال الموقف يثبت أن الأحزاب المهيمنة في كردستان متأثرة بثقافة العنف».

برلمان كردستان.. وبدأت الخلافات

برلمان كردستان.. وبدأت الخلافات

وقد اندلعت احتجاجات مشابهة في السليمانية في بداية العام الحالي، حيث نزل الناس إلى شوارع المدينة مطالبين بالإصلاح وهم يرفعون هتافات مؤيدة لحركة غوران، التي نشأت كرد فعل على احتكار الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني للسلطة. ومتأثرة بالاضطرابات التي اندلعت في الدول العربية ضد الطغاة مثل بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، حشدت غوران، فصيلا منشقا عن الاتحاد الوطني الكردستاني، المؤيدين المحبطين من النظام السياسي. وقد اندلعت الاحتجاجات بعنف، مما أسفر عن جرح العشرات ومقتل سبعة.

وتتردد إشاعات حاليا عن احتجاجات على وشك الاندلاع في أربيل في العطلة الأسبوعية المقبلة، خاصة بعد صلاة الجمعة والتي عادة ما كانت تصاحبها احتجاجات مماثلة في ميدان التحرير بالقاهرة وبكسرا في تونس ودرعا في سوريا. وكان الحزب الديمقراطي الكردستاني أكثر حضورا في الشوارع خلال الأيام القليلة الماضية ويتحرك في مواكب. هناك فقط حالة ترقب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الإسلامي الكردستاني، رغم أن ذلك الترقب كان إلى حد كبير لصالح الحزب الديمقراطي الكردستاني .
في الأيام الأخيرة، كانت الصور الشخصية على «فيس بوك» صورا تظهر شبابا أمام جبال العراق الجميلة أو في المحال التجارية البراقة – يتم استبدالها واحدة تلو الأخرى بالشعار الخاص بالاتحاد الإسلامي الكردستاني. وفيما ما زالت المراكز التجارية تعمل، وما زال الناس يتسوقون ويتناولون طعامهم بالخارج في العطلات الأسبوعية، هناك شخص واحد غائب عن مراكز التسوق وطاولة الهوكي، إنه أندام والعديد من أقرانه.

المجلة

المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

More Posts - Website - Twitter - Facebook

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>


− 6 = 0