ربعي المدهون
التاريخ: : الثلاثاء, 20 ديسمبر, 2011
0
طباعة طباعة

أي فردوس داخل حدود دولة شمولية؟

الجنة الرمادية

بعد أكثر من تسع سنوات على صدورها في طهران، اختارت "جداول للنشر والتوزيع" في بيروت، اهداء قارئها العربي، رواية الكاتب والسياسي الإيراني، المقيم في بريطانيا، الدكتور عطاء الله مهاجراني الأولى، "الجنة الرمادية" (274 صفحة من القطع المتوسط/ نوفمبر 2011)، ولم يقع خيارها على أي من روايتيه الثانية "قتلة سهراب" والثالثة، الأخيرة "ثلج".
ايران.. فردوس بلا ملائكة

ايران.. فردوس بلا ملائكة

وعلى الرغم من نفي مدير عام “جداول”، عماد عبدالحميد، اي رابط بين ترجمة هذا العمل والظروف السائدة في المنطقة، إلا أن مضمون الرواية، يعزز أهمية تعريبها (نقلها إلى العربية مهدي فرطوسي) ونشرها. فالرواية نموذج لأدب إيراني هو وليد التجربة السياسية الايرانية نفسها، ويعكس في إطار فني، الصراع الداخلي على السلطة بين رجال الدين في “الجمهورية الاسلامية”، في مراحل سبقت كتابة الرواية، وأخرى نكتشف استمرارها في ثنايا هذا النص المهم. وفي البحث عن مصادر الرواية في الحياة السياسية الإيرانية ومسيرة المؤلف نفسه، نتوقف عند المرحلة التي تلت العام 1997.

ففي العام نفسه، انتخب السيد محمد خاتمي لرئاسة الجمهورية في إيران، وتولى د.مهاجراني وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي، وكان الناطق الرسمي باسم الحكومة التي اعتبرت “حكومة إصلاح”.

وفي هذه المرحلة، تحديدا، تضاعفت، أنشطة مهاجراني ومبادراته الثقافية المنفتحة، وطروحاته في السياسة، كما في الشريعة الاسلامية، وتعرض هذا السياسي والمفكر الشاب، المندفع بمفاهيم مغايرة للسائد، الى ضغوط قاسية انتهت بـ”الولد العاق للثورة (الذي) انحرف عن الصراط المستقيم”، الى الاستقالة.

“الجنة الرمادية”، كعمل ابداعي، سياسي فكري ديني جدلي في جوهره، محمول فنيا، على “ثيمة” الدين، المعتقد، الخطيئة والصواب، ويتزامن نشره، (نوفمبر/ تشرين الثاني) الماضي، مع جدل آخر يقع خارجه، يصاحب “الربيع العربي”، الذي بدأ “يزهر” أحزابا وتيارات اسلامية، منها المعتدل، ومنها المتشدد والمنغلق. وفي مناخات كهذه، تتسلم فيها هذه الأحزاب، السلطة في غير بلد عربي، يتولد جدل لا تبتعد “ثيمته” الرئيسية عن ما قامت عليه الرواية. وتُبنى سرديات جديدة، تتقدم باسم الاسلام، وخطابات تقترب أو تبتعد من خطاب بطل الرواية، “جنت ساز” (صانع الجنة)، الموجَّه إلى أتباعه، كما يعبر عنه في بداية النص، حين يقول بعينين تسقطان دمعا مالحا على طرف لسانه: “سأوفر لحياة الانسان المعنوية ظروفا فردوسية، ظروفا لا ترتكب فيها المعاصي..”. “الجنة الرمادية” تختبر ذلك كله.

الدين والمعتقد

بعد جدل مع مستشاريه، حول تعريف الذنب والمعصية والبراءة، وما اذا كانت مفاهيم ذاتية أم موضوعية، وتعريف الجنة والتعرف على سمات المجتمع الفردوسي، وتعريف جهنم والتعرف على خصائص المجتمع الجهنمي، يتوصل “جنت ساز” الى ان السبب الرئيسي في الاحساس بالذنب والشك، نابع من تداول الناس السؤال. ويرى ان لا مكان للسؤال في مجتمع فردوسي. و”ينبغي أن لا تخطر في أذهان الذين يقطنون (هذا المجتمع) الشكوك والأسئلة. عليهم تقديس السلطة فكلام السلطة هو كلام الله، ولا ينبغي لأحد أن يشكك او يتساءل امام كلام الله.” (ص 24 و25)
يطمح “جنت ساز”، أو يدعي الطموح، إلى إقامة مجتمع فردوسي على الأرض. ليس خاليا من المعاصي وحسب، بل تخلو فيه العقول منها أيضا. لتنفيذ طموحه، يلجأ “جنت ساز” (هل نضع آية الله قبل اسمه؟) إلى مستشاريه الثمانية عشر، الذين نتعرف من بينهم، على فيلسوفي، وخطيبي، وفائزي، وعسكري، وواعظي، وآخرين. يبلغهم “جنت ساز” توجهاته، ويراقبهم القارئ، يهزون رؤوسهم مثل تنابلة السلطان، يرددون خلفه عباراته بإعجاب.

عطاء الله مهاجراني

عطاء الله مهاجراني

تبدأ الخطوة الاولى في مشروع بطل الرواية، بنزع السؤال من أدمغة الناس، وجعلهم يكفون عن طرحه فيما بينهم وعلى السلطة ومؤسساتها. وبناء عليه، يتقرر شطب السؤال من المؤسسات الثقافية. ويجرى الاتفاق على تصميم ملصق خاص يحمل علامة السؤال (؟) مشطوبة بلون أحمر، تلصق آلاف منه على واجهات البيوت ومداخل البنايات والمؤسسات. ومن يخالف ذلك أو يعترض عليه، يواجه عقابا شديدا. يستخدم “صانع الجنة” كل اسباب القوة ضد معارضيه، ويلجأ إلى تقليص الحريات، ويمارس الاعتقال والتعذيب والاذلال. فهو يعتقد إن بلوغ الهدف يتطلب مرحلة انتقالية، يمر المجتمع خلالها، بجهنم قبل بلوغه الفردوس المنشود.

تحريم السؤال

يتابع “جنت ساز” شرح آلية تنفيذ استراتيجيته، فيقرر، بعد تحريم السؤال، العمل على إقامة مجتمع شفاف. يتطلّب هذا، هدم جدران واسقف البنايات وإعادة بنائها بجدران من الزجاج، تمكن مراقبي الحكومة من وضع الناس وتحركاتهم تحت أنظارهم بصورة مباشرة. وفي خطوة ثالثة تستكمل آليات العمل، يقترح وضع ميكروفونات في آذان الناس، على شكل أقراط، تمكن المراقبين، من الاستماع إلى جميع حوارات المواطنين الخاصة ونقاشاتهم، داخل بيوتهم، في المؤسسات، وربما في الشوارع أيضا. ويتم اختيار “مجمع مريم” السكني في المدينة، للبدء به ليكون نموذجا للبيت الزجاجي الذي يحقق “الشفافية” المطلوبة، قبل الانتقال الى الأماكن الأخرى.

تثير هذه الاجراءات ردود فعل متوقعة، ويترتب عليها نوع من المعارضة والرفض. إذ تفيد التقارير بأن الملصق الذي وضع على مدخل “مجمع مريم” أزيل. يجري اعتقال جميع سكان المجمع، صغارا وكبارا، نساء ورجالا بينهم مثقفون روحيون وأدباء نقاد، أبرزهم الفيلسوف البروفيسور اشرفي، وهو مترجم ومدرس للفلسفة، والموسيقي عازف الكمان والممثل خيام، والسيد صيني فروش، بائع الأقمشة، وسلامتي الذي “يتوقف ذهنه عدة مرّات في اليوم”، وشاب رسام من أنصار الحداثة، ورجل الدين السيد نوراني، استاذ المعارف الاسلامية في الجامعة، بالاضافة إلى أحد المعوقين، والحاجب درياني الذي يقيم في قبو البناء. يؤخذ الجميع الى غرف انفرادية في سجن خاص. وخلال التحقيق معهم، يجبر بعضهم على الكذب، وكيل اتهامات بحق آخرين، والاعتراف على جيرانه بما لم يرتكبوه، وحتى الاعتراف على نفسه. بين المعتقلين هؤلاء، شقائق، الممرضة الشابة، ابنة البروفيسور اشرفي، التي تتهم بالفجور، وتموت تحت التعذيب.

ايران قبل جنة الثورة

ايران قبل جنة الثورة

ثلاثة مستويات

تنقسم الرواية الى سبعة أبواب، تضم 34 فصلا، أفضل أن أعيد “تفكيك” بنيتها، وتقسيمها الى ثلاثة أقسام، وفقا لتطور السرد فيها:
القسم الأول: يتخذ فيه النص شكل حوارات ثنائية وجماعية، بلغة مباشرة تخلو من سرد حكائي. وربما يتماشى هذا مع حال الجدل الفكري والديني، الذي تقوم عليه الحوارات ويناسبه. لكن ما يؤخذ عليه، هو تدعيم النص باقتباسات من خارجه، دينية وتراثية وأشعار، تماثله معنى ومضمونا ولا تضيف إليه أو تسنده. وقد تعلو فيه نبرة خطابية أحيانا، هي من طبيعة هذا النوع من الجدل، وربما من سمات المتحاورين أو المتجادلين أنفسهم. يستغرق هذا القسم كلا من الباب الأول والثاني، قرابة 70 صفحة.

القسم الثاني: ويشمل البابين الثالث والرابع (74 صفحة)، وأعتبره قلب الرواية. وفيه يتخلى الكاتب، نسبيا، عن اسلوبه السابق، من دون أن يقاطعه. ويرتدي السرد ثوب الحكاية، التي تنقلنا إلى قلب التفاعلات الدرامية، بين “مجتمع الدولة” الذي يقوده “جنت ساز” وأتباعه، و”المجتمع الآخر” الذي يشمل كل الناس العاديين، فيفسح لنا النص في المجال، لتتبع مصائر البشر الذين تم نقلهم من “مجمع مريم” الى السجن. ولعل هذا القسم، هو المرحلة الانتقالية في مسار بناء مجتمع فردوسي. فهو جسر نعبره من القسم الأول إلى الأخير، من ناحية الشكل، لكنه من حيث المضمون، جهنم التي تقع في قلب استراتيجية “جنت ساز”، والتي لا بد من عبورها من أجل تحقيق الهدف. في هذا القسم يتابع الكاتب حيثيات التحقيق مع سكان “مجمع مريم”، والأساليب القمعية التي تمارس ضدهم، والتي تعمل بقسوة على تدمير انسانيتهم. ويعرض لنا مهاجراني، مأساتهم بشكل مبسط، ويعكس لنا، بالمقابل، أشكالا من صمودهم.

في هذا القسم أيضا، ينفتح السرد على شخصيات أخرى. تتراجع ملامح “جنت ساز” نسبيا، وتتقدم شخصيات أخرى: (أشرفي، نوراني، خيام). تغادر أدوارها الثانية، وتقتطع لنفسها قدرا من البطولة على حساب “جنت ساز”. الأهم من هذا، رغم دلالة هذا التحول في بناء الشخصيات، برأيي، هو انفتاح النص على أجمل الحكايات وأكثرها تراجيدية، حكاية شقائق، ابنة أشرفي. حكاية شابة بريئة نقية صافية مثل مياه عذبة، تعطي للعديد من مشاهد هذا القسم وما يليه، نكهتها. فهي تأتينا في ومضات تضيء العديد من المشاهد الضعيفة أو “المُتْعَبة”. شقائق هذه، “أصيبت بنوبة قلبية وماتت” في السجن، كما يقول محقق، بينما يخبرنا مدير السجن، بأنها “أخذت تضرب برأسها على الجدار، حتى انكسرت جمجمتها من الخلف من شدة الضربات، وشوهت وجهها بأظافر يديها حتى ملأ الدم كل وجهها”.

بعد الثورة.. عين الولي الفقيه في كل مكان

بعد الثورة.. عين الولي الفقيه في كل مكان

القسم الثالث: وهو الأخير، وفيه يقترب مشروع “جنت ساز” من الفشل، حين يتمرد الناس على قرارته وأوامره، ويعودون إلى طرح الأسئلة بصيغ جديدة، إلى أن ينتهي الدكتاتور وحيدا معزولا وقد تخلى عنه حتى أتباعه. فيما تقول لنا الرواية، إن الشفافية الحقيقية ليست تلك الجدران الزجاجية التي سعى إليها “صانع الجنة”، “فالانسان يصل إلى الشفافية والخلوص في خلوته مع نفسه وبملء إرادته. الانسان هو الذي يختار صفاء الروح، تلك الشفافية الحقيقية. لا يستطيع أحد أن يتسرب إلى قلب الانسان ليجعله شفافا” (ص 253 و 254).

معضلة متأصلة

يتخلل نص “الجنة الرمادية” أخطاء كثيرة وتشبيهات غريبة، تعود، في أغلبها، إلى الترجمة، وإلى تحرير المادة. وهذه معضلة عربية متأصلة، حيث تختفي من غالبية دور النشر، مهمة، وحتى وظيفة المحرر، التي لا يمكن لنص بأي من اللغات الأوروبية مثلا، أن يتجاوزه، ويأخذ طريقه إلى المطبعة على عاتقه وعاتق مؤلفه او مترجمه. وأعتبره الجزء الأهم في صناعة الكتاب. ففي “الجنة الرمادية” من الظلم أن نقرأ عبارات من نمط، “علينا تحرير محل النزاع” (ص27)، أو “أنا لست طواعية” (ص114) وربما كان المقصود مطواعة. و”ملأت المرورة فمه” (ص119). ومن يسأل: “كيف وجدت بيتي” بدلا من “كيف عثرت على بيتي” (168). و”إنكِ كالكورنيش من يسمعك يظنك عذراء” (ص182). أتمنى أن يتم تجاوز هذه الأخطاء في طبعة ثانية، لا أشك في انجازها قريبا.

“الجنة الرمادية”، رواية تنقل لنا ملامح صراع ايديولوجي فكري، عبر سرد يمتزج فيه الرمزي بالواقعي بالمتخيل، بأسلوب بسيط، يؤخذ عليه التبسيط أحيانا. وتقدم لنا شخصيات ذات بعد واحد. وتنبني على حوارات يتشابه ايقاعه أحيانا. صراع يجري في “دولة دينية” ولكن على أرضيتها. لكن هذا لا ينسنا، أن الكاتب نجح بقوة في رصد سلبيات انغلاق هذه الدولة ومخاطر نهج قيادتها.

في النهاية، “الجنة الرمادية”، رواية تفضح مشروعا وهميا، لجنة تقيمها على الأرض، دولة شمولية في أي بقعة كانت من العالم، يعيش مواطنوها، جهنم الفقر والقمع والعزلة والانغلاق.

ربعي المدهون

ربعي المدهون

ربعي المدهون

صحافي وروائي يعمل في جريدة (الشرق الأوسط)

More Posts

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>