الصلصة السياسية..
في عام 1980، اكتشف هاورد موسكويتس اكتشافا مهما: واحد من كل ثلاثة اشخاص في امريكا يفضل صلصة السباغيتي الغنية على الصلصة الخفيفة. كان اكتشافا غير عادي بكل المقاييس، قاد شركة بريغو لتبني مشروع الصلصات الغنية واكتساح سوق صلصة السباغيتي في الولايات المتحدة الامريكية، محققة بذلك ارباحا قياسية تجاوزت 650 مليون دولار في 10 سنوات.
المهم في هذا الاكتشاف ليس كون الامريكي يفضل صلصة على اخرى، وانما ان الامريكي عاش لعقود طويلة يأكل الصلصة التي لا يفضلها. قبل موسكويتس، تعلّم الامريكي أن الصلصة الجيدة، او الصلصة الصحيحة، هي الصلصة الخفيفة – لأن “الطليان ياكلونها كذا”.
وهكذا، نجحت الصلصة الخفيفة في السوق الامريكي، لكنها بالفعل لم تمثل الرغبة الحقيقية لكثير من الناس. وعند ظهور الصلصة الغنية، المختلفة تماما عما سبقها، تبين ان الامريكان كانوا “يتغصّبون” الصلصة الخفيفة لعقود مجاملة وتقليدا للايطاليين – لانهم اعلم في الطبخ.
وبعدها وجد الامريكي ضالته في الصلصة الغنية للسباغيتي التي اصبحت تنافس وتستخدم في جميع انحاء العالم.
مثلما اجبر الامريكي نفسه على صلصة لا يحبها لانها المفروض تكون “كذا”، اليوم في العالم العربي يعاني المواطن من اجباره على الرضوخ لاحزاب سياسية لانها “كذا” ولا يوجد غيرها.
التوجهات والاحزاب السياسية في العالم العربي مستوردة عبر الزمان والمكان. فما بين احزاب مستوردة من قارّات اخرى – لا تشبهنا، وتيارات مستوردة من القرون الوسطى – حياتهم تختلف عنا، يجد المواطن العربي نفسه تائها في جملة من التوجهات التي لا يستسيغها.
ومثل ما قيل للامريكي – الذي لا يعرف اصول الطبخ، قيل للعربي – الذي لا يفهم بالسياسة: هي “كذا”! ورضخ لذلك من دون قناعة.
سمعنا كثيرا بأن الاخوان المسلمين هم الحزب المنقذ الذي سيطبق الشريعة الاسلامية الصحيحة وينقذ الامة الاسلامية من سباتها. وتعلمنا بأن الاحزاب الاخرى التي يقودها التكنوقراط، المتعلمون، الذين يعرفون كيف يربطون “ربطة العنق”، هم “اكشخ” من غيرهم، وبذلك فهم يعرفون مصلحة الشعب. تعلم العربي ان يرضى بهذه الخيارات من دون قناعة، لان السياسة “كذا” والخروج عن المتعارف “عيب”.
الربيع العربي يجب ان يكون بعيدا عن استيراد التيارات السياسية من الدول الاخرى. والاخطر، استيراد المناهج الفكرية من قرون سبقت – مناهج نجح تطبيقها ممن سبقنا، ولن تنجح بالضرورة اليوم.
اليوم هو وقت ظهور تيارات اصيلة وعصرية، لا تتبع املاءات من ازمنة مضت ولا تقلد اخرين في اماكن اخرى.
صلصة السباغيتي الخفيفة طفش منها الناس، ولم يحبونها من الاساس، واكلوها لسنوات على مضض، ولو بيدهم لن يصنعوها مرة اخرى.
الصلصة الغنية، التي قيل للناس انها “ما تصلح”، وليست راقية، وتختلف عن “اعراف” الطبخ العالمية، هي الصلصة التي وصلت الى قلوب الناس – وكذلك السياسي. الصورة المستوردة والمجبورة على العالم العربي عما يجب ان يكون عليه السياسي، غير مقنعة ويجب ان تتغير – حتى لو كان ذلك “عيبا” وليس صحيحا.























كشاب ، بصراحة أنا لا اجد نفسي اقرأ اي شيء له علاقة بالسياسة ، لكن جداً أنبهرت بهذا المقال و تشبيهاتك كال ‘صلصة’ و استعمالك للإحصائية تلفت و و مقارناتك تثير اهتمام القارئ و حكمة فهمتها من مقالك : التجديد اهم شي و ان ‘الحياة لا تلذ لها العيش في منازل الأمس ‘ ما شاء الله ، بالتوفيق