قينان وجيل تويتر
غضب رئيس تحرير جريدة الشرق قينان الغامدي من تدوينتي “صحيفة الشرق.. التويتريون لا يصنعون صحافة” وكتب ردا ناقماً بعنوان “شكرا لكل المهنئين والمنتقدين: وأجيبوا يا جيل تويتر”.
كملاحظ تعجبيني جدا الردود والجدل والنقاش المحتدم لأنها جميعا تبعث الحياة والروح في الصحافة التي تعتبر مجالا لتداول الأفكار لذا من الطبيعي أن تتصادم هذه الأفكار وتتناطح.
وقينان كتب بأسلوب ساخر لم يرق لي بصراحة لأنه في اعتقادي خلا من السخرية الرفيعة التي تتعرض للأفكار وتدحضها ولكنه وجّه سخريته الممزوجة بالغضب إلى دوافع المدوّن وأسلوبه وأهدافه المضمرة.
صدقوني أعزائي القراء سأكون أسعد الناس لو أن الصحفي الخبير سخر من “الملاحظ الصحفي” بأسلوب يبتعد عن الاتهامات المجانية. طبعا هذه الراحة تنبع من كوني مراقبا من بعيد ولست منافسا أو ندا بأي حال من الأحوال.
لكن لأحاول أن أصفي النيات قليلا هنا، في هذه التدوينة أحاول دائما أن اتناول فقط الجوانب المهنية، الجيد منها والسيئ. ومن تابع التدوينات السابقة ربما يدرك أن دافعي الأول هو حب الصحافة والصحافيين، وبسبب هذا الدافع تحديدا أكتب عن الاخطاء والانحرافات التي أرى أنها تحدث ولا يشير إليها أحد أو لم ينتبه لها أحد. وكذلك أكتب عن الجوانب الايجابية والتجارب الناجحة.
لأمضي الآن إلى النقطة الثانية، المزعجة فعلا، وهي أن الاستاذ قينان لم يناقش الفكرة الرئيسة التي تناولتها التدوينة وهي أن جريدة “الشرق” سجلت حضورا باهتا، على عكس التوقعات، ويبدو أنها لا تسير في الطريق الصحيح الذي يقودها إلى النجاح والمنافسة.
سبب هذا التخبط أن الجريدة تقاد بعقلية “تويترية” جديدة وليس بعقلية “صحفية ” خبيرة. لقد شرحت ذلك بوضوح في التدوينة ولكن قينان لم يرد على هذه النقطة وانما اكتفى بترديد الأسلوب الشعاراتي من جنس “بعث جيل الورقة والقلم من قبور اليأس” كما قال.. وكذلك طلب من “جيل التويتر” أن يرد بنفسه على مثل هذا النقد وبالطبع جاءت الردود كما أرادها قينان – وكاستجابة متوقعة لفحوى رده الغاضب وليس المحلل – تتحدث عن “الأحقاد” و”الحسد”و “أعداء النجاح والتقدم”.
لكل هذا لدي بعض التعليقات البسيطة.
أولا، من الصحيح القول إن الثبات والجمود هما من أكبر أعداء التفوق ولكن ذلك فقط يصح إذا كنا نقصد أن ننجز جديدا يتسم بالمتانة وخاضعا لمعايير جودة حقيقية. أنا ضد الجمود والانغلاق في وضع صحفي ثابت ولكن اجتراح الجديد ليس سهلا ولكنه عمل صعب جدا. يعني بإمكان أي أحد أن يسخر من مجلة التايم الأمريكية ويصفها بالقديمة المتحجرة ولكن كلامه لا معنى له إذا لم يقدم بديلا حقيقيا تتضح فيه الجدة والاحترافية. أما الحديث العام والشعاراتي عن موت القديم فإنه سيعنى في أحسن الأحوال قفزا ومراهقة وليس ابتكارا ونضجا.
ثانيا، الحديث بهذا النبرة الشعاراتية تخدع الشباب وتصيبهم بالغرور فيعتقدون أنهم لا يحتاجون للتجارب السابقة التي يحتقرونها وإنما فقط لكونهم شبابا فإنهم قادرون على صناعة شيء مميز وجديد.
هذا غير صحيح لأن المسألة بحاجة – في الصحافة وغيرها – إلى مران وتدريب طويلين.
هذه النغمة واضحة في ردّ قينان ونتائجها كانت سريعة جدا. فبوحي من هذه الشعار كتب كاتب شاب اسمه صالح زمانان في الشرق ردا بعنوان “بلى.. نحن جيل تويتر”. لأن الكاتب اعتمد فقط على شبابه فقد جاء مقاله متواضعا.
ثالثا، طلب قينان من التويتريين الرد على هذه الإهانة. الحقيقة أنا لا أرى أي وجاهة في هذا الطلب إلا طبعا طلب مزيد من الشعبية والمناصرين. أنا نفسي تويتري وأرى أن فضاء التويتر يختلف عن فضاء الصحافة ومن الخطأ الخلط بينهما وتوقع نتائج ايجابية.
التويتريون مغرّدون مثيرون وصاخبون، لكن هذا شيء، وأن تعمل في الصحافة وتلتزم بقواعدها وضوابطها فشيء آخر.
خطأ قينان ليس في رده ولكن في معالجته والترويج لأفكار تغرّ الشباب ولا تنفع جريدته وهي في الختام تضر بنا نحن كمتلقين نطمح أن تنعشنا “الشرق” بالجديد الحقيقي.
أخيرا، ما أكتبه هنا لا يعدو عن كونه تدوينات أكتبها من قلب محب ولا تحتاج المسألة إلى كل هذا الزعل. لو رأيت الموضوع، يا استاذ قينان، من زاوية أكثر واقعية لاكتشفت بأنه لا أنا “دان راذر” ولا الشرق “النيويورك تايمز”.

















تابعنا