عبدالله الرشيد
التاريخ: : الأربعاء, 11 يناير, 2012
2
طباعة طباعة

سنة 2012.. إننا نفقد سيطرتنا على العالم

عام مضى وعام أقبل.. فماذا تخفي الأيام؟

عام مضى وعام أقبل.. فماذا تخفي الأيام؟

“إن العالم على عجل وإنه ليقترب من نهايته”.. هكذا تكلم رئيس الأساقفة وولفستان في خطبة ألقاها في مدينة يورك عام 1014م!. هنا يتبادر لأذهاننا فوراً الرد التراثي التقليدي: “ماذا لو رأى زماننا”!.
هل يعني هذا أن مخاوفنا وقلقنا وآمالنا من كل حقبة تاريخية هي نسخة من الآمال والمخاوف الموجودة مسبقاً؟ دائماً ما نسمع على رأس كل سنة أو عقد من الزمان حديثاً متكرراً: (إننا نعيش في مرحلة انتقالية.. هذه السنوات تختلف تماماً عما قبلها.. نحن أمام منعطف تاريخي حقيقي!).. هل أصبح تاريخنا عبارة عن منعطف طويل لا ينتهي!

لا نزال نتذكر تلك الانعطافة الدعائية المثيرة التي نشطت قبيل سنة 2000 محفوفة بكل الحكايات والأساطير والتنبؤات التي ستحدث في عالم الألفية الجديد، لكن مع ذلك دخلت تلك السنة المميزة برقمها المثير ككل السنوات السابقة، فلم يُنثر رماد البقرة الحمراء في شوارع بيت لحم، ولم يخسر الغرب 276 مليار دولار من أجل تعديل أرقام التواريخ في الأنظمة الحاسوبية كما كان يقول مؤلف كتاب (حمى سنة 2000) الذي يمثل واحدة من صور التوظيف الدعائي والتجاري لدراسة التاريخ من دون البحث في الأسئلة الحقيقة التي من المفترض أن تحلل الواقع لكي تتنبأ بحركة المستقبل، وتستطيع حينها أن تصنع التاريخ.

الآن وقد ودعنا سنة صاخبة في العالم العربي تغيرت فيها المعادلة السياسية، وسقط رؤساء مكثوا في الحكم دهراً، ولكن مع ذلك هل يمكن أن نقول إنها لحظة تاريخية استثنائية؟ أم أن السنوات القادمة سوف تفاجئنا بأحداث أخرى، وننسى لحظتنا الاستثنائية هذه ثم نكرر ذات العبارة: نحن الآن حقاً في مرحلة استثنائية!.. هل أصبح تاريخنا عبارة عن استثناءات متتالية؟
هل يعني هذا الكلام أن عالمنا لم يعد يعترف بفلسفات ونظريات تفسير التاريخ؟
هل أصبح عالمنا أكثر غموضاً وتعقيداً إلى درجة بات الجواب الأكثر إغراء لتفسير ما يحدث: إنها نهاية العالم!.

انتوني غدينز

انتوني غدينز

يتكرر المشهد.. في عام 1999 ألف عالم الاجتماع انتوني غدينز كتابه (عالم جامح) الذي أكد فيه أن عالمنا الحديث لم يعد كما توقعه فلاسفة التاريخ من ابن خلدون وفكرته حول العصبية والدولة إلى قانون التحدي والاستجابة عند أرنولد توينبي، إلى نظرية التفسير المثالي للتاريخ وصراع الأفكار عند هيغل، فماركس وتفسيره المادي للتاريخ وصراع الطبقات… يقول غدينز: “إن العالم الذي نعيش فيه بثورته التقنية، ومخاطر الاحتباس الحراري والسلاح النووي لم يعد يستشعر توقعات جورج أورويل وماكس فيبر بأننا سنكون في مجتمع عظيم الاستقرار والوضوح نكون فيه جميعاً مجرد أجزاء صغيرة في آلة اجتماعية وبيئية ضخمة.. لقد أصبح عالمنا أكثر تمرداً واضطراباً، إننا نواجه مخاطر لم يواجهها أحد في التاريخ.. إننا نفقد سيطرتنا على العالم” .

ويستمر الحديث كل عام عن مخاطر واضطرابات عالمنا الجديد.. ونستمر نحن في الاستماع لها كل مرة بكل ذهول وفضول.
لا يعني هذا الكلام أبداً التقليل أو التهوين من الدراسات العلمية الجادة التي تحاول فهم الواقع لكي ترسم التاريخ، سوف تستمر التساؤلات ويستمر القلق مازالت الأحداث والاضطرابات والمخاطر تستجلبها، وتستفز عقل الإنسان من أجل وضع قواعد منطقية مطردة لمواجهتها، ومواجهة شبيهاتها في المستقبل.

لكن السؤال هنا بعيداً عن ذلك كله.. متى نتصالح مع عالمنا؟ متى يصبح مكاناً أفضل للعيش؟ متى يتوقف عن تهديدنا بأخطاره، أو نتوقف نحن عن صناعتها؟ متى نستيقظ في صبيحة أحد الأعوام لنجد أنفسنا في ساحل تاريخي، لا مرتفع.. لا منخفض.. لا منعطف؟.. متى؟

عبدالله الرشيد

عبدالله الرشيد

أكاديمي وإعلامي سعودي. rsheed5@gmail.com

More Posts

شاركنا

2 تعليقات

  1. معتصم العسكر يقول:

    مقال رائع

    أعجبني ترك الساؤلات للقارء

  2. أبو خالد الحامد يقول:

    كم أنت شخص معجب به أشد الأعجاب
    لديك قلم سيال

    كلام في غاية الروعة

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>