المرأة والربيع العربي.. مبروك جاتك ضرّة!
جزاء سنمار
ولكن في جميع أنحاء المنطقة العربية، تشكو النساء من أن خلع الديكتاتور أثبت أنه أسهل من التخلص من الهيمنة السائدة للرجل. وقد لخصت جميلة إسماعيل، الناشطة والسياسية المصرية، الأمر عندما خرجت من السباق البرلماني في مصر بعدما علمت أنها لن يتم وضعها في المركز الثالث في قائمة دائرتها الانتخابية – وهو ما لا يسمح لها بالفوز. فقد اشتكت في حوار تلفزيوني قائلة: «لقد كان لدينا دور مهم قبل وخلال وأثناء الثورة وليس ممكنا أن نقبل بهذا الوضع». (دخلت السباق الانتخابي وخسرت بفارق ضئيل كمرشحة مستقلة). وفي تونس، شكلت النساء الناشطات الساخطات جبهة 24 أكتوبر (تشرين الأول) للدفاع عن حقوق المرأة في أعقاب الانتصار الانتخابي للإسلاميين. تقول إحدى المتظاهرات التونسيات من المتخوفات من وصول حزب حركة النهضة الاسلامي للحكم، «نريد دستورا يحترم حقوق المرأة ولا يقلص التقدم الذي أحرزناه».
وتعاني المرأة العربية من حصار على العديد من الجبهات. فأولا والأهم هو التقاليد المحافظة التي تقيد المرأة. وبالطبع لا تقتصر تلك التقاليد على المنطقة العربية ولكنها أكثر رسوخا بها. ولم يعد بالفائدة على المرأة العربية، أن قضية حقوق المرأة كانت مرتبطة دائما بالأنظمة السلطوية المخلوعة: فقد كانت سوزان مبارك السيدة الأولى لمصر تدير جمعيات غير حكومية للمرأة، كما كانت سيدة تونس الأولى، ليلى بن علي، رئيسة لمنظمة المرأة العربية، وهي هيئة بين الحكومات التي ترعاها الجامعة العربية، كما أن أسماء الأسد من سوريا وغيرهن فاعلات في قضايا المرأة.
ولكن بزوغ الأحزاب الإسلامية التي تم تمكينها سياسيا والتي يعارض بعضها القوانين الحالية للمرأة سوف يفرض تحديات جديدة أمام المرأة.
وعلى الرغم من أن نشاط المرأة كان ذا أهمية واضحة للثورات العربية، فليس هناك ضمانة لأن تتمكن الناشطات في الدفاع عن حقوق المرأة من تحويل مشاركتهن إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية وسياسية بعيدة المدى. بل، وفي بعض البلدان، هناك سبب للقلق من أن تشهد حقوق المرأة تراجعا ويكون جزاؤها جزاء سنمار.
تعدد الزوجات
ليبيا، ما بعد القذافي، من تلك النماذج، ففي الاحتفال الرسمي بتحرير ليبيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كان أول تصريح لمصطفى عبد الجليل، زعيم المجلس الانتقالي الوطني الليبي أن أي قوانين تتعارض مع الشريعة سوف يتم إلغاؤها. وقد ذكر على وجه الخصوص أن تعدد الزوجات سيصبح قانونيا، وهو ما نال استحسان الحضور من الرجال الذين أطلقوا الأعيرة النارية ابتهاجا.
وقد أعربت النساء الليبيات عن دهشتهن وخيبة آمالهن وتساءلن عن السبب في أن يصبح تعدد الزوجات من أول القضايا التي يتم معالجتها رغم القضايا الليبية الملحة.. (وقد تساءل قادة حلف الناتو عن السبب أيضا). فعلى الرغم من أن تعدد الزوجات كان مشروعا من الناحية القانونية في ظل قيادة القذافي، فإنه لم يكن محببا ولا تتم ممارسته على نطاق واسع في ليبيا، ولكن ذلك يمكن أن يتغير. وقد تعهدت الفتيات الجامعيات اللاتي يصفن أنفسهن بالمتدينات بمحاربة ذلك التراجع.. عبد الجليل تراجع عن تصريحه في ما بعد لكن الاسلاميين في ليبيا قد يكون لهم رأي آخر.
وفي مصر، كان هناك عدد من التطورات خلال العام الماضي ألقت الضوء على موضوع حقوق المرأة. فسرعان ما تراجعت الصور الملهمة للتضامن بين الجنسين خلال الأيام الأولى للثورة في ميدان التحرير أمام حوادث مسيئة، للثوار والثورة، من التحرش المنهجي.
ففي تظاهرة تم تنظيمها على عجل في 8 مارس (آذار)، بمناسبة يوم المرأة العالمي، والتي جذبت مئات عدة عدة من النساء، أحاط بالمتظاهرات رجال غاضبون وقذفوهن بالحجارة صارخين بوجوههن أن يعدن إلى منازلهن، قائلين إن مطالبهن بحقوق المرأة تتنافى مع الشريعة الإسلامية.
وفي الوقت نفسه، ألقى الجيش المصري القبض على العشرات من المتظاهرات تم اخضاعهن لكشوف العذرية.
وعلى الصعيد السياسي، تم إقصاء المرأة من هيئات صناعة القرار الرئيسة منذ سقوط نظام حسني مبارك، ومن وصل منهن الى قبة البرلمان في الانتخابات البرلمانية لا يتجاوز عدد أصابع اليدين.
شرّ انتخابي
من جهة ثانية، لم يساعد قرار الجيش بإلغاء “الكوتة” المخصصة للمرأة والتي كانت تضمن لها 64 مقعدا في عهد مبارك، على تحسين أوضاع المرأة أيضا. فقد مثل ذلك تراجعا لمشاركة المرأة السياسية حتى وإن كانت مصداقية “الكوتة” محل تساؤل نظرا لأنها كانت تستغل لمكافأة أنصار مبارك.
وقد أثار الظهور القوي للأحزاب الإسلامية في الانتخابات البرلمانية المصرية قلق الجمعيات التي تناضل من أجل حقوق المرأة. فقد شككت الجماعات السلفية المتشددة، التي فاجأت الجميع بتقدمها اللافت في الانتخابات، في الدور الذي يجب أن تلعبه المرأة في المجتمع.
فقد رفض أحد قيادات السلفيين أن يظهر في أحد البرامج الحوارية السياسية على التلفزيون حتى تقوم المذيعة بتغطية شعرها. فيما وصف آخر طلب الحكومة العسكرية بتضمين النساء في القوائم الانتخابية بأنه «شرّ» رغم أن عماد عبد الغفور، رئيس حزب النور، أكبر الأحزاب السلفية، ذكر أن الحزب يقبل وجود مرشحات من النساء.
إلا أن النساء “السلفيات” اللاتي ترشحن قمن بإخفاء صورهن من الحملات الانتخابية ووضعن بدلا منها صورا لزهور، بالإضافة إلى أن الحزب كان دائما ما يضعهن في مؤخرة القوائم مما ساهم في تقليص فرصهن في الفوز بمقاعد. وقد أصدر أحد الشيوخ السلفيين أخيرا فتوى تفيد بتحريم ارتداء النساء للأحذية ذات الكعب العالي على الملأ.
تصريحات السلفيين حول نيتهم منع تناول الكحول والحد من السياحة الشاطئية، وما يصرحون به هنا وهناك ومواقفهم من قضية المرأة ودورها في المجتمع أثارت مخاوف الليبراليين. ولكن الليبراليين أنفسهم لم يكونوا من المدافعين الصامدين عن حقوق المرأة في مصر أيضا.
فقد أثار قرار عام 2000 بمنح المرأة الحق في الخلع (قبل ذلك كان عليهن التغلب على العقبات القانونية لإثبات إساءة المعاملة أو الهجران) استياء الجماعات الإسلامية والعلمانية على حد سواء من منطلق أنه يقوض دعائم الأسرة.
كما تتعرض التغيرات الأخرى التي طرأت على قوانين الأحوال الشخصية خلال العام الماضي والتي أفادت المرأة خاصة في ما يتعلق بالتوسع في حقوق الحضانة لهجوم مستمر.
ويعترض المنتقدون على تلك الإصلاحات من خلال نعتها بـ«قوانين سوزان» نسبة إلى سوزان مبارك. وهم يزعمون أن تلك القوانين كانت تستهدف منح مزايا للصديقات الموسرات لسيدة مصر الأولى سابقا، ويلقون باللوم على تلك القوانين في زيادة معدل الطلاق في البلاد.
وأخذا في الاعتبار انتقادات جوانب الطيف السياسي كافة لتلك القوانين، فمن المرجح أن يعدلها البرلمان الجديد وهو ما ليس في صالح المرأة.
مخاوف في تونس
في تونس يبدو أن أوضاع المرأة أفضل منها في مصر. فقد كان الليبراليون والعلمانيون قلقين للغاية بشأن بزوغ نجم حزب النهضة، وهو أكبر حزب إسلامي بالبلاد محذرين أن صعود الاسلاميين ربما يعني تراجعا لحقوق المرأة.
فمنذ الخمسينيات تمتعت المرأة التونسية بأوسع حقوق قانونية في المنطقة بما في ذلك قوانين الزواج والطلاق التي تتسم بالتقدمية نسبيا بالإضافة إلى القدرة على تنظيم النسل والحق في الإجهاض. ومنذ العودة إلى تونس في بداية العام الماضي، بذل راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، جهودا حثيثة لإقناع التونسيين بأن حزبه لن يسعى لتغيير قوانين الأحوال الشخصية بالبلاد.
ولكن البعض اتهم حزب النهضة بالتغطية على نياته الحقيقية خلف الخطاب المعتدل، وهي التهمة التي لم تمنع الحزب من تحقيق النصر بنسبة 41 في المائة في الاقتراع الذي تم إجراؤه في انتخابات أكتوبر مما أهله لتشكيل حكومة برئاسته.
ونظرا للقوانين الانتخابية التي تتطلب وضع المرأة في مكان متقدم على قوائم الحزب، حصلت المرأة على نسبة 23 في المائة من المقاعد في البرلمان، وهو نصيب يتجاوز نصيب المرأة في الكونغرس الأميركي. وعلى الرغم من أن معظم هؤلاء النساء من حزب النهضة وبالتالي فإنهن سوف يعبرن عن التوجهات المحافظة حول المرأة، تجعل مشاركتهن بمثل تلك النسبة المرتفعة على الأقل من مشاركة المرأة السياسية أمرا طبيعيا.
والأهم من ذلك أن الغنوشي وغيره من زعماء النهضة كانوا يركزون حتى الآن على مساعي النهوض بالاقتصاد، وتوفير فرص عمل وطمأنة المستثمرين الأجانب. كما شكل حزب النهضة تحالفا مع الأحزاب الليبرالية وللحفاظ على ذلك التحالف، سوف يكون عليه الاستمرار في التركيز على الاقتصاد وحقوق الإنسان بدلا من الانزلاق في “حروب ثقافية” تشق الصف.
ويبدو أن الغنوشي يدرك أنه على الرغم من أن التراجع عن المكاسب التي حققتها المرأة ربما يمنحه امتيازات بين المحافظين الإسلاميين، فإن حزب النهضة سوف يفوز أو يخسر من منطلقات اقتصادية، وتعد المرأة من اللاعبين الاقتصاديين الرئيسيين بها.
وفي ظل ارتفاع معدل التعليم وانخفاض معدلات الإنجاب، تمثل المرأة في تونس ثلث قوة العمل. وتقتضي الواقعية الاقتصادية مقاربة براغماتية تجاه المرأة.
دعونا نتمنى أن يستطيع الغنوشي إيصال رسالته إلى إخوته الإسلاميين في أنحاء المنطقة كافة. وإلا سوف تلحق المرأة العربية بنظيرتها الإيرانية التي تشتكي من أن الثورة الإيرانية لم تجلب لها سوى الفقر وتعدد الزوجات.. ومبروك جاتك ضرّة!
إيزوبل كولمان























مبروك علينا جميعا ،