محامي رئيس وزراء ليبيا السابق: سجن المحمودي باطل
عدالة انتقالية
وقال بشير الصيد إن فريق الدفاع وعائلة المحمودي يطالبان بالإفراج عنه فورا، مؤكدا أن “السلطة السجنية” والسلطة السياسية ترفضان قرار الإفراج عنه عل الرغم من انتهاء فترة الإيقاف بشهر التي تضمنتها بطاقة الإيداع الصادرة عن القضاء التونسي، وبعد أن برأته المحكمة في قضية اجتياز الحدود من دون وثيقة سفر.
وهدد الصيد بتقديم قضية عدلية ضد الحكومة التونسية، إذا قامت بتسليم المحمودي إلى السلطة الجديدة في ليبيا، مؤكدا أن المنظمات الحقوقية في العالم تعارض هذا التسليم خوفا على حياة المحمودي، في ظل غياب ضمانات حقيقية لمحاكمة عادلة بخاصة وأن الاستقرار مازال مفقودا.
كما برر الصيد طلبه الإفراج عن المحمودي “فورا” بأن موكله حصل فعلا على لجوء سياسي في دولة افريقية.
وأوضح الصيد أن شخصية حقوقية تونسية مقيمة خارج تونس أبلغته أن دولة إفريقيا الوسطى «وافقت على منح اللجوء السياسي» للبغدادي المحمودي. ولم يذكر الصيد اسم هذه الشخصية الحقوقية التونسية ولكنه أكد في المقابل ان لديها وثيقة رسمية تؤكد موافقة دولة إفريقيا الوسطى على استقبال المحمودي كلاجئ سياسي.
وردا على تصريح الرئيس التونسي منصف المرزوقي الذي ربط التسليم بتوفر محاكمة عادلة، قال الصيد في تصريح لـ”المجلة” إن شروط المحاكمة العادلة غير متوفرة، ولن تتوفر في المنظور القريب، متسائلا: إلى متى يبقى المحمودي ينتظر توفر شروط محاكمة عادلة؟ مؤكدا أن ما يحصل معه لا يجوز قانونيا وإنسانيا وأخلاقيا، إذ لا يمكن لبريء أن يبقى مسجونا في انتظار توفر شرط غير معلوم المدة.
وأوضح الصيد أن الحكومة التونسية وضعت نفسها في ورطة لما رفضت الإفراج عن البغدادي المحمودي، الذي برأه القضاء والذي لم يطلب اللجوء أو الإقامة بتونس، لكنه عبرها للذهاب إلى الجزائر.
وأعلن أن موكله يعاني من مرض عضال ويحتاج إلى العلاج المكثف، وأن دولا عديدة منها فنزويلا قبلت استضافته وتنتظر الإفراج عنه لاستقباله ومعالجته.
فشل
وقالت مصادر حقوقية تونسية ودولية إن المجلس الوطني الانتقالي لديه قرابة 7 آلاف معتقل في سجون متفرقة في أنحاء ليبيا من دون أن يتم السماح لهم بمقابلة محامين أو توفير إجراءات لمحاكمات عادلة. كما أن المجلس لم يبدأ كما وعد بالتحقيق في ظروف مقتل العقيد معمر القذافي.
وأضافت هذه المصادر أن ليبيا ليس فيها نظام قانوني، ولا تقدر على تنظيم محاكمات عادلة تتوفر فيها كل الضمانات.
وكانت مسؤولة في منظمة العدل الدولية أكدت أخيرا أن “المجلس الانتقالي فشل حتى الآن في تنظيم سلطة قضائية مستقلة، كما انه لا توجد في البلاد سلطة مركزية”.
ولكن رئيس المجلس الوطني الليبي للحريات العامة وحقوق الإنسان مسؤول ملف السلم والعدل الاجتماعي بالمجلس الانتقالي محمد العلاقي واثق بأن ليبيا لديها إجراءات قضائية تضمن محاكمة عادلة.
وكان العلاقي أكد في وقت سابق اصدار مذكرة جلب بحق المحمودي من تونس على اثر تقدم عدد كبير من المواطنين بشكاوى ضده.
وتقول مصادر تونسية أن المحمودي يخضع لحراسة خاصة في السجن خوفا على حياته بخاصة وقد شهدت العاصمة التونسية خلال الأيام الماضية، حادثة اختطاف مواطن ليبي محسوب على النظام السابق من منزله المؤجر في منطقة تدعى حي حدائق المنزه، من قبل اثنين من الثوار الليبيين اللذين حملاه إلى وجهة غير معلومة لمعاقبته، بعد أن أكدا لجاره التونسي الذي حاول منعهم من اختطافه بأنه خائن، ويجب محاسبته.
هذه الحادثة خلفت استنكارا في الأوساط الحقوقية التونسية، وهلعا في أوساط الليبيين المقيمين بتونس، والذين يقدر عددهم بين 350 و400 ألف ليبي، غالبهم من الهاربين، مما يحدث في بلادهم والذين بدأ بعضهم يفكر في مغادرة تونس، وهو اتجاه قد يتضاعف اذا تم تسليم البغدادي المحمودي إلى السلطة الليبية الجديدة.
“المجلة” حاولت نهاية الأسبوع الماضي الاتصال بالسفارة الليبية لمعرفة مبررات طلب تسليم البغدادي المحمودي، وضمانات توفير محاكمة عادلة له، لكن لم تتمكن من ذلك، نتيجة الوقفة الاحتجاجية التي ينظمها يومها مئات الليبيين مطالبين برحيل السفير، لأن السفارة، بحسب قولهم، لم تقم معهم بالواجب وتهمل حالاتهم الاجتماعية الصعبة.
الاعتصام اليومي تحوّل سريعا الى اقتحام لمقر السفارة حيث قام
عشرات الليبيين الغاضبين بطرد السفير وموظفي السفارة قبل أن يقوموا بإغلاق المقر مطالبين المجلس الوطني الانتقالي بتلبية مطالبهم المتعلقة أساسا بدفع تكاليف العلاج والإقامة بتونس.
واتهم المعتصمون مسؤولي السفارة والسلطة الجديدة في ليبيا بالتغاضي عن قضيتهم. وهدد البعض بمواصلة الاعتصام رافعين شعارات تطالب باستبدال السفير والإعلان عن إجراءات عاجلة تخص الجرحى منها التكفل بمصاريف العلاج والإقامة.
اعتراف
هذه الأحداث دفعت “المجلة” الى أخذ موقف السلطات الليبية من سفير آخر لا يتعرض لنفس الضغوط التي يتعرض لها زميله في تونس.
سألنا السفير الليبي لدى بريطانيا محمود الناكوع عن مدى توفر ضمانات كافية حتى يأمن المحمودي على حياته في حال تسليمه ويتمتع بمحاكمة عادلة، فكان صريحا في جوابه واعترف بإن الظروف الآن في ليبيا “هي ظروف مرحلة انتقالية، فالمحاكم لا تعمل بكفاءة جيدة، والمحامون ونشطاء حقوق الإنسان مازالوا متشككين في إجراء مثل هذه المحاكمة للأسباب المذكورة”.
وقال “إن الإدارات والمؤسسات القانونية لم تعمل حتى الآن بكل طاقاتها.. لكن المسألة مسألة وقت. وحتى الأشخاص الذين يفترض أن يقدموا للمحاكمات داخل ليبيا مازالوا هم أيضا خارج هذا النطاق، لأن البلاد لم تستعد بعد لإجراء مثل هذه المحاكمات. فلربما تأخذ شهورا أخرى، حتى تتم الترتيبات اللازمة من حيث المباني من حيث الأمن، وهذا شيء طبيعي”.
ولدى سؤاله: لماذا البغدادي بالذات، ولماذا لم تركز السلطات الليبية على عائلة القذافي الهاربة أيضا، قال: “إن هذه شخصية مختلفة ومهمة. فقد كان البغدادي رئيسا للحكومة الليبية، وهو الرجل الثاني أو الثالث في المسؤولية. أعني أنه شخصية مهمة”.
وعن مدى تورط المحمودي في الفساد إبان العهد السابق، أوضح “أن هذا ما ستكشفه محاكمته، فهناك كلام كثير وتصريحات له. وهو من الأشخاص الذين ستوجه إليهم التهم، فله الكثير من الأخطاء”.
وقال الناكوع في إجابة تتعلق بمدى تأثير قضية البغدادي على العلاقات بين تونس وليبيا: “أعتقد أن رئيس الجمهوري التونسية كان واضحا عندما زار ليبيا، حيث تحدث عن هذا الموضوع، وقال إنه كما نطالب نحن بتسليم المتهمين، فإن من حق الليبيين أن يطالبوا بتسليم البغدادي. يعني أنه كان موضوعيا في كلامه. كما أن هناك اتفاقية أمنية قديمة موقعة من كلا البلدين، تقضي بتسليم المتهمين”.
يذكر أن عددا من الليبيين شاركوا يوم 14 يناير الماضي التونسيين احتفالاتهم بالذكرى الأولى للثورة، وطالبوا بالمناسبة سلطة بلادهم بالتدخل لفائدة جرحى الثورة المقيمين في فنادق تونس، والذين أصبحوا مهددين بالترحيل نتيجة عدم دفع تكاليف الاقامة.
ولم تتمكن ليبيا حتى الآن من فرض الاستقرار، وفشل المجلس الوطني الانتقالي في جمع الأسلحة من الثوار، الذين أصبحوا يطالبون السلطة الجديدة بحصتهم من الحكومة، وينتقدون أعضاءها، ويصفونهم بأنهم صناعة أجنبية، هذا بالإضافة الى تزايد العنف ومظاهر إطلاق النار لأتفه الأسباب، واستغلال الانفلات الأمني لتصفية الحسابات بين المدن والقبائل، التي وقفت مع وضد القذافي.. وحتى حسابات قديمة تعود الى ما قبل حقبة القذافي نفسه.
وحتى تتمكن ليبيا ما بعد العقيد من ترميم ما يمكن ترميمه من أجل بناء دولة قانون ومؤسسات وفي غياب العدالة الانتقالية، تبقى المحاسبة مؤجلة الى حين تمكن ليبيا الجديدة من المصالحة مع تاريخها.
نجم الدين العكاري


















تابعنا