عبدالله الرشيد
التاريخ: : الأربعاء, 25 يناير, 2012
1
طباعة طباعة

أن تعرف أكثر!

 

أثار شعار قناة العربية “أن تعرف أكثر” موجة من الجدل والجدل المضاد حول قضية دور القنوات الفضائية، والوسائل الإعلامية في نقل الحقيقة كاملة للمتلقي، وساهمت أحداث الربيع العربي، وثورة مصر تحديداً في تصاعد حملة ضد قناة العربية، في أنها لا تنقل المعلومة كاملة للمشاهد، وتحجب تفاصيلها عنه في صورة مناقضة لشعارها “أن تعرف أكثر”، وكأنها تجسد بدلاً عنه “أن تجهل أكثر”.. تدفعها نحو تصرفات الحجب والتجهيل ضغوط وإملاءات سياسية.

قضية تدخل السلطات بأشكالها كافة في حجب المعلومة عن المشاهد والمستقبِل قضية مستمرة قديماً وحديثاً، تتغير بتغير الوسائل وتطورات صناعة الاتصال والإعلام..  ومن ذلك نظرية “حارس البوابة” كواحدة من نظريات التأثير الإعلامي التي كتبها عالم النفس النمساوي (كرت لوين 1977م) والتي تتحدث عن “فلترة” المعلومة عبر بوابات متعددة حتى تصل إلى الجمهور المستهدف معدلة منقحة حسب توجهات صانع القرار في الجهة، أو المتنفذين فيها، حيث تعني هذه النظرية: (السيطرة على مكان استراتيجي في سلسلة الاتصال، بحيث يصبح لحارس البوابة سُلطة اتخاذ القرار، في ما سيمر من خلال بوابته، وكيف سيمر، حتى يصل في النهاية إلى الوسيلة الإعلامية، ومنها إلى الجمهور).

لكن دعونا نتحدث هنا عن حراس البوابة الذين لا يوجه لهم هؤلاء الناقمون على شعار “أن تعرف أكثر” اللوم والنقد، كل لومهم وانتقادهم ينصب على حارس البوابة السياسي الذي يحجب المعلومة أو يعدلها بحسب رغبات وأهواء السلطة السياسية. لكن ماذا عن سلطة المجتمع/ الجماعة/ القبيلة/ العائلة/ الثقافة في حجب المعلومة، وتضييق دائرة المعرفة في أن تخرج إلا بالصورة التي ترضاها وتجيزها. فإذا اتفقنا أن السلطة السياسية لها دورها بشكل مباشر أو غير مباشر في “فلترة” المعلومة قبل أن تصل للمتلقي، فإن المجتمع له حراس كثر منتشرون بأشكال متعددة في حصار المعلومة وفلترتها وحجبها عن المتلقي أيضاً.

لنبتعد قليلاً عن الشأن السياسي، ونتحدث عن أكبر الصعوبات التي تواجه الصحافيين السعوديين المشتغلين في مجال التحقيقات الصحافية الاجتماعية تحديداً، فإنها ستكون في وجود مصادر قادرة على أن تفصح بالمعلومات المهمة والموثقة التي تكشف واقع ظاهرة أو مشكلة اجتماعية، خصوصاً إذا كانت القضية في مناطق الالتهاب الاجتماعي، سوف يواجه الصحافي بالصمت والخوف من هذه المصادر، لا يمنعها عن الحديث والظهور مانع أو قرار سياسي، كل مخاوفهم نابعة من ضغط اجتماعي يرهبهم بالتضييق والتشويه، في حال الخروج عن صورته الرائعة التي اختطها لنفسه.

ولذلك لايفسر عدم قدرة بعض الفتيات السعوديات المثقفات والمهتمات بالشأن العام على الكتابة بأسمائهن الصريحة، إلا أن أوساطهن الاجتماعية لا تقبل بظهور الفتاة واستقلالها برأيها في العلن، وهو نوع من حجب المعرفة، وتغييب متعمد لصوت شريحة من المجتمع، بقيت صامتة بقرار من حراس البوابة الاجتماعيين.

مثل ذلك تلك الحالة غير المفهومة على الإطلاق، حين يتعمد بعض المواطنين في السعودية، تضليل موظفي التعداد السكاني في إعطائهم معلومات مغلوطة عن عدد أفراد أسرهم، وأحوالهم المعيشية!!. إذا كان الأمر كذلك في هذه الحالة البسيطة، فكيف سيكون حين توضع قضايا اجتماعية حساسة على طاولة الصحف والقنوات الفضائية للمناقشة الشفافة الصريحة!؟

وفي السياق نفسه، يروي أحد الأصدقاء وهو منتج تلفزيوني، عمل منسقاً لوفد إعلامي من قناة يابانية، هذه القناة كانت تريد أن تصور بكل حياد يوماً في حياة عائلة سعودية تقليدية من الرياض، بالكيفية والآلية التي تفضلها هذه العائلة، تريد هذه القناة أن تنقل للمشاهد الياباني واقع الأسرة السعودية، ـ وهو موضوع مثير ويحتوي على الكثير من الغموض بالنسبة للمتلقي الياباني ـ  لكن ما الذي حدث؟ .. واجه صاحبنا صعوبة بالغة في العثور على عائلة سعودية تقبل بأن تتحدث لهذه القناة! لم يكن الذي يمنعهم قرار سياسي، بل قرار اجتماعي، وثقافة تدفع نحو الانغلاق أكثر على الذات في نتيجة مؤداها: “أن نجهل أكثر”، وأن يجهل الآخرون أكثر عن حالنا وواقعنا، وألا نتعرف بصدق على مشاكلنا، حتى نستيقظ في يوم من الأيام متألمين مفاجئين من حقائق واقعنا.

إذا كنا نطالب السياسي بألا يحجب المعلومات عنا ـ وهذا من حقنا ـ فإن الأولى أن نبدأ بأنفسنا، ونطالب ذواتنا، ومجتمعنا بألا يحجب المعرفة عنا، وأن يساعدنا في “أن نعرف أكثر”.

عبدالله الرشيد

عبدالله الرشيد

أكاديمي وإعلامي سعودي. rsheed5@gmail.com

More Posts

شاركنا

تعليق واحد

  1. سالم يقول:

    بارك الله فيك أستاذ عبدالله!
    ليتك التفت لمشاكل الوطن الحقيقية بدل الحديث عن ما لا يفيد!

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>