أمريكا وإيران.. من يفرض العقوبات على من؟
لعبة شطرنج
لقد كانت أحداث المدة الأخيرة تشير إلى أن تعزيز عقوبات البترول الغربية على إيران والتي تم فرضها نظرا لبرنامجها النووي المزعوم، قد بدأت تؤتي ثمارها، ففي الوقت الذي تعمل فيه كل من بريطانيا وفرنسا على فرض حظر على مستوى الاتحاد الأوروبي على استيراد البترول من إيران، هناك مساع لتعديل قانون ترخيص الدفاع القومي للسنة المالية 2012لكي يقضي بحظر العمليات التجارية مع البنك المركزي الإيراني. كما خفضت شركة تكرير البترول الصينية «سينوبيك» مشترياتها عن شهر يناير (كانون الثاني) من النفط الإيراني الخام إلى النصف في نزاع حول شروط العقد، فيما ارتفعت الصادرات السعودية بنسبة الثلث.
وكان ذلك تماما هو هدف التعديل: قصر دائرة مستهلكي النفط الإيراني على الصين وعدة دول أخرى وإعطاؤهم القدرة على الحصول على البترول بسعر أقل مما يقلل إلى حد كبير من عائدات الجمهورية الإسلامية.
وهو ما يأتي في أعقاب الفعالية المبهرة للعقوبات على سوريا، حيث انخفضت صادرات البترول تقريبا إلى لا شيء، كما انسحبت كل من «شل» و«توتال» وغيرها من الشركات الغربية. (بالطبع، لم يوقف ذلك عمليات القتل، كما أن سوريا مجرد لاعب صغير في أسواق البترول العالمية).
والغريب أن رد فعل إيران كان مرتعبا. وكأن فرض المزيد من العقوبات كان مفاجئا رغم أنها كان يجري الإعداد لها منذ أشهر، كما كانت الجمهورية الإسلامية بالفعل تعيش في ظل نوع من أنواع العقوبات على البترول منذ نشأتها قبل ثلاثين عاما.
وكان من أبرز مظاهر رعب إيران هو تصاعد الخطاب الإيراني حول احتياطي الطاقة الذي تشاركه مع جيرانها. ففي نوفمبر (تشرين الثاني)، أعلن وزير البترول الإيراني رستم قاسمي، الذي كان قائدا بالحرس الثوري، أن تطوير «الحقول المشتركة» سوف يتم بمعدلات أسرع. ثم في 22 من ديسمبر (كانون الأول)، قال المتحدث الرسمي باسم لجنة الطاقة بالمجلس، عماد حسيني إن الدول العربية كانت تتعاون على سرقة البترول والغاز من الحقول التي تمر عبر الأراضي الإيرانية. واتهم قطر على وجه التحديد والتي تشترك مع إيران في أكبر حقول الغاز بالعالم، بالإضافة إلى الكويت والسعودية.
ويعد «الكتلة 9» على الجبهة الإيرانية والذي ترنو إليه العراق، والذي من المقرر أن يتم عرضه في المزاد في مارس (آذار)، من القضايا الأخرى التي يجدر الاهتمام بها بعدما احتلت إيران حقل بترول يقع على الحدود في 2009. وكانت مشكلة الحقول المشتركة تظهر من وقت لآخر منذ سنوات ولكن إلقاء الضوء عليها الآن في ظل الأوضاع المتوترة يضع المزيد من الضغوط على الدول العربية المجاورة.
وفي اليوم نفسه لتعليقات حسيني، أعلن أدميرال بالحرس الثوري لعبة حرب في مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 40 في المائة من تجارة النفط الدولية. حيث ينظر إلى إغلاق مضيق هرمز باعتباره استجابة إيرانية ممكنة تجاه أي عقوبات متوقعة أو هجمات عسكرية، ولكن عمليا تستطيع الولايات المتحدة أن تعيد فتح الممر المائي وسوف تدعمها كل من أوروبا والهند والصين وغيرها من كبار مستوردي البترول. (بالإضافة إلى أن معظم صادرات إيران تقريبا تمر عبر ذلك المضيق).
وفي 20 ديسمبر، أعلنت وكالة الأنباء الإيرانية شبه الرسمية «مهر» أن إيران قد أوقفت واردات الإمارات التي بلغ حجم تجارتها معها 15 مليار دولار عام 2011 عقابا لها لتأييدها العقوبات الأميركية. وعلى الرغم من أن وزير الخارجية الإيراني سرعان ما نفى ذلك، فإن الضرر كان قد وقع: حيث انخفض الريال الإيراني بنسبة 10 في المائة في مقابل الدولار حيث أسرع التجار للتخلص من العملة وبالتالي فقدت نصف قيمتها في الأشهر القليلة الماضية.
كما يعد تهاوي العملة «الريال» أيضا جزءا من سياسة محمود أحمدي نجاد للمساعدة في سد عجز الموازنة الحكومية قبل الانتخابات البرلمانية في 2012. وهو ما جاء على حساب زيادة التضخم الذي ارتفع بالفعل بسبب إزالة الدعم على الوقود والكهرباء في أواخر 2010 (رسميا 19 في المائة ولكن التقديرات غير الرسمية تقول إنه كان مرتفعا بما يعادل نحو 28 في المائة).
كما كان لسوء إدارة إيران لاقتصادها ولقطاع البترول مضار أكبر من العقوبات. فقد أخفقت على نحو عجيب في استغلال مواردها من الطاقة على نحو استراتيجي عبر تصدير الغاز إلى الدول المجاورة من دول الخليج وتوفير بديل حقيقي لأوروبا من الغاز الروسي أو من خلال تقديم عرض للشركات الصينية لا يمكن رفضه لتطوير حقولها.
إن اقتصاد إيران في حالة سيئة، ولم تكن البلاد في حالة أكثر انعزالا على المستوى الدبلوماسي منذ السنوات الأولى للثورة. ولكن واشنطن لا يجب أن تهنئ نفسها بعد.
حيث إن العقوبات على البترول تعد فكرة سيئة إذا أفلحت، وفكرة سيئة إذا أخفقت. فإذا ما أفلحت، سوف ينزل العقاب على حلفاء أميركا، وهناك بعض الدول المعرضة للخطر مثل اليونان التي سوف تعاني من نقصان حاد في البترول في الوقت الذي لا تستطيع فيه تحمل ذلك.
وإذا ما نجحت العقوبات وتمت عرقلة صادرات إيران بالفعل، فسوف ترتفع أسعار البترول وتعيد العالم إلى حالة جديدة من الركود. كما تستطيع طهران أن ترد من خلال تخريب منشآت البترول في دول الخليج المجاورة وخلق مشكلات عبر حلفائها في مراكز البترول في البصرة بالعراق. إن إيران المنعزلة يمكنها أن تلعب مثل تلك اللعبة الخطرة مع الاقتصاد العالمي.
ولكن من المرجح أن تفشل عقوبات البترول وأن يذهب قدر كبير من رأس المال الدبلوماسي سدى. فعلى سبيل المثال، تعتمد كل من اليابان وكوريا الجنوبية على إيران في 10 في المائة من وارداتيهما من النفط الخام، وقد رفضتا العقوبات على البترول. فيما جددت تركيا عقدها للنفط القائم منذ فترة طويلة خلال الأربعاء الماضي.
وعلى الرغم من رد فعلها غير الفعال حتى الآن، سوف تتمكن إيران من أن تجد سبيلا لتجاوز عقوبات البترول – مقايضة البترول، على سبيل المثال، أو التهريب عبر العراق أو باكستان – بمساعدة محترفي تجاوز العقوبات الذين يسعون وراء الصفقات المربحة. فما سوف تخسره في الخصومات التي تقدمها للصين سوف يعوضه ارتفاع الأسعار الذي يأتي كنتاج للتوترات الجيوسياسية. كما أن السلاح السري للولايات المتحدة – حظر شحن البنزين إلى إيران – قد أوحى إلى طهران بأن تجري الإصلاح المتأخر على الدعم وأن تتخذ خطوة في تطوير قدراتها على التنقية. فعلى نحو ما، قدم الكونغرس الأميركي لإيران خدمة.
وبالنسبة للحقول المشتركة – مع قدرة إنتاجية تصل إلى 1.1 مليون برميل يوميا – سوف تعمل الشركات الإيرانية المحلية المرتبطة بالحرس الثوري على تطويرها والتي ترزح تحت وطأة التهريب والفساد والتهرب من العقوبات. وفي الوقت نفسه، فإن الطبقة الوسطى، التي كانت دائما المحرك الأساسي للدمقرطة، ترزح تحت وطأة التضخم والأزمات الاقتصادية.
وتبدو العوامل الجيوسياسية للعقوبات المقترحة أقل منطقية. ففي المواجهة اللانهائية بين الولايات المتحدة وإيران، البلد الذي لديه 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي و1.5 في المائة من موازنتها العسكرية، فإنها تقدم منحا لاثنين من خصومها الحقيقيين: الصين وروسيا. فكما ذكرنا تستفيد الصين من الخصوم التي تتم على مشترواتها من البترول. وإذا ما تم تنفيذ العقوبات على البنك المركزي كما هو مقرر، سوف تسعى الصين بشراسة وراء النفط الإيراني الرخيص ومن ثم لن تعمل بجدية في أي مشروع لحل الأزمة.
وفي الوقت نفسه، فإن نفط جبال الأورال الروسي يحصل على أسعار أعلى من نفط البرنت الأعلى جودة حيث تبذل شركات النفط الأوروبية مساعي محمومة للحصول على بديل للنفط الإيراني. كما أن الكرملين سعيد بأن يشهد تحييد أكبر منافسيه في سوق الغاز الأوروبي.
إن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الولايات المتحدة في إيذاء نفسها يعد في بعض الأحيان مذهلا. فعلى الرغم من تهدئة محتملة للعلاقات، زار مسؤولون أميركيون الدول الخليجية لإقناعها بتجاوز ترددها في المساعدة على تحمل كلفة العقوبات، «الكلفة» التي تعني بالنسبة لهم بيع المزيد من النفط بأسعار أعلى. ولا يتم ذكر الكلفة بالنسبة للاقتصاد الأميركي من البترول عالي التكلفة والتي تعادل تقريبا نصف تريليون من الدولارات نظرا لعقود من العقوبات على الاستثمارات في إيران والعراق وليبيا.
وما زالت لا توجد إجابة على ذلك السؤال المهم حول كيف يمكن للخطط الأميركية أن تحول أي مكاسب تكتيكية من العقوبات إلى نجاح استراتيجي أو حتى أن تحدد ماهية النجاح الواقعي.
كما أن مقاتلي الحرب الإيرانية العراقية والمتشددين الإيرانيين قد شهدوا بلادهم وهي تتجاوز فترات أصعب مما تمر به في الوقت الراهن وتتحول من وجهة نظرهم إلى تعزيز الوهج الثوري. فبالنسبة لهم، يعد الخضوع للعقوبات عبر تقديم تنازلات كبرى حول القضية النووية انتحارا سياسيا.
إذن هل تحاول واشنطن تأخير حصول طهران على السلاح النووي لمدة طويلة بما يكفي لتغير الوضع بطريقة غير واضحة، ولكنها محببة على نحو ما؟ ذلك يتواءم على نحو ما مع الحملة الخفية من التجسس وعمليات الاغتيال التي تتم حاليا. هل تأمل أن تساعد الضغوط الاقتصادية على هيمنة المحافظين البراغماتيين مثل الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رافسنجاني أو خصم أحمدي نجاد علي لاريجاني؟ أم أنها تراهن على انهيار كامل للنظام؟
إن النجاح يتطلب اللياقة الدبلوماسية وتفهما للسياسة الإيرانية وهو ما يغيب عن الساحة حتى الآن. ولكي يحقق الغرب صدوعا حقيقية في النظام فإنه يحتاج إلى أن يقدم عرضا قادرا على القبول، والإقرار بمصالح إيران الشرعية مع التخلص من بعض العقوبات كنوع من المحفزات على التعاون. على الأرجح، سوف ينظر المرشد الأعلى علي خامنئي والمتشددون لمثل تلك الصفقات، وهم في الغالب محقون في ذلك، باعتبارها حصان طروادة مصمما على اسقاطهم.
خاص بـ”المجلة”
روبين ميلز – فورن بولسي




















تابعنا