القافزون في الهواء والحكام الجدد!
على الرغم من افتتاح البرلمان المصري الجديد، الذي حصد فيه الإسلاميون نسبة كبيرة، استمرّت في الشارع المصري حالة الغضب،ولمّا ينته ما سمّاه البرادعي “عام التخبط” بعد، ولازالت الشعارات تدوّي شبيهة بتلك التي أسقطت نظام مبارك.
يشير الباحثون إلى ضرورة التريّث وإعادة تقييم الأحداث، فعلى الرّغم من الثمن الباهظ للحِراك الشّعبي على مدى عام متواصل، لم يتم حصد المأمول، فقد بدا لكثيرين أنّ ما حدث لن يُنتج تغييرًا، سيؤلم النُّظم ويكسر القيود، ولكنّ مَواطِن العَطب الرئيسة تظل في أمانٍ من كل ذلك، فلا تزال أحجار الأبويّة الاستبدادية، و مقاصل الحريات، وتجارة المقدّس، وممارسة الإرهاب، وسياسات فصم وعي المواطن عن متطلبات الحداثة، وهشاشة النسق الديمقراطي” تحول دون دخول المرحلة الجديدة، على الرغم من الانتخابات.
الانتخابات “وحدها” لا تصنع الديمقراطية، ولكن البيئة الثقافية الاجتماعية السياسيّة، هي التي تلد حالة الديمقراطية وتوفر الحالة الصحيّة لممارسة الحريّة، فالبيئة السياسيّة كانت توفِّر الدّعم للجماعات البراغماتية فحسب، بعد نجاحها في إبداع خطاب ملائم للأوضاع السياسية الدوليّة، بوصفها الجماعة المنظمة واضحة الأهداف والمآرب.
خسر الغاضبون، بينما نجحت الجماعات في تسجيل حصيلة نصر كبير، فافتتحت البرلمان، وبدأوا “تمكين” قواهم، بعد أن قدّموا خطابًا براغماتيًا بامتياز، فُصّل على مزاجية من يسمعه، فقدّم للشعب مناحات الغضب ضد “الفلول”، وحرّضهم على تلبية النداءات المقدّسة، وأمّن للعالم حاجياته من العقلانيّة والهدوء والرّضوخ والمدنيّة.
يقول “ديفيد بولوك” في الواشنطن بوست، إن جماعة الإخوان المسلمين -مثلاً- تُمارس ازدواجية صارخة في الخطاب، فعلي سبيل المثال يظهر في النسخة الإنجليزية لموقع الإخوان، ثمانية مقالات تبرز اهتمام الجماعة بالأقليّة المسيحيّة القبطيّة في مصر.
في حين لا تتضمن الصفحة الرئيسة العربيّة سوى مقالين صغيرين عن هذا الموضوع”، ويدرك المراقب أن الجماعة تجنبت المواضيع الثقافيّة التي تتسبب في صدامات داخليّة وتحتاج لمراجعات حقيقية، في حال فشلها ربما تشوّه صورتها الخارجية، كما مارست ضبابية حول ملفها الخارجي لأنها لم تحسم أمر الاتفاقيات الدولية سواء السيادية أو تلك التي تتعلق بمواثيق حقوق الإنسان واتفاقيات القضاء على التمييز ضد المرأة، وغيرها.
عل كل، فقد تُرك من قفز في الهواء يمارس السِّجال الميّت للحفاظ على ما سُمِّي بـ”مكاسب التغيير”، وهو ما سيتحول إلى “عرضحالات” بكائية، لو استمرّ نموذج الاحتجاج المُستمِر، من دون الوعي بأن الطريق يحتاج إلى معركة ثقافية فكرية، أكثر من صرخات وقفزات غير مدروسة.
القفز في الهواء لن يغيّر واقع الأرض التي رسختها أفكار وسلوكيّات متراكمة، بل سيهبط القافزون على أرض شبيهة بالأرض التي قفزوا منها.
بين هذا وذاك، تأتي الحاجَة، لتروّض الحُكام الجدد – وربما تحرمهم من المراجعات الحقيقيّة، ليسكنوا خطاب “المصلحة” لا الإيديولوجيا -، وتعقِّل غضب الثوّار، فالحقيقة الاقتصاديّة، تلحّ وتؤكد أن المخزون الاستراتيجي للدّولة لا يتحمّل المزيد من النزف، كما أنّ الضائقة الاقتصادية التي تزلزل كل ما حَسِبه الناس راسخًا ما رحمت الدول القويّة واقتصاداتها الراسخة، فهل سترحم الدول الهشة!

















تابعنا