لماذا الديمقراطية وليس العلمانية؟
لا كلمة تعلو اليوم على الديمقراطية في العالم العربي، لا على المستوى الشعبي ولا على مستوى النخب، الجميع يبدي اتفاقه عليها، والغالبية يجدها الحل المنتظر لمشاكل الدول العربية التي كانت ترزح تحت الاستبداد السياسي.
الشعوب تتطلع للانتخاب أكثر مما تتطلع للمرشحين، والمرشحون يسعون للحكم متطلعين للسلطة وللتشريع معا، وبينما يتصدر المحللون وسائل الإعلام للتنظير عن الديمقراطية كمكتسب عظيم للشعوب الثائرة، ما زال بعض النقاد يؤكد أنها مجرد آلية لكنها ستنضج مع الوقت لتصل إلى جوهرها الأساسي المتمثل في المشاركة والمساواة، وهنالك أقل القليل ممن ينظر أن العلمانية الغائبة عن المشهد العربي، وحدها السماء التي تضمن حق الجميع وحريتهم.
والعلمانية كمفردة على عكس مفردة الديمقراطية، لا تجد من يتجرأ على المطالبة بها على أي مستوى، لأنها مفردة غائبة كليا من القاموس السياسي العربي، تماما كما هي محرمة ومجرمة على المستوى الديني والشعبي بشكل عام، فلماذا استطاعت الديمقراطية الوصول للشارع العربي بينما ظلت العلمانية طي الكتب القليلة التي تناولتها؟
لقد اجتهد الإسلاميون المعزولون عن الحياة السياسية تحت حكم العسكر، في كسر الفزاعة كصورة تلازمهم، تماما كما كانوا مستميتين نحو المشاركة السياسية، لقد قبل السياسيون الإسلاميون أن تتوقف عجلة الخلافة، فسمحوا أخيرا برفع الوصاية الدينية عن الحكومة، لأنهم وجدوا أنفسهم في ذلك مضطرين إلى رفع شعارات العدل وتداول السلطة، من خلال مفهوم الديمقراطية، ليطمئن الآخرون إليهم، وهي بكل الأحوال الآلية الوحيدة التي تضمن لهم حق الوصول للحكم، فلم يكن اجتهادهم مقتصرا على العمل السياسي، إنما انطلق أولا من المطبخ اللغوي في تأصيل الديمقراطية على أنها ليست إلا الشورى الإسلامية مع الاختلاف في اللفظ فقط.
لقد نالت الديمقراطية جواز مرورها الأول للشارع من خلال هذا التأصيل، والديمقراطية كآلية على الرغم من أنها نضجت في الدولة الغربية الحديثة، إلا أن الإسلاميين قبلوا لأنفسهم الانتصار لها، ليس فقط لكونها طريقهم الوحيدة للحكم، بل لأنها أيضا لا تفرض أي تشريع مسبق، إنما يبقى العمل التشريعي فيها يختلف من دولة لأخرى، وهذا ما يناسب الأحزاب الإسلامية تماما، لأنها تصل للحكم وهدفها الأول تنفيذ وصايتها الاجتماعية، فهي تحمل للناس تشريعها الكامل المعالم في كيفية حكمهم وتسيير حياتهم، بدءا من الطريقة التي يجب أن تغطي بها المرأة شعرها، وليس انتهاء بالجائز والمحرم من البرامج التلفزيونية، لقد وصلت الديمقراطية للشارع العربي إذن، لأن الثقافة العربية ما زالت في معظمها ثقافة متدينة تتقبل فقط ما يسمح به الجسر الديني للمرور.
فلماذا لم تمر العلمانية وظلت معلقة بباب جهنم، على الرغم من محاولات بعض القوميين العرب، ولماذا لم يمررها الإسلاميون تحديدا كما مرروا الديمقراطية؟ إن المبدأ العلماني الدنيوي يحمل في جوهره حقيقة لا يسهل الالتفاف عليها اسلاميا، ولهذا لم ولن يجتهد الإسلاميون في محاولات تأصيلها مطلقا، فهي لا تخدمهم بل ربما تضرهم، هذا لأنها أولا لا تشكل لهم طريقا للسلطة والحكم فلا يتحفزون إليها، ولأنها ثانيا لا تنفصل عن مبدئها الدُنيوي الواضح والحاسم في أن العمل التشريعي هو عمل محض مدني تناقشه العقول، من دون أي جبرية، كما لو كان قضية رأي عام، وهو ما يخالف هدفهم الأول في تنفيذ وصايتهم الاجتماعية على الناس. المبادئ العلمانية تركز على حرية المجتمع في تشريعه للقوانين التي تحكمه من دون أن تلزمه بأي شرط مسبق، وهذا يعني أنهم لن يستطيعوا حتما، إلزام المجتمع بتشريعهم.
إن مبادئ المشاركة والمساواة في الديمقراطية، تضعف كثيرا أمام الشكل الآلي للانتخاب والتصويت، فيسهل جدا الالتفات إلى الصورة الديمقراطية من مراكز اقتراع ودعايات حزبية، والانشغال بها عن تحقيق المبادئ، لكن ذلك لا يمكن أن يحدث مع مبدأ العلمانية الدنيوي، فهو مبدأ قاطع من حيث حرية المجتمع والاعتراف له بنضجه وحقه في اختيار تشريعه وقوانينه.
سيبقى قبول الديمقراطية ومجافاة العلمانية في العالم العربي يحمل سؤاله المهم، لماذا لا تُرفع الوصاية الدينية عن المجتمع بالقبول بالعلمانية، بمثلما رُفعت الوصاية الدينية عن الحكومة باسم الديمقراطية؟!؟





















الله يصلحك ويهديك يارب ارحمها من افكارها يارب