السعودية ليست امرأة مكلومة!
نجحت مواقع الصحافة الإلكترونية الصفراء المعنية بأخبار المجتمع السعودي بامتياز في اختصار السعودية على أنها عبارة عن امرأة تتعرض للاستغلال والابتزاز يلاحقها شاب يريد الإيقاع بها، أو هي تريد الإيقاع به!..
أخبار وقصص تتكرر كل يوم على صفحات هذه المواقع التي تعرضها للقارئ مع صورة تعبيرية متكررة في كل خبر.ـ امرأة منقبة تقطع الشارع/ امرأة منقبة تحمل هاتفاً جوالاً ـ.!
تتعمد مواقع الصحافة الصفراء الإلكترونية المتكاثرة على شبكة الإنترنت بأشكال وألوان مختلفة من أجل جذب انتباه القارئ السعودي التركيز على قصص المعاكسات والتحرش والاستغلال الجنسي، في امتداد واضح لسياسة التسويق والإثارة الرخيصة في عالم الأفلام والموسيقى التي تركز على الجسد والجنس مع مضمون فارغ وتافه، لكن الفارق هنا أن هؤلاء يمارسون هذه الإثارة الرخيصة وهم يقدمون أنفسهم كرساليون مخلصون مصلحون.
وهنا المشكلة، سوف يكون تعاملي مختلفاً معك حين تقدم نفسك لي على أنك صحافة صفراء، تلاحق الفضائح الجنسية والأخلاقية وتبحث عما يدغدغ مخيلة القراء من دون أي رادع قيمي أو أخلاقي يمنعك، سوف أتعامل معك حينها على أساس أنك “صفراء” ولن ألقي لك بالاً أو قيمة أو وزناً، لكن حين تقدم هذه الصحف الإلكترونية نفسها على أنها صوت المجتمع الحر النزيه الإصلاحي، فإنها تمارس خداعاً متعمداً، ربما ذلك ليس مستغرباً كما يقول ديفيد راندال كبير محرري الأخبار في صحيفة الإندبندنت البريطانية: “بالنسبة للصحفيين العاملين في صحف الإثارة الشعبية تعتبر مبادئ الأخلاق عموماً غير ذات صلة.. فضغط المنافسة الشديدة على جذب القراء يجعلهم يتجاوزون حدود المبادئ الأخلاقية، فإلقاء محاضرات عليهم حول المبادئ الأخلاقية أمر لاجدوى منه، تماماً كمطالبة البحارة بالتبتل عند وصولهم للميناء بعد قضاء ستة أشهر في عرض البحر. أما بالنسبة للصحفيين العاملين في الصحف الرصينة فهناك إجماع كامل حول الأخلاقيات المهنية الأساسية”.
قد تكون هذه الأخبار والحوادث فعلاً صحيحة وصادقة، لكن ماهي القيمة الإخبارية لتكرار قصص حوادث فردية لاتحمل أي استثناء إلا أنها تتقاطع مع خط الإثارة : المرأة/ الجنس/ الجسد.!
بإمكاني إذن أن أحول السعودية وكأنها قطعة من كولومبيا حين أركز على قصص تعاطي المخدرات، وبإمكاني أن أصورها على أنها قطعة من المسجد حين أركز على أخبار حلقات التحفيظ والدروس والمحاضرات، وبإمكاني أن أصورها على أنها ساحة للجريمة والسرقة حين استعرض فقط أخبار السطو والاعتداء.
الصحيفة الرصينة التي تحترم ذاتها هي التي تتناول قضايا المجتمع بتوازن عادل، فإدارتها كإدارة سفينة تسير في بحر مليء بالأمواج الضخمة، والميلان والانحراف لجانب واحد فقط يعني اختلال التوازن والغرق في الحضيض.
هذا بالإضافة إلى أن قضايا الجرائم والانحرافات الأخلاقية تخضع لإجراءات قانونية وقضائية المتهم فيها بريء حتى تثبت إدانته، والتسرع في نشر تفاصيلها قبل التثبت من ملابساتها قد يعني تشويه سمعة أناس أبرياء، وتتوسع الدائرة لتصبح مع مرور الوقت تشويه مجتمع بأسره.
لا يعني هذا أن قضية المرأة لا تستحق الاهتمام المكثف والمعالجة، لكن التركيز على هذه القضايا الجزئية وتضخيمها، يشوه قضية المرأة ويعطل معالجة شؤونها وحقوقها، تماماً كمن يعالج الأعراض ويتجاهل المرض. فحوادث التحرش، والاعتداء والاغتصاب تحدث في كل مجتمعات الدنيا، الموقف الإيجابي ليس في الاستمتاع بذكر تفاصيلها كل صباح، والحل الواقعي لن يكون في القضاء عليها بشكل جذري وكامل، وإنما ترشيد وعي الناس، وسن القوانين، وتقليص منافذ الخلل، بحيث تبقى هذه الحوادث في السياق البشري الطبيعي المعقول.
قضية المرأة وحقوقها ستبقى مسألة قائمة في كل المجتمعات، وفي مجتمعنا تحتل مساحة أكبر نظراً لاكتفائنا بنقل ملفاتها للأجيال القادمة… ويزيد الطين بلة صحف صفراء تصور لنا مشكلة المرأة على أنها فقط: (تحرش، معاكسة، استغلال، استغفال)!.
إذا أحسنا الظن في هذه المواقع الصفراء التي لا تكل ولا تمل في عرض أخبار التحرش والاعتداء والاغتصاب، فإن هذا لن يعفيها من مسؤولية تقديمها السعودية للقارئ الداخلي والخارجي على أنها عبارة فقط عن: امرأة مبتزَّة/ ملاحَقَة/ مستغَلة/ مستغفَلة/ مكلومَة!.






















الله يعطيك العافيه
كلاام معبر
يعطيك العافيه اجزلت الحديث
وكل ماأريد قوله ( لن يضير صفا السماء نبح كلب او عواء )
..