عبدالله الرشيد
التاريخ: : الأربعاء, 9 مايو, 2012
3
طباعة طباعة

العنف الأسري في السعودية.. مأزق الذكورة والتراث

القوة والتملك!

قضية العنف الأسري في السعودية تشغل المؤسسات الرسمية والأهلية والرأي العام منذ سنوات، وفي الكتاب الإحصائي السنوي الصادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية للعام 1431 - 1432هـ (2010 - 2011م)، أكدت الوزارة أن العنف الأسري في السعودية قد أصبح من "المشكلات الظاهرة على السطح بشكل واضح".
ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء

ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء

لا تزال المشاريع القانونية والاجتماعية والتوعوية تحث الخطى من أجل حل هذه المشكلة، والحد من تزايد حالات العنف ضد المرأة والطفل والمستضعفين والمغلوبين على أمرهم داخل الأسرة، ومن أبرز هذه المشاريع برنامج الأمان الأسري الوطني، الذي يسعى، كما يرد في رسالته، إلى أن يكون مركزاً للتميزِ في شؤونِ العنفِ الأسرِي وذلك بتقديم برامج الوقاية والمساندة ونشر الوعي من أجل توفير بيئةٍ أسريةٍ آمنة في المملكة العربية السعودية.

كما قامت مؤسسة الملك خالد بتقديم مشروع قانوني بعنوان “نظام الحد من الإيذاء في المملكة العربية السعودية”، وتبنته وزارة الشؤون الاجتماعية، وقد وجه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، بدراسة هذا المشروع من أجل اعتماده وتعميمه.

ومع هذه الجهود المتضافرة من أجل حل مشكلة العنف الأسري في السعودية، تبقى هناك حاجة ملحة أيضاً إلى مشاريع موازية تتمثل في غربلة ومراجعة منظومة القيم الذكورية العربية المتوارثة جيلاً بعد جيل، والتي ساهمت في تكوين الصورة النمطية للرجل [السيد] في التراث الثقافي العربي الإسلامي، والتي بدورها تفسر بعض مظاهر العنف الأسري والاجتماعي، وتكشف عن دوافع إقدام الرجل لاستخدام العنف كأداة لإثبات ذكوريته سواء بوعي منه وإيمان مباشر بهذه القيم الذكورية، أو بشكل غير مباشر خلال تراكمها وترسبها في عقله اللاوعي المتشكل منذ التنشئة الأولى، ثم انعكاسها على أرض الواقع بشكل مشوه.

فلو رجعنا إلى النصوص والقصص والحكايات والشخصيات والأمثال العربية المتداولة، لوجدنا أن قيمة القوة والشجاعة والفحولة، وإظهار الشدة والبأس، تعتبر من الصفات النبيلة التي يجب أن يتصف بها الذكر، ولم يكن هذا حكراً على العرب، بل على مر العصور كانت هذه القيم مترسخة في الوجدان الذكوري في التجمعات البشرية عامة، منذ تشكل المجتمعات البدائية، فالقبلية، وحتى تشكل الدولة السلطانية، فالدولة الحديثة.

العنف ضد المرأة.. آفة اجتماعية

العنف ضد المرأة.. آفة اجتماعية

كان مفهوم القوة الجسدية والشجاعة وإبراز علامات الفحولة والصلابة من المعاني اللصيقة بالذكر ـ كما يجب وينبغي أن يكون ـ ولذلك نجد ابن منظور في لسان العرب يعرف مادة “ذكر” في اللغة بأنها تعني القوة والشجاعة، فقد اقتضت الفحولة في الإرث العربي عرض المهارات والخبرات المكتسبة وإبراز القوة والعنف، فلا معنى للفحولة ما لم تظهر في العيان، وتبقى في ذاكرة الناس.

لو رجعنا إلى التقاليد العربية في التربية وتأهيل الصبيان، لوجدنا أن صناعة الفتى تتطلب تدريبه منذ حداثة سنه على احتمال الشدائد وملاقاتها، والتصبر عليها لمقصد صحي ولغاية اجتماعية تتمثل في تأهيله ليكون فرداً قادراً على الذود عن عشيرته، ولذلك الأهل لا ينفكون عن الترديد أمام مسمعه عبارة “أنت رجل”، وحين يتصف ببعض صفات الضعف والخور، يردعونه من خلال تعييره وتشبيهه بالنساء، كل هذه رسائل مجتمعية تنبه الغلام منذ طفولته على هويته الجنسانية الموصوفة بالقوة والصلابة، وقد يلجأ بعض الآباء والأمهات من أجل تعزيز هذه القيمة في نفس الغلام إلى دفعه نحو المخاطر وحده، وربما ضربه وإيلامه حتى يشتد عوده، وفي هذا السياق يُروى في طبقات ابن سعد أن صفية بنت عبد المطلب كانت تضرب الزبير بن عوام ضرباً شديداً وهو يتيم، فقيل لها: (قتلته، خلعت فؤاده، أهلكت الغلام!)، فقالت: (إنما أضربه كي يلب ويجر الجيش ذا الجلب). أي أنها تستخدم ضربه كوسيلة تأهيل له، كي يصبح قائداً معتاداً على مواجهة الصعاب وممارسة القوة والعنف مع خصومه.

الدكتورة آمال قرامي ـ أستاذة الآداب والإنسانيات في الجامعة التونسية ـ غاصت في معاني وتجليات قيمة القوة والفحولة في المكون الذكوري العربي في رسالتها للدكتوراه التي كانت بعنوان (الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية ـ دراسة جندرية)، أكدت فيها أن المجتمع العربي كان يرى أن الجسد الذكوري يعني حمل علامات الفحولة البارزة، كما أن شخصية الغلام وسلوكه ينبغي أن تنعكس وجوباً على رجولته، ويجب أن يحارب الأهل كل مشاعر الوهن والخجل والخوف، وذلك لأنها من علامات الضعف، والضعف من صفات النساء، وبذلك تم الربط بين الذكورة والألم، فالمطلوب من الحدث أن يكون قادراً على تحمل الألم، وأن يتصف بالجلد والشدة والخشونة، ومن ذلك تعريضه لاختبارات القسوة لانتزاع الخوف من داخله، وهذه الاستراتيجية في التربية ليست موجودة فقط في الإرث العربي، بل مارسها المجتمع اليوناني من قبل وبعض القبائل الأفريقية.

وكمثال على ذلك يورد الراغب الأصفهاني في كتابه (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء) عن أحدهم وهو ينصح الأولياء موضحاً طرق تهذيب الصبيان قائلاً: (أحضروهم وقت ضرب الأمراء لأصحاب الجرائم لئلا يجزعوا، وحدثوهم بمناقب الفتيان والفرسان، وحال أهل السجون).
ويقدم الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) برنامجاً عملياً لتربية الصبيان، أكد فيه على ضرورة تعويد الطفل على الخشونة والصلابة، حيث يقول: (وينبغي أن يمنع عن النوم نهاراً، فإنه يورث الكسل، ولا يمنع منه ليلا، ولكن يمنع الفرش الوطيئة ـ الناعمة ـ حتى تتصلب أعضاؤه، ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التنعم، بل ينبغي أن يُعود على الخشونة في المفرش والملبس والمطعم).

أي جيل نبني وقد نشأ مع الخوف

أي جيل نبني وقد نشأ مع الخوف

ويؤكد البلخي في كتابه (مصالح الأبدان والأنفس) أن صناعة القادة تكون بأن يؤخذوا وهم أطفال إلى معارك الحروب، لكي تقع أبصارهم على القتلى والجرحى وينشؤوا على تلك العادة فلا يروعهم بعد ذلك النظر إلى شيء منها. ولذلك عدّ حضور الفتى اليافع للمقابر وطقوس الدفن، فرصة ثمينة لاختبار جلده وثبات قلبه. ومن هنا نفهم أيضاً لماذا يلجأ بعض الدعاة والتربويين إلى تقديم عروض عن أحوال الموتى والقبور وطرائق الدفن أمام صغار السن في المدارس.
وبحسب ما تراه الدكتورة قرامي، فإن قيمة الشجاعة كانت أكثر بروزاً في أفراد مجتمعات البادية، الذين تميزوا بولعهم بالفروسية، واعتزوا بامتلاكهم السلاح والخيل واتصافهم بالبسالة والقوة، وربوا ولدانهم منذ الصغر على مواجهة الصعاب، ومنعوهم من نواقص الفتوة كالتزيي بزي النساء واتخاذ الحلي، أو السكون في البيت ومجالسة الجواري.

ولذلك نجد في قصص الحب الكلاسيكية أنها مرتبطة بمحبة الفرسان والتعلق بهم، لأن المرأة نشأت على أنها مخلوق ضعيف ممنوع من ممارسة الفروسية والرياضة، ليس أمامها إلا أن تتعلق بهذه الشخوص والعيش على أمل الاقتران بها، وهو تصرف مفهوم جداً في مجتمع يقدس الفتوة والقوة وينبذ الضعف.
ترسيخ قيمة الشجاعة والقوة في نفس اليافع، يعني تكليفه بأداء واجبات ومهمات أمنية واقتصادية كالدفاع عن العشيرة والذب عن الحريم، وأخذ الثأر، والصيد وحماية الموارد ونحوها، هذه المسؤوليات الجسام التي تتطلب من الفتى الصبر والتجلد والإقدام منحته صفات شرف وكمال جعلته في مرتبة أعلى عن الآخرين من النساء والأطفال، فأصبح في مرتبة إصدار الأمر والتوجيه، وأصبحت السلطة في يده ـ سواء كانت مادية أو معنوية ـ وأصبحت الأنثى في خانة التبع والملحق.

اتحاد قيمة القوة وقيمة التملك

قديماً قيل: (من يملك القوة يمتلك السلطة) هذه هي النتيجة الطبيعية التي تكشف سر ارتباط السلطة بالذكور تاريخياً.. فتحالف قيمة القوة والشجاعة وقيمة السلطة والتملك في المخيال الذكوري يكشف ويفسر العديد من أنماط إدارة العلاقات الاجتماعية ما بين الذكر “القوي” من جهة، والنساء والصبيان والبنات من جهة أخرى، داخل الأسرة وخارجها.

برنامج الأمان الأسري الوطني

برنامج الأمان الأسري الوطني

ففي داخل الأسرة، أُعطي الزوج والأب الصلاحية المطلقة للتأديب والتهذيب، فهو مسؤول عن تقويم سلوك زوجه وولده وعبده وأمته، حتى لو اضطر أن يستخدم في سبيل ذلك العصا [الضرب]، فقد أورد ابن كثير في تفسيره قول التابعي سعيد بن المسيب حين دفع ابنته إلى صهره بقوة حتى سقطت، موصياً إياه قائلاً: (إن رابك شيء منها فالعصا). وتعقب قرامي موضحة أن التأديب بضرب الزوجة، كان ممارسة شائعة عند عرب الجزيرة، كما كان الضرب أمراً معمولاً به لدى شعوب أخرى، إذ أقرت القوانين الآشورية تأديب الزوج زوجته بحلق شعرها، وقطع أذنها لاعوجاجها الأصلي وتحالفها مع الشيطان.

وعلى الرغم من أن الضرب قد ورد كوسيلة تأديب للزوجة الناشر ـ العاصية ـ في القرآن الكريم، {‏‏وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ‏} [‏النساء‏:‏34‏]‏ وجاء الفقهاء بعد ذلك بوضع ضوابط لهذا الضرب بألا يكون مبرحاً انطلاقاً من تقييد النبي صلى الله عليه وسلم للآية، كما في رواية مسلم (اضربوهن ضرباً غير مبرح)، ورواية البخاري عن عبد الله بن زمعة عن النبي عليه السلام قال: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها آخر اليوم). بالإضافة إلى أن قيمة العلاقة الزوجية في الإسلام قائمة على أساس المودة والتراحم وليس العنف: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21]، و {الطلاقُ مَرّتان فإِمْسَاكٌ بمعروف أو تَسريحٌ بإحسان} [البقرة :229]. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (خياركم خياركم لنسائهم)، وما روي عن البخاري ومسلم قوله عليه السلام أيضاً: (استوصوا بالنساء خيرا).

إلا أن بعض الفقهاء والمحدثين روجوا لأحاديث منسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، تشرع ضرب الزوجة بإطلاق دون قيد أو مساءلة إذا قصرت في الفرائض والطاعات، فقد سئل الإمام أحمد بن حنبل في الرجل يضرب امرأته، فقال: (لا ينبغي لأحد أن يسأله ولا أبوها لم ضربها)، وساق ابن قدامه في المغني تأييداً لمنحى الإمام أحمد ما روي عن الأشعث عن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تسألن رجلاً فيما ضرب امرأته)، وعن جابر قال عليه السلام: (رحم الله عبداً علق في بيته سوطاً يؤدب به أهله)، وقد تعقب علماء الحديث هذين الحديثين وحكموا عليهما بالضعف والانقطاع.

وهنا تؤكد قرامي أن وضع مثل هذه الأحاديث وشيوع شبيهها من الأقوال، يؤكدان أن (الإرث العربي يشرع لمن يعتبر نفسه السيد، تأديب من هو أدنى منه قيمة ومنزلة، وهنا يلتقي الأب والولي والمعلم والراعي في حق ممارسة العنف إما على الجسد أو النفس أو عليهما معاً، ويرتكز هذا العنف على مبدأ الذكورة الكاملة، فهي التي تمتلك القوامة على المرأة والابن وعلى العبد والأمة، وتتصيد الفرص لاستعراض القوة والهيمنة، إذ أن في اللين ضعفاً وفي الشراسة هيبة. وحين يقام التأديب على مرأى ومسمع بقية أفراد العائلة، فإنه يتحول إلى مناسبة لاستعراض الفحولة، ويتخذ “طابعاً فرجوياً” يشفي غليل المؤدب والمتفرج في آن واحد، ويجاوز التأديب حده لينقلب إلى تفريغ للعدوانية، وردع من تسول له نفسه خرق النظام وشق عصا الطاعة، وغالباً ما يكون هذا العنف فرصة للآباء والأزواج لشحذ هممهم وصقل ذكوريتهم).

خط مساندة الطفل

خط مساندة الطفل

ولذلك من الطبيعي أن تجد الأب يسلم ابنه للمعلم في بداية العام الدراسي قائلاً له: (خذ هذا ابني لك اللحم ولنا العظم)، الأب هنا بكامل المنطق الرجولي المتوارث يمنح المعلم المباركة المطلقة لممارسة العنف الجسدي والنفسي مع ابنه من أجل التأديب والتعليم، لأن الأب والمعلم في ذات المرتبة العلية التي تتحد فيها قيمة القوة والتملك التي تمنحهما الحق في استخدام العنف كأداة للتقويم والتعديل، بل على الصبي ألا يجزع ويتحمل ويصبر، وعد ذلك من مناقبه، كما يقول الغزالي: (ينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ والشغب، ولا يستشفع بأحد بل يصبر ويُذكر له أن ذلك دأب الشجعان والرجال وأن كثرة الصراخ دأب المماليك والنسوان).

وهنا يجدر التأكيد على أن الشواهد التراثية التي سبقت، لم تكن تدعم استخدام العنف الأسري لذاته، بل لأنه وسيلة لتحقيق غايات عدت نبيلة وشريفة ـ كتعزيز الشجاعة والقوة في نفس الطفل وإعداده للشدائد والتأديب، والضبط، والتقويم. لكن العربي كان يأنف من الرجل الذي يضرب امرأته وأطفاله بلا سبب، وعد ذلك ضعفاً ودناءة فيه، ويروى أن الصحابي قيس بن عاصم التميمي ـ سيد أهل الوبر ـ قد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، لأنه حين شربها ضرب ابنته، ولما رأى دريد بن الصمة ـ أحد شعراء الجاهلية وفرسانها ـ رجلاً يصفع امرأة في الأسر، قال له: شلت يمينك يا فتى اتصفع امرأة أمام ناظري!!

مناخات القوة المشروعة

مع نشأة الدولة الحديثة، وقيام مؤسسات الدولة بالمهام الأمنية والقانونية والاقتصادية في تواكب طبيعي مع تعقد الظاهرة الاجتماعية وتطورها، لم تعد تحفل مظاهر القوة والشجاعة الذكورية في أشكالها التقليدية بمكانتها كما كانت في السابق، لأن مفهوم القوة تغير مع التغير المدني، وأصبح بموازاته القوة المالية، والقوة العقلية، والقوة والاجتماعية، التي ربما لا تتطلب قوة جسدية أو شجاعة أو صلابة، فتغير شروط النفوذ وشروط السلطة في المجتمع الحديث، قد ساهمت بشكل واضح في تراجع وهج مفهوم القوة الكلاسيكي في الإرث العربي.

تم إنشاء ثمانية وثلاثون (38) مركزاً لحماية للطفل في جميع مناطق المملكة العربية السعودية في القطاعات الصحية المختلفة بعد مراجعة مطابقتها للمواصفات المعتمدة في الآلية من قبل اللجنة التنفيذية و يعمل بكل مركز منها فريق متعدد التخصصات

تم إنشاء ثمانية وثلاثون (38) مركزاً لحماية للطفل في جميع مناطق المملكة العربية السعودية في القطاعات الصحية المختلفة بعد مراجعة مطابقتها للمواصفات المعتمدة في الآلية من قبل اللجنة التنفيذية و يعمل بكل مركز منها فريق متعدد التخصصات

لكن المنظومة القيمية المتوارثة، لا يمكن أن تنفك عن المكون الذكوري بسهولة، حيث الانجذاب نحو القوة والشجاعة والبسالة والاقدام من صفات الرجل، ولذلك فإنه يحتاج للتعبير عنها وتأكيدها باستمرار لإثبات قيمه الذكورية، وفي الدولة الحديثة كمواكبة لتلبية هذا الاحتياج بشكل مشروع عند الرجل، تم تقنين الألعاب العنيفة بين الرجال، كالملاكمة والمصارعة، وفنون القتال، والألعاب التي تتطلب جهداً بدنياً عالياً كالرياضات التنافسية بكافة أشكالها، حيث يجد فيها ممارسوها ومشجعوها فرصة لإشباع الغليل الذكوري، ويمكن أن نسمي هذا المسار بالمناخات المشروعة للتعبير عن القوة والفحولة الذكورية، حين تكون محكومة بالقانون داخل إطار الدولة، وتوافق المجتمع، أما المناخات المتمردة وغير المشروعة في التعبير عن القيم الذكورية فتتجلي في تصرفات عصابات الإجرام والاعتداء والإيذاء، وجماعات العنف والشغب الخارجة عن القانون وغيرها.

هذا في المجتمع بشكل عام، لكن في داخل الأسرة الصغيرة حين يتحكم مفهوم القوة الجسدية والشجاعة الذكورية برب الأسرة، ويجد نفسه محاطاً بكمية من الإرث التربوي والمجتمعي التي تقدس من ذكوريته وفحولته وسلطته وتملكه، ثم لا يعبر عن هذا المكنون بداخله عبر المناخات المدنية القانونية، لأن إرثه الثقافي مازال متحكماً فيه، ومنظومته القيمية مازالت تستمد مرجعيتها من حكايات وتقاليد الماضي فإنه سيتجه بوعي أو بدون وعي للتعبير عن ذكوريته، من خلال توجيه العنف نحو أفراد أسرته من زوج وأطفال وخدم وغيرهم ممن هم تحت ولايته، وهنا يعود ويظهر تحالف قيمة القوة والتملك الذكوري مجدداً بصورته المتوارثة.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن القيم الذكورية العربية قد تكون في أصلها قيما نبيلة وشريفة، وتعتبر من محامد الإنسان ومناقبه أياً كان نوعه، لكن الإشكالية في التراكمات والاستخدامات المشوهة لهذه القيم من أجل تكريس سلطة جنس على آخر، وتشريع العنف المطلق تجاهه، دون أن يكون هناك فرز ومراجعة دائمة لتحولات هذه القيم وضبط وسائلها وفق أرضية قانونية عادلة تضمن الحقوق والواجبات.

تفكيك الإرث التاريخي، ومعالجة تشوهات المنظومة القيمية الذكورية، وتكييفها مع متغيرات الدولة الحديثة جهد ليس بالسهل، فما بني خلال مئات السنين بطبيعة الحال لا يمكن معالجته في سنوات قصيرة، لكن الالتفات له بشكل مبكر والاهتمام بالمراجعة الثقافية والنفسية والغربلة التراثية بالتوازي مع الجهود الاجتماعية، والتشريعات القانونية، والأجهزة الرقابية لظاهرة العنف الأسري، وتعزيز المساواة، والشراكة المجتمعية، وقيم المدنية الحديثة سوف تساهم بشكل كبير في الحد من مظاهر العنف الأسري.

عبدالله الرشيد

عبدالله الرشيد

أكاديمي وإعلامي سعودي. Rsheed5@gmail.com

More Posts - Twitter

شاركنا

3 تعليقات

  1. السلام عليكم يقول:

    عن أي بلد تتحدث ياهذا ؟
    للاسف فكرك مشوهـ كثيراً عن الذكورهـ وقد تحاملت عليها كثيراً لا اعلم ما السباب؟
    هل البيئه لها دور ؟ أم مواكبة موجات العصر وحديث الإعلام ؟

  2. huarab يقول:

    لم تتحدث عن 1919 ياليت ترجع للأرشيف وتراجع قصص غصون وشرعاء وكل الطفلات اللواتي قتلن او اصبن إصابات بالغه
    وتكمل الموضوع وأنا أحثك على التحدث مع مستخدمي العنف ومع معنفين ومعنفات للتحدث لو أردتا إكمال المقال أكثر وتتوسع
    حسابي @huarab

  3. [...] يمكنكم قراءة مقالة ممتازة هنا عن العنف الأسري في السعودية بقلم الأستاذ عبدالله الرشيد في مجلة [...]

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>


8 − = 2