د. رشيد الخيّون
التاريخ: : الجمعة, 11 مايو, 2012
1
طباعة طباعة

الجزيرة العربية.. آثار تغير ما سطره الجاحظ

الجزيرة العربية.. آثار لحضارات قديمة

الجزيرة العربية.. آثار لحضارات قديمة

زرت معرضاً تحت عنوان “روائع آثار المملكة العربية السعودية”، بمُتحف اللوفر بباريس، بالتنسيق مع الهيئة العامة للسِّياحة والآثار بالمملكة. بعد مشاهدة المعرض وما فيه مِنْ آثار حضارية، خاصة بالجزيرة العربية، لابد مِنْ مراجعة النَّظرة تجاه تاريخ هذه المنطقة، فالظاهر لنا أن هذه الأرض كانت خاوية لم تنشأ عليها حضارة حجرية أو طينية، قبل الإسلام. إنما هي خيام مِنْ الوبر ليس فيها سوى حضارة الشِّعر المحفوظ في الصدور، وما وجد مِنْ خطوط على القبور قديماً مِنْ خط المسند هي نوادر مما تبقى. يختصر الجاحظ (ت 255 هـ) تاريخ تلك الحضارة بالقول: “إلا إذا استظهرنا الشعر العربي، وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام”(كتاب الحيوان). وأرى أن اكتشاف هذه الآثار يغير ما في سطره الجاحظ عنها، فهي عشرات القرون لا قرن ونصف حسب ما قرأنا له.

حوى المعرض تماثيلَ صخريةً عملاقةً، يرقى زمنها إلى آلاف السنين، وأواني ووسائل حياة لها صلة مباشرة مع حضارة وادي الرافدين، والبحر المتوسط عموماً، وهناك مِنْ الأثر الإغريقي، مسكوكات ورسائل. لكن المثير في المعرض هو شواهد القبور، وكيف حفظت بعد إزالة القبور نفسها!

لا أدري ما هي دقة ما نقش عليها مِنْ الأسماء، فواحد منها لرقية بنت علي، والمصدر هو مقبرة العلا بمكة، منقوش بكتابة غير معجمة، ومعنى ذلك أنه يرقى إلى القرن الهجري الأول، لكن كيف ورقية، إذا صحت أنها ابنة علي بن أبي طالب يُزار قبرها بالشَّام! أو أنه يكون لرقية أخرى. أما بقية الشواهد فترقى إلى العصر العباسي بين 500 – 600 هـ، لفقهاء وعلماء ووجهاء. مثلاً: علي بن عبد الرضا بن الأشج (1085 ميلادية). وجمال الدِّين بن محمد (1196 ميلادية). وأبو بكر الطبري (1217 ميلادية).

لكن الأهم مِنْ هذا هو حضارة ما قبل الميلاد، وما كُشف تحت رمال مدائن صالح، وقرية الفاو، ونجران، وتيماء، والقطيف وغيرها. إن أثراً مثل الأخدود بنجران، وما جاء في الآية: “قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ”(البروج: 4-6)، وما حصل لمسيحيي نجران فيها، لم تكن قصته بعيدة عن تاريخ الإسلام. وقد رصد الحدث تاريخياً عدد مِن الباحثين في كتاب “قديسات وملكات مِن المشرق السِّرياني وجزيرة العرب”(قَدْمُس للنشر والتّوزيع 2000)، وكم تكون مثيرة أي قطعة أثرية لهذا الحدث.

تعطي الآثار المعروضة فكرة عن الاتصال الحضاري بالمنطقة، فعندما نقف على خرائب بابل أو الاهرامات بمصر، تبدو لك الحضارتان محصورتين في هذين المكانين، فلا نتوقع أن الحضارة السومرية وصلت إلى البحرين حيث دلمون هناك، وقبورها المقببة. ولا الحضارة المصرية وصلت إلى العراق والجزيرة، عن طريق التجارة أو الدبلوماسية، وإلا ماذا يعني العثور على أثر مصري تحت تراب مدينة دهوك بشمال العراق مثلاً! كيف يُعثر على القلائد والأواني الرَّافدينية بقرية الفاو السعودية أو تيماء! وماذا تفعل رسالة الإمبراطور اليوناني تحت تراب الجزيرة، وهي رسالة شكر إلى هذا الإمبراطور على عمران قرية مِن القرى، وباللغة اليونانية.

كان هناك حاجب على هذه الآثار في المنطقة عامة، حتى بدأ التعامل بها حذراً لفكرة تقول: إن أحجار الماضي ما هي إلا أصنام. أتذكر عندما أقمنا أسبوعاً لمصورات الحضارة السُّومرية (1993) بديوان الكوفة بلندن، وقف أحد العراقيين الدارسين علم الأحياء بهاجسه الدِّيني مشيراً إلى تلك المصورات بالأصنام.

آيات قرآنية خطت بماء الذهب

آيات قرآنية خطت بماء الذهب

تأخرنا عن الاهتمام بالآثار، فسح المجال لنقل آثار بابل وسومر وآشور إلى المُتاحف الأوروبية، حيث كانت حركة الأكلاك (السفن) مستمرة، وبفرمانات عثمانية، لكن بعد أن حصل ما حصل للأثر العراقي حمدنا الله أنها في الحفظ والصَّون بمتحف اللوفر، حيث تحفظ مسلة حامورابي الأصلية، وبالمتحف البريطاني الثيران المجنحة والقيثارة السومرية، وببيركامون ببرلين بوابة عشتار بألوانها الطبيعية، وقبر نبو خذنصر.
فعلى الرَّغم مِنْ عظمة الآثار العراقية لم يستدل العراقيون إلى حفظ أثر مِنْ آثارهم، إلا بجهود البريطانية المس بيل (ت 1926)، وفي غرفة صغيرة افتتحت لهذا الغرض، بينما نحن لمئات السنين نخلع مِنْ أحجار بابل وطيسفون، مِنْ دون علم إنها الأنفس. فكاد طاق كسرى يُهدم لولا مشورة الوزير البرمكي التي أشار بها على الرَّشيد(ت 196 هـ) منعه مِن هدمه (الجهشياري، الوزراء والكتاب). مع أن بابل وسحرها، وهو غير: “هَارُوتَ وَمَارُوتَ”، كان معروفاً ومتداولاً في الحضارة العباسية، سواء كان في الشِّعر أو حكايات العجائب (المسعودي، مروج الذَّهب).

عندما عمدت طالبان لهدم تمثالي بميان البوذيين، وهما ما قرأنا حولهما في “معجم البلدان” للحموي (ت 626 هـ) حاول فقهاء مسلمون، ومِنْ بينهم الشيخ يوسف القرضاوي وآخرون، صرفها عن هذا الفعل، فما موجود هو فن محفور في الحجارة، يأتي منه الرِّزق الوفير للشعب الأفغاني، وأن لا أصنام سوى ما كُسر عند فتح مكة (8 هـ)!

تشكلت أول دائرة للآثار بالمملكة العربية السعودية 1963، ثم جاء المسح الأثري، وصدرت قوانين تنظم مهمات تلك الدائرة، التي كان شأنها شأن مديرية الآثار بالعراق تابعة في أول أمرها لوزارة المعارف. حالياً ألحقت بهيئة السياحة، وصار مِنْ المناطق الأثرية تحت رعاية “اليونسكو”، واتجه الاهتمام بالأثر كثروة وطنية، لكن بحذر مِنْ عقدة الأصنام.

للجاحظ أيضاً عبارة تشجع على الحفر بباطن هذه الأرض، ففيها ما قد يغير قراءة التَّاريخ، قال: “كانوا يجعلون الكتاب حفراً في الصخور ونقشاً في الحجارة”(كتاب الحيوان)، وما أدراك! فلعل تلك الصخرة المنحوتة تمثالاً هي صفحة الكتابة. حفز التسابق الغربي على الأثر، أحمد شوقي (ت 1933) فقال: “أمن سرقَ الخليفةَ وهو حيٌ .. يعفُ عن الملوكِ مُكفنينا”! لكن هذا القلق انتهى بعد أن عرفنا الطريق، وميزنا بين الصنم والأثر، وإلا ستذهب كنوز الأولين مما لا يقدر بثمن هدراً.

د. رشيد الخيّون

د. رشيد الخيّون

باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

More Posts

شاركنا

تعليق واحد

  1. Saad يقول:

    مقال رائع وهذا نتاج المعرض المتنقل للآثار السعودية

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>


− 4 = 0