د. رشيد الخيّون
التاريخ: : الجمعة, 8 يونيو, 2012
0
طباعة طباعة

ماء العِراق .. سدود تركيا وحِصار إيران!

الأهوار.. وصل الحال إلى مرحلة العطش!

الأهوار.. وصل الحال إلى مرحلة العطش!

ليس أشهر حتى أعوام مضت مِن ماء العراق، فلو نظرت في التَّاريخ لوجدته حاضراً، وإن نظرت في الشِّعر لطربت لمَن قالو فيه، ولو نظرت في الأدب لتعجبت مِن غزارته وأثره في النُّفوس. فمِن متعلقات الماء الأرض الخضراء، ولشدة خضرتها قالوا عن بلاد العِراق أرض السَّواد.

تترك البيئة المائية عادة أثرها في نفوس أبنائها، عبّر عن هذا التعلق المتصوف فريد الدين العطار (ت 627 هـ) في “منطق الطير” فصل (عذر البطة)، تخيل فيه حواراً جرى بين البطة وبين الهدهد.

قالت البطة معتذرة للهدهد الذي طلب منها هجر الماء: “إن مولدي ووجودي متعلقان بالماء، وإن اغتم قلبي في هذا العالم، فسرعان ما أغتسل من هموم القلب، حيث الماء متوفر لديَّ على الدوام”.

أجابها الهدهد: “إن الماء يحيط بروحكِ كما تحيط بها النار، كم يطيب لك النوم على الماء، ولكن ستأتي قطرة ماء وتسلبك ماء حياتك. لقد وجد الماء من أجل الوجوه الدنسة”. قالت البطة معتزة ببيئتها: “من يعيش معتمداً على الماء، لا يستطيع أن ينفض يده من الماء” (العطار، منطق الطَّير).

وللرحّالة المغربي ابن بطوطة (ت 779 هـ) وصف بليغ للأرض الغزيرة الماء، قال: “سئمت أرضُها كثرة الماء، حتى اشتاقت إلى الظَّماء” (الرِّحلة).

ومِن قراءة وسِماع ورؤية أجد العبارة تعني كل قرية مِن قرى العِراق، وبالفعل مساحات شاسعة مِن أراضيه كانت تشتاق إلى الظَّماء، وهو في لغتهم “الصَّيهود، والفيضان “الخنياب”. فبعد انقضاء موسم الخنياب توهمك الأرض أنها بشتياق للبذور، بعد أن غسلت ملوحتها، واكتنزت ما يرويها.

أضفى أبو الحسن المسعودي (ت 346 هـ) في صلة الماء بأهل العِراق: “اعتدلوا في الجبلة، كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بمحاسن الأمور، وكيف لا يكونون كذلك وهم أرباب الوافدين وأصحاب الرافدين من دجلة والفرات” (التَّنبيه والإشراف).
وقال أَعشى قَيس الأكبر (ت 629 ميلادية) في خير العِراق القديم (اليسوعي، شعراء النَّصرانية قبل الإسلام) مِن مائه لا نفطه:

طَعَامُ العِراقِ المُستفيضُ الذَّي ترى

وفي كُـلِّ عَـامٍ حُلَّـــــةٌ ودَراهــــمُ

ولزُّهير بن أَبي سُلمى (ت 609 ميلادية) في معلقته:

فَتُغْلِلْ لكُ ما لا تُغِلُّ لأَهْلِها

قُرَّى بالعِراقِ مِنْ قَفيزٍ وَدِرْهَمِ

على أية حال، الحديث عن ماء العراق في كتب الأقدمين لا ينتهي، وعلينا في الحاضر. حقيقة لا مجاز، وصدق لا ادعاء، أن العواصف الترابية التي تهيج على العِراق وعلى الدُّول المجاورة، وحسب اتجاه الرِّيح، هي لنقص ماء دجلة والفرات، ولجفاف الأهوار، تلك الواحة الشاسعة وسط أرض تجدها بيداء لو دققت في ثناياها، تلك الواحة التي حوت نباتاً وطيراً وحيواناً لا مثيل لها في العالم، وها هي الآن تحتضر، أولاً بسبب السِّياسة الرَّعناء وثانياً بسبب سد روافد الماء مِن الجارين، الشَّرقي والشِّمالي.

ولو عَلمت الدول الأخرى المجاورة للعراق بانعكاسات قلة الماء بالعراق على بيئتها لتولت الأمر كقضية مِن قضاياها.

لذا لا تبدو هذه النزاعات مع الجيران نزاعات سهلة، سواء كانت مِن الأعالي حيث منابع دجلة والفرات إلى مصبهما حيث شط العرب، الذي “يمتد لمسافة 110 كيلومترات حيث يصب في الخليج العربي عند مدينة الفاو” (دليل الجمهورية العِراقية لسنة 1960). فالسدود العملاقة، وآخرها سد (لسو) على نهر دجلة، بعد أن كثرت السُّدود على الفرات.

مِن جانبها إيران، حسب الأخبار، قد أغلقت اثنين وأربعين نهراً ونهيراً يصب في شط العرب ويغذي الأهوار مِن الجهة الشَّرقية، حتى صعدت ملوحة الماء إلى مستوى خطير جداً، هدد الزِّراعة والبيئة المائية بشكل عام. فهناك قرى في الداخل العراقي المجاور لإيران تركها أهلها بسبب العطش، ومناطق مثل بدرة وجصان تستغيث ولا تغاث مِن شحة الماء.

لقد وصل الحال إلى مرحلة العطش، وغدت الشَّراكة في الماء مهددة. وصل الأمر إلى حراك النَّاس قبل الحكومة.

فما شهدته مدينة خانقين مِن احتجاج سلمي، جرى بمودة للشَّعب الإيراني الجار، حيث اضطر الأهالي إلى الوقوف عند معبر المنذرية الحدودي، يُذكرون بعطشهم وذبول بساتينهم وذواء حقولهم لجفاف نهر الوند المعروف.

هناك استغلال لضعف العِراق، وتشتت ولاءات السياسيين، فليس هناك موقف حازم تجاه التلاعب بماء العراق، ونحن نعلم والقانون الدِولي معروف، أن الماء حق الدول مِن المنبع إلى المصب، وليست مِن حق دول المنابع فقط، وهذا النِّيل يجري عبر كذا عدد مِن الدول ويصل مصر مِن دون نقصان، فعجباً، الوضع مع العراق مختلفاً.

قرأت في الكتاب المقدس لديانة المندائية بالعِراق، ما نصه: “كل مَن عملَ باطلاً سيبقى هنا… مكبلاً بعذاب ربه إلى أن يجف الفرات مِن منبعه إلى مصبه.

ويجري دجلة خارج مجراه، إلى أن تجف جميع المياه في البحار، وفي الجداول والأَنهار والعيون والآبار بعدها”(كتاب الگنـزا ربا، التَّسبيح الثَّامن).

ولجميل صدقي الزَّهاوي (ت 1936) توقعاً لا يبتعد عمَّا هو آت لا محالة (سوسه، فيضانات بغداد):

إن بين النهرين والأرض تشقى

لجنانا تبدلت فلوات

حييت بالعُمران دهراً طويلاً

ثم ماتت مِن بعد تلك الحياة

د. رشيد الخيّون

د. رشيد الخيّون

باحث عراقي متخصص في الفلسفة الإسلامية. من كتبه "100 عام من الإسلام السياسي بالعراق".

More Posts

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>