التاريخ: : الخميس, 28 فبراير, 2013
0
طباعة طباعة

التسامح هو العنصرية!

أدونيس: المطلوب هو المساواة لأن التسامح أصبح عنصرية

من القهر الذي يصيب الإنسان العربي اليوم أن يجد من يتفضل عليه بالاحترام والتسامح والقبول به، كأنما هي مجموعة فضائل يتسم بها الآخر، وأخلاقيات تستوجب المديح، في زمن تشريع الزواج المثلي لازالت المرأة العربية تقع في غرام شيخ يحترم كونها إنسانة تستحق أن تسأل عن رأيها في الزواج، في زمن يحفظ حق المجرمين في المحاكم العادلة لا زال المواطن يمجِّد الناشط الذي لا يمل يكرر “أحفظ له حق الرد” كأنما يتكرم بها من دماثة خلقه، إنه القهر العربي اليوم أننا لا نزال نجد القبول بإنسانية الآخر من الأخلاق الحميدة لا شرطاً منتهياً لا مزايدة فيه.

مشكلة الذهنية العربية أنها متورطة لغويًّا بالأخلاقيات والحكمة، ليس وحده المواطن نادل المقهى الشعبي من يمتن لزبائنه المحترمين في طريقة طلب القهوة، بل إنه حتى الناشط الحقوقي السياسي والداعية الثوري يتبادلان المدائح في احترام بعضهما البعض، يزايدان على الصمت في الرذيلة الاجتماعية بكل ألفاظ ومفردات الأخلاق، تتطاير في الصحف والقنوات عبارات من نوع “أحترم فلان وأختلف معه، فلان رجل دمث الأخلاق، نقدر الأقليات ونؤكد لهم أنهم مواطنون مثلنا، لا نشك في وطنية الليبراليين لكننا نأخذ عليهم” تتكرر مثل هذه التعبيرات الملوثة بالتسامي الأخلاقي على مسامعنا كل يوم، فنعرف تماماً ماذا يعني “أدونيس” عندما يقول: “المطلوب هو المساواة لأن التسامح أصبح عنصرية”.

المواطن العربي المحكوم بهذه الذهنية، لا يزال يفاضل بين الدعاوى المختلفة على أساس هذا التلوث الأخلاقي، هل يجوز لنا في القرن الواحد والعشرين أن نستأمن على مستقبلنا ساسة ونشطاء لا يملون التأكيد على وطنية الآخر في بداية أيِّ خطاب أو في ختامه، في محاولة مقيتة لتبييض خطاباتهم المترسة بالعنصرية والكراهية، هل يجوز أن نقرر اختياراتنا على مقياس هذه المفردات التي تقدم كشهادات براءة من التكفير والتخوين في مثل تلك الخطابات، وكيف يمكن أن ندرك ونحن نخسر ملايين الأرواح والأنفس في مهرجانات ثورية أننا مازلنا نكذب الدم لنصدق التفاضل الأخلاقي في سوق هذه المفردات.

لم يعد مقبولاً أن نفصل بين المواظبة على العمل وبين قيمة الإنسان الأخلاقية، بينما نقبل -بكل فجاجة- أن نفصل بين الدم الذي يسيل في شوارعنا وبين خطابات تتوجها مفردات التسامح والقبول والاحترام، أن نفصل بين فتوى الردة وبين حسن خلق الابتسام في وجه الكاميرا، ليس مقبولاً أن نعتبر احترام الرأي للرأي الآخر خلقًا لا شرطًا في الحوار، وأن أيَّ كلمة تشي بالتفضل باحترام الرأي الآخر ليست إلا مزايدة لا أخلاقية، إننا في زمن يجب أن نعتبر فيه أي حديث عن الاحترام للآراء المختلفة هو مجرد تعبير لا مباشر عن إمكانية عدم الاحترام، وهو يعني عدم الاعتراف بحرية التعبير شرطًا غير قابل للتفاوض، بل مجرد فضيلة يمكن التخلي عنها.

أن يبدأ السياسي الأمريكي أو الأوروبي أو الياباني حواره مع الأفريقي بأنه يحترم الإنسان الأسود فهي كارثة أخلاقية لا تحدث، وإن حدثت فهي تنهي مسيرته العملية؛ لأنه من المفهوم تمامًا أنه اعتراف ضمني بالعنصرية، بأن الأبيض يحقق أفضلية على الإنسان الأسود مما يجعل احترامه له تفضلاً عليه، بينما أن يباشر المسؤول في الحكومة المصرية اليوم بأن المواطن القبطي هو مواطن مصري فهذا يرفع من أسهمه، ويمد في عمر منصبه، ويبارك في شعبيته عند الشارع وفي الإعلام، وحتى في قلب المثقف الناقد الذي سيكتب مقالة عن فضيلة احترام القبطي !
ليس الاحترام ولا القبول بالآخر ولا التسامح معه بفضيلة ولا بخلق، إنها حقيقة غير قابلة للتفاوض ولا المزايدة، إنها حقيقة أن الإنسان المصري مواطن دون أن يكون لديانته أي معنى في وطنيته، وأن الإنسان إنسان دون أن يكون لجنسيته أي معنى في إنسانيته، وأن يكون الرجل والمرأة عاقلين دون أن يكون لجنسهما أي معنى في العقل، إنها حقيقة لا أخلاق نحمد أنفسنا أو الآخر عليها.

لمياء السويلم

كاتبة وناقدة اجتماعية سعودية lamia.swm@gmail.com

More Posts

شاركنا

أكتب تعليقا

يمكنك استعمال <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>


4 + 1 =