استراتيجية بايدن للامن القومي: تراجع الشرق الاوسط والصين وروسيا خصمان

 الولايات المتحدة تدفع نحو إنشاء هيكل للأمن الاقليمي يتضمن إسرائيل 

أندريه كوجوكارو
أندريه كوجوكارو

استراتيجية بايدن للامن القومي: تراجع الشرق الاوسط والصين وروسيا خصمان

بعد فترة انتظار وترقب، أصدرت إدارة الرئيس جو بايدن في 12 أكتوبر/ تشرين الأول استراتيجيتها للأمن القومي.

وقد طال انتظار الاستراتيجية هذه لأن العادة جرت على أن الإدارة الجديدة تصدر استراتيجيتها للأمن القومي خلال عامها الأول في الحكم. أما هذه المرة، فقد تم تأجيل الإصدار لأسباب متنوعة، على رأسها الآثار الدولية لوباء كوفيد 19- والحرب في أوكرانيا. لذلك فإن الاستراتيجية التي صدرت بعد ما يقرب من 20 شهرًا من تنصيب الرئيس بايدن ، جاءت لتأكيد السياسات التي تنتهجها الادارة بالفعل.

كما انها كانت مترقبة لتطلع الكثيرين الي تأكيد من أن عددا من سياسات ادارة ترمب تم التراجع عنها سواء كان ذلك بشأن إيران أو كوريا الشمالية أو حلف شمال الأطلسي أو القضية الفلسطينية.

وعلى الرغم من أن موضوع هذه المقالة هو سياسة ادارة بايدن تجاه الشرق الأوسط كما ورد في وثيقة الاستراتيجية، الا انه من المفيد عرض تلك السياسة في إطار السياق العام للإستراتيجية وبصفة خاصة علاقات واشنطن مع منافسَيْها وخصميها الرئيسيين روسيا والصين.

الاستراتيجية انعكاس لرؤية الادارة

بداية، فإن وثيقة استراتيجية الأمن القومي هي انعكاس لرؤية الادارة لكيفية تحقيق المصالح الاميركية التي هى في الاساس داخلية في ظل بيئة دولية متغيرة وغير مستقرة وتكون عدائية في بعض الاحيان.

كما تعكس هذه الاستراتيجيات، بشكل او بآخر السمتين الرئيسيتين اللتين تتصارعان على تحديد السياسة الخارجية الأميركية، وهما المثالية والواقعية والتجاذب المستمر القائم بينهما، حيث تميل استراتيجيات الديمقراطيين الى المثالية بينما تكون الجمهوريين أكثر واقعية. كذلك تتعرض الإستراتيجيات لمسألة الريادة الاميركية على المستوى العالمي وكيفية الحفاظ عليها، كمًا انها تتضمن رسائل إلى الحلفاء والخصوم في آنٍ واحد بالاضافة الى عرض للسياسات التي ستتبعها الولايات المتحدة لنشر قيم الحرية والديمقراطية في العالم. الواقع أن تلك الاستراتيجيات تعمل على تشكيل البيئة الخارجية على النحو الذي يدعم رفاهية المواطن الاميركي.

إدارات باستراتيجيات مختلفة

منذ عام 1987 و بناء على طلب من الكونغرس، تصدر الولايات المتحدة استراتيجيات للأمن القومي، حيث صدرت خلال الفترة 2002 -1987 مثل هذه وثيقة كل عام او عامين. لكن بعد ذلك و منذ عام 2006 كانت الاستراتيجيات تصدر بوتيرة أقل بمعدل وثيقة واحدة لكل ادارة و عليه تكون الولايات المتحدة أصدرت 18 إستراتيجية تغطي فترة حكم ستة رؤساء بما فيها الرئيس الحالي.

اشتهرت استراتيجية الرئيس جورج بوش الابن بإدخال عقيدة "الحرب الاستباقية" التي استُخدمت في تبرير غزو العراق ومهدت الطريق لما سمي بـ "الحرب على الإرهاب" التي استمرت لمدة تجاوزت رئاسته وألقت بظلالها القاتمة على من تبعه من رؤساء.

أما استراتيجية الرئيس أوباما، فقد جاءت متوافقة مع النزعة المثالية للحزب الديمقراطي بطموحها في حماية العالم من خطر الأسلحة النووية والسعى إلى توسيع إستخدام القوة الناعمة الاميركية للتغلب على الفقر والمرض على مستوى العالم.

ثم جاءت استراتيجية الرئيس ترامب التي تمحورت حول مفهوم "اميركا أولاً"، بمعنى أن الولايات المتحدة ستسعى وراء تحقيق مصالحها الوطنية من دون الاكتراث بمصالح حلفائها و شركائها. ،كما أعلنت أن حقبة مكافحة الإرهاب انتهت ليحل مكانها حقبة تنافس القوى العظمى و تحديدا مع الدول "المُراجِعة" Revisionist التي تطالب باعادة النظر في النظام الدولي القائم.

وتؤكد جميع استراتيجيات الأمن القومي أن الولايات المتحدة تعمل في بيئة دولية تشمل خليطا من الحلفاء والشركاء والمنافسين والخصوم. وفيما تقوم تلك الاستراتيجيات بوضع تصور للسياسات العامة على المستوى الدولي، الا انها تقوم أيضًا بتكييف تلك السياسات لتتناسب مع مناطق محددة تمثل أهمية خاصة للولايات المتحدة.

حلفاء الولايات المتحدة لم يتغيروا منذ عقود، وهم بالأساس أولئك الذين يشتركون معها في اعلاء قيم الحرية والديمقراطية وغالبيتهم في أوروبا وحول شواطئ المحيط الهادئ.

أما الخصوم والمنافسون الرئيسيون للولايات المتحدة، فهم دائما الاتحاد السوفياتي السابق، وروسيا حاليا والصين.

ليس من المستغرب إذًا، أن أول وثيقة استراتيجية للأمن القومي والتي أصدرها الرئيس ريغان عام 1987 كانت سلبية للغاية تجاه الاتحاد السوفياتي. غير انه بعد عام واحد فقط اعترافًا بالإصلاحات التي قام بها الزعيم السوفياتي غورباتشوف، عكست الاستراتيجية التي صدرت في عام 1988 تحولاً إيجابيا تجاه موسكو. واستمر ذلك التحول في عهد الرئيس جورج بوش الأب الذي أصدر ثلاث استراتيجيات، في أعوام 1993، 1991، 1990 خلال ولايته الوحيدة للأخذ في الاعتبار التحولات الدولية الناتجة عن انهيار الاتحاد السوفياتي. و خلال عهد الرئيس كلينتون، وصفت استراتيجية عام 1994 روسيا بالشريك للولايات المتحدة، غير أن روسيا بدأت فقدان تلك الوضعية تدريجيًا منذ وُضعت استراتيجية أوباما التي أصدرها في عام 2015 في أعقاب أزمة أوكرانيًا عام 2014.

استراتيجية بايدن

أما استراتيجية بايدن، فإنها تصف روسيا بأنها "متراجعة ومنهكة"، وأنها "تشكل تهديدًا مباشرًا ومستمرًا لنظام الأمن الإقليمي في أوروبا، ومصدرًا للاضطراب وعدم الاستقرار على مستوى العالم".

بالتوازي، تعرّض موقف الولايات المتحدة تجاه الصين لتغير تدريجي ليعكس المكانة والأهمية العالمية المتنامية لبكين، حيث وُصفت الصين في استراتيجية أوباما لعام 2010 بأنها مجرد "مركز تأثير"، وبحلول عام 2015 وصف التعاون بي الولايات المتحدة و الصين بـ"غير المسبوق". أما استراتيجية ترامب التي صدرت عام 2017، فاعتبرت الصين "تحديًا لقوة و نفوذ و مصالح أميركا". وأخيرأصبحت الصين في استراتيجية بايدن، المنافس الأكبر للولايات المتحدة.

المناطق التي تمثل الأولويات الرئيسة للولايات المتحدة، لم تتغير كثيرًا. فهى دائمًا أوروبا وشرق آسيا (أو ما عرف فيما بعد باسم منطقة المحيطين الهادئ و الهندي). وبطبيعة الحال، فإن منطقة الشرق الأوسط حاضرة، لكنها متأخرة في الترتيب. وقد جاء الاستثناء لتلك الحالة حينما جرى التأكيد على أهمية تلك المنطقة خلال ذروة ما أطلق عليه "الحرب ضد الارهاب" ابان حكم الرئيس جورج بوش الابن في الفترة 2009 - 2001 .

تصف استراتيجية بايدن روسيا بأنها "متراجعة ومنهكة" وأنها "تشكل تهديدًا مباشرًا ومستمرًا لنظام الأمن الإقليمي في أوروبا، ومصدرًا للاضطراب وعدم الاستقرار على مستوى العالم"

وعلى عكس الاستراتيجيات السابقة، تتعمق استراتيجية الرئيس بايدن في تناول آليات النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة،  في الوقت الذي توصّف العالم  بأنه بات أكثر انقسامًا واضطرابًا مع الإقرار بأن الولايات المتحدة لا تزال القوة الرائدة في العالم في بيئة دولية أكثر تنافسية.

وتعكس الإستراتيجية التجاذب المستمر بين المثالية والواقعية في السياسة الاميركية من خلال محاولة التعامل مع معضلة كيفية الحفاظ على الريادة الأميركية مع الاعتراف بتضاؤل قدرتها على التأثير على البيئة الدولية . وترى الاستراتيجية أن التنافس الجيوسياسي في الساحة الدولية  يتمثل في تحديين استراتيجيين متشابكين.
الأول هو التنافس بين القوى الكبرى التي تمثل النظم الديمقراطية من جهةٍ و النظم المستبدة من جهةٍ أخرى لتشكيل النظام الدولي المستقبلي. 
والثاني هو مواجهة التحديات  الكونية المشتركة، مثل تغير المناخ وأزمة الأمن الغذائي، ومكافحة الأوبئة  والإرهاب، ونقص الطاقة، والتضخم.

ويعتمد تنفيذ استراتيجية الرئيس بايدن على ست ركائز:عدم الفصل  بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية للولايات المتحدة؛ الإعتماد على التحالفات والشراكات؛ أن الصين تمثل التحدي الجيوسياسي الأخطر؛ أن كل من إيران وكوريا الشمالية تنتهجان سياسات عدوانية تزعزع الاستقرار؛ أن واشنطن لن تفرض أية  شروط في التعامل مع الدول؛ ان العولمة في حاجة إلى تعدي. وأخيرًا، المؤسسات الدولية بما في ذلك الأمم المتحدة، تحتاج إلى  تحديث ودعم.

وبالانتقال إلى المنافسَين الرئيسين للولايات المتحدة، أي الصين وروسيا، تدرك الاستراتيجية أنه في حين التحالف بينهما يزداد قوة، الا أن التحديات التي يمثلانها مختلفة، حيث تشير  الاستراتيجية إلى أنها "ستعطي الأولوية للحفاظ على ميزة تنافسية دائمة إزاء الصين مع العمل على وضع قيود على حركة روسيا التي لا تزال شديدة الخطورة".

ورغم أن الاستراتيجية ترى أن القوة الناعمة لروسيا ونفوذها الدبلوماسي قد تضاءل، إلا انها تعتبر أن موسكو لا تزال تشكل تهديدًا مباشرًا ومستمرًا لنظام الأمن الإقليمي في أوروبا ومصدرًا للاضطراب وعدم الاستقرار على مستوى العالم.

أما الصين فإن استراتيجية ادارة بايدن نظر إليها على أنها تتجه نحو "الحكم الاستبدادي وتتبع سياسة خارجية مناوئة"، وأنها "المنافس الوحيد الذي لديه نية لإعادة تشكيل النظام الدولي، ويتمتع بالقوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية اللازمة لتحقيق هذا الهدف."


الشرق الأوسط


بالانتقال إلى  موضوعنا الرئيسي من هذه المقالة، أي الشرق الأوسط، تؤكد استراتيجية بايدن أن المصالح الجوهرية للولايات المتحدة في المنطقة تظل كما هي: النفط وأمن إسرائيل وحرية الملاحة والاستقرار، ثم تأتي مكافحة الإرهاب وقضية منع انتشار الأسلحة النووية وإن كانت إسرائيل مستثناة من ذلك بالطبع.
الآن وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة مُصدِّرة للنفط والغاز وبعد أن أصبح التفوق العسكري الإسرائيلي مضمونًا، ومع تحول ظاهرة الإرهاب إلى إرهاب محلي يكاد يكون مقصورا على الشرق الاوسط وفي منطقة الساحل الأفريقي، فإن استراتيجية بايدن تعترف ضمنيًا بأنه لا يوجد في المنطقة ما يشكل تهديدا مباشرا للمصالح الحيوية الاميركية. 

وتبدو الاستراتيجية أكثر واقعية من حيث إنها "تتجنب عن عمد استخدام التصورات الكبرى وتركز على الخطوات العملية التي يمكن أن تعزز المصالح الاميركية"، حيث تؤكد أن الولايات المتحدة لن تسعى إلى تغيير المجتمعات وتحديدًا من خلال تغيير النظم الحاكمة بالقوة العسكرية. 

تقر الاستراتيجية بأوجه القصور الهيكلية في المجتمعات والأنظمة السياسية التي يُتوقع أن تستمر وبالتالي فهي تكتفي "بتشجيع الإصلاح"، وتقر أيضا أن النزاعات ستستمر، وأن الولايات المتحدة سوف "تساعد" فقط في "إيجاد حلول لها". 

وكذلك تقر الاستراتيجية بأوجه القصور الهيكلية في المجتمعات والأنظمة السياسية التي يُتوقع أن  تستمر وبالتالي فهي تكتفي "بتشجيع الإصلاح"، وتقر أيضا أن النزاعات ستستمر، وأن الولايات المتحدة سوف "تساعد" فقط في "إيجاد حلول لها". 

ومقارنة بالاستراتيجيات الثلاث السابقة التي صدرت في عهود الرؤساء السابقين - ترامب في 2017 وأوباما في 2010 و 2015   فإن القسم الخاص بالشرق الأوسط في هذه الاستراتيجية يبدو أفضل بناءا، حيث يقدم إطارًا للسياسة العامة بشأن المنطقة يقوم على أساس أولويات واضحة وهي: تعزيز الشراكات وبناء التحالفات؛ حرية الملاحة، مع إشارة واضحة إلى كل من مضيقي هرمز وباب المندب؛ الحد من تصعيد النزاعات ودعم إيجاد حلول لها عندما يكون ذلك ممكنًا؛ والتكامل الإقليمي. أخيرًا وبشكل يكاد يكون عابرا تعزيز حقوق الإنسان.

أما فيما يتعلق بالمقاربة العسكرية للولايات المتحدة، فإن التركيز هو على الردع وتعزيز قدرة الشركاء، وتمكين التكامل الأمني الإقليمي، ومواجهة التهديدات الإرهابية.  وذلك بهدف الحد من التوسع العسكري للأطراف الخارجية في المنطقة من دون الإشارة الى هذه الأطراف بعينها وان كان يفترض أن المقصود هما روسيا والصين لكن بدرجة أقل.

السياسة الوحيدة التي  أبقت عليها الاستراتيجية من بين تلك التي إتبعها الرئيس ترامب فهي "تعميق علاقات إسرائيل المتنامية مع جيرانها والدول العربية الأخرى، ويشمل ذلك الاتفاقيات الإبراهيمية" و"الإلتزام الصارم بأمن إسرائيل".

 أما ما اختلفت فيه استراتيجية بايدن عن تلك الخاصة بترامب، فكان حول القضية الفلسطينية.  ففي الوقت التي تبنت استراتيجية ترامب الموقف الاسرائيلي من ان القضية الفلسطينية ليست هى أساس عدم الاستقرار في المنطقة وتجاهلت حل الدولتين، تجاهلت استراتيجية بايدن الموقف الاسرائيلي وأعادت التأكيد على الموقف الاميركي التقليدي المتمثل في تعزيز "حل الدولتين بشكل قابل للنجاح، مع حفاظه على مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، مع تلبيته لتطلعات الفلسطينيين في قيام دولة آمنة وقابلة للحياة على أساس خطوط حزيران/ يونيو 1967"." والملفت أنها لم تتطرق سواء بالسلب أو بالإيجاب إلى قضية القدس، التي اعترف بها ترامب كعاصمة لإسرائيل.

وعندما يتعلق الأمر بإيران، ونظرًا لطبيعة عملية التفاوض الجارية، تؤكد الاستراتيجية الرغبة في مواصلة الدبلوماسية لمنع طهران من الحصول على أسلحة نووية، مع التنويه إلى أنها "مستعدة لاستخدام وسائل أخرى"، في إشارة ضمنية إلى إمكانية استخدام القوة.

بالنسبة الى الصراعات القائمة في المنطقة، أي في اليمن وليبيا وسوريا، تشير الاستراتيجية إلى أن الولايات المتحدة "ستجمع بين الدبلوماسية والمساعدات الاقتصادية و الأمنية للشركاء المحليين لتخفيف المعاناة و  تخفيض عدم  الاستقرار ومنع تصدير الإرهاب و  الهجرة من اليمن وسوريا وليبيا، مع العمل مع الحكومات الإقليمية لإدارة التأثير الأوسع لهذه التحديات". بمعنى آخر، لن تأخذ واشنطن زمام المبادرة من أجل إيجاد تسويات لتلك المشاكل وستكتفي بدعم جهود الأطراف الإقليمية والمنظمات الدولية.


ربما تكون المسألة التي تستحق اهتمامًا خاصًا هي سعي الولايات المتحدة إلى تعزيز التكامل العسكري  كوسيلة لتخفيف التزاماتها العسكرية في المنطقة حيث تنص الاستراتيجية على أنها ستشجع مثل هذا التكامل "من خلال بناء ...اتصالات أمنية بين الولايات المتحدة وشركائها وبين بعضهم البعض، بما في ذلك من خلال هياكل متكاملة للدفاع الجوي والبحري". وهو الأمر الذي لا يمكن تفسيره سوى أنه إشارة ضمنية الى سعى واشنطن الى بناء هيكل أمني في الشرق الاوسط يتضمن إسرائيل.

 

وربما يستند موقف الولايات المتحدة في ذلك إلى عنصرين رئيسين. الأول هو أن إقامة نظام الأمن الإقليمي هو أفضل وسيلة لتأمين المصالح الأمنية لإسرائيل وضمان الاستقرار الإقليمي على أساس أن إشراك إسرائيل في ترتيب عسكري هو أفضل وسيلة تضمن إندماج إسرائيل بشكل كامل و نهائي في المنطقة. ثانيًا، أن الولايات المتحدة على إقتناع من أن أى تجمع للقوى العسكرية في المنطقة من دون إسرائيل، لا يمكن أن يعوض دور الولايات المتحدة ولو جزئيًا.

و هنا من الأهمية الإشارة الى أن كلاً من الولايات المتحدة وروسيا تعتبران أن إنشاء هيكل أمني إقليمي في الشرق الأوسط يخدم مصالحهما، و إن كانت مقاربتهما لتحقيق ذلك مختلفة.

 ففي حين ينظر البلدان إلى الدول العربية وإسرائيل كجزء من هذا الهيكل، إلا أنهما يختلفان بوضوح بشأن إيران. تتجنب واشنطن مسألة مشاركة تركيا في المرحلة الحالية أما تصورات موسكو للهيكل الامني فيتضمن أنقرة على الرغم أنها عضو في حلف "الناتو" .

 ويجدر التنويه الى أن واشنطن تميل الى الرؤية الإسرائيلية بتأكيدها على التعاون العسكري  بين دول المنطقة ومواجهة إيران. وينبع إهتمام واشنطن بإنشاء هيكل أمني إقليمي من رغبتها في التقليل من التزاماتها العسكرية تدريجيا في الوقت الذي تدرك فيه انها لا تستطيع تحمل وجود فراغ أمني يفتح المجال أمام خصومها للتدخل في المنطقة .

في المقابل، تهدف روسيا من بناء هيكل أمني إقليمي الى التقليل من اعتماد دول المنطقة على الولايات المتحدة وربما استبعادها في مرحلة ما في المستقبل . 

ونظرًا لأن الصين لا تشارك بشكل مباشر في صيانة أمن المنطقة، فموقفها ليس واضحا في هذا الصدد. والأرجح انه -على المدى المتوسط على الأقل- ستفضل بكين أن تتحمل كل من الولايات المتحدة وروسيا عبء الحفاظ على الاستقرار الأمني في المنطقة .

باختصار، بينما تسعى الولايات المتحدة لتجنب المزيد من التدخل في المنطقة - لا سيما من الناحية العسكرية – فإنها  في الوقت ذاته تدرك انها لن تنجح في تقليص التزاماتها العسكرية إلا  من خلال الدفع بإنشاء  نظام أمني إقليمي يشمل إسرائيل، التي يجب ان تنضم اليه ليس في النهاية  المطاف وانما في المراحل الاولى من انشائه . 

خلاصة القول، هي أن الولايات المتحدة لا ترى منافسة جاده من قبل كل من مع الصين أو روسيا في المنطقة تؤثر على مصالحها الحيوية في الشرق الاوسط، ولن تسعى إلى تغيير المنطقة ولن تخصص موارد إضافية لحل النزاعات في الشرق الأوسط. ولكنها ستعمل على دعم أصدقائها وحلفائها  وجهودهم في هذا الصدد وستسعى الى تحقيق التكامل الإقليمي السياسي والاقتصادي والعسكري.

 والولايات المتحدة حريصة، بحسب الاستراتيجية هذه، على  أن تتخلص من العبء الاكبر من مسؤولية ضمان أمن واستقرار الشرق الأوسط حتى يمكن لها تكريس اهتمامها ومواردها لدعم الديمقراطية في الداخل التى بدأ يظهر عليها علامات ضعف والحفاظ على قدرتها التنافسية الاقتصادية العالمية ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، والتركيز على إدارة علاقاتها مع الصين وروسيا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ.
 

font change