نظرة على الأعمال المصرية: سرّ خالد يوسف الباتع ومفاجأة "الهرشة" السارّة

هل "الجمهور عاوز كده" أم شركات الإنتاج؟

مشهد من مسلسل "الهرشة السابعة"

نظرة على الأعمال المصرية: سرّ خالد يوسف الباتع ومفاجأة "الهرشة" السارّة

القاهرة: كلّ يوم هو شأن جديد في دراما رمضان. الانطباعات التي تتشكل في المساء، تتبدّد في الصباح وتحلّ محلها انطباعات جديدة، قد تكون مُناقضة كليا. والاختيارات الي ركنا إليها في الحلقة السابقة، ربما تتغيَّر في الحلقة التالية لصالح أعمال أخرى، أو حتى عدم المشاهدة. أما مواقع التواصل الاجتماعي فهي من جهتها، لا تتراجع، ولا تتباطأ تظلّ على حالها ترفع أقواما، وتحطّ أقواما آخرين، كانت هي نفسها قد رفعتهم العام الماضي.

ماراثون لا ينتهي، لكن هل نستطيع القول إن المشاهد هو المُستفيد فعلا من هذا السباق؟

من السابق للأوان الحُكم على الأعمال الدرامية المعروضة، ليس فقط لأننا لم نتمكن بعد من مشاهدة حتى نصف حلقات هذه الأعمال، لكن أيضا، وهذا هو الأهم، لأن الحُكم على أي عمل، يتطلب قدرا من التأمل، والانفصال عن العمل من جانب وعن التيار السريع لمواقع التواصل الاجتماعي من جانب آخر، والذي إن لم يكن موجَّها بسوء نية، فهو موجَّه بالاندفاع، بالتعصب أحيانا، والرغبة في تحريك الأمور، كأنها صناعة دراما موازية للدراما الفنية.

لكن وقبل أن نتوه في الزحام، وقبل أن نستسلم لطوفان الأعمال المعروضة قد يكون من المفيد طرح بعض الأسئلة المبدئية، لأنّ بعض الأعمال المعروضة سواء في البرامج أو المسلسلات تُثير هذه الأسئلة أكثر من غيرها، ولنبدأ بسؤال: هل يملك المُتفرِج خيارا حقيقيا في دراما رمضان؟

بمعنى آخر، هل يختار المتفرّج المحتوى الذي يُريد مشاهدته؟ أم أنه يختار من بين إجابات مُتعددة يفرضها السوق، لكنها محدودة ومحددة سلفا؟ بطبيعة الحال، هناك ما يُمكن اعتباره مجازا بالعقد غير المكتوب، بين صناع الدراما والترفيه من جهة، وبين المشاهد من جهة أخرى، وينصّ هذا العقد على أن يُقدّم الموسم الرمضاني (وهو عملية طويلة استمرّت أعوام)، أكبر مأدبة من المسلسلات والبرامج والإعلانات. ونحن فهمنا مع مرور السنوات وتعدّد المواسم، أن هذه المأدبة قد تكون الأضخم، والأكثر تنافسا وبهرجة وصخبا، لكن لا شيء يضمن أن تكون الأفضل، أو الأجود فنيا.

هناك أكثر من مسلسل لا تصل عدد حلقاته إلى الثلاثين حلقة، وهذا يُعطينا أملا في إمكانية تكثيف الأحداث دون الاستغراق في تفاصيل لا داعي لها، تؤدّي إلى الملل

رامز لا ينتهي

على سبيل المثال، رفض كثيرون، وطوال الأعوام الماضية، سلوكيات رامز جلال، في برنامج مقالبه الشهير، الذي به يغيّر جلده كل عام، لكنه أبدا لا يُغيّر مضمونه، يستدرجُ فنانا/ فنانة ويبدأ بسادية مُعلَنة في إزعاجهم واللعب على مخاوفهم، من أجل انتزاع ضحكات المشاهد، وبالتأكيد شماتته. هذا العام مثلا، حلّت ضيفة في البرنامج ياسمين عز، المُذيعة صاحبة الموقف المُتطرف في الانحياز للذكور، وقد بدت الحلقة "عقابا" ينبغي أن يكون مُستحَقا لياسمين على مواقفها التي يعتبرها البعض مهينة للمرأة. في بداية حلقة أخرى، كان المطرب الشهير محمد فؤاد، يسير بصعوبة شديدة، وقد أخبر فريق البرنامج أنه مُصاب جرّاء خضوعه لعملية جراحية منذ زمن قريب، مع ذلك واصل رامز جلال تنفيذ المقلب في فؤاد، وانتهت الحلقة نهاية تراجيدية، بأن فؤاد أُصيب فعلا، انفتح جرحه ونزف، في برنامج من المفترض أنه كوميدي.

 

وكان يُمكن عدم إذاعة الحلقة، أو على الأقل الاعتذار مقدما عن لقطات الدماء سواء بالنسبة إلى الفنان أو إلى المشاهدين، لكن الحلقة أُذيعت في النهاية كما هي، وكأنها مسألة طبيعية أن يتعرض شخص لهذه الآلام لأن رامز جلال "بيحب يهزر مع صحابه"، أو بذريعة أسوأ ربما قد تكون أن الفنان حصل على مقابل مادي لقاء تحمله تلك المشقة. والواقع أن استمرار برنامج رامز جلال، طوال هذه الأعوام، يطرح بحد ذاته سؤالا عن القيمة سواء الفنية أو الترفيهية التي يُقدمها هذا البرنامج وتدفعه للاستمرار كل هذه الأعوام. من جهة أخرى تجارية، من الممكن سؤال الجمهور – في صورة استفتاء مثلا – عن موقفه من البرنامج الذي صار فرضا عليه من فروض رمضان ليحمل هذا العام العنوان الدال "نيفر إند"، وقد أصبح متاحا للمشاهدة بصورة مجانية على منصة شاهد. وقد يثور هنا سؤال آخر، هو: هل يمكن للجمهور - الذي يظهر بين حينٍ وآخر أفراد منه مُستنيرون يُحذّرون من مخاطر متابعة هذه السادية على الأطفال والكبار مثلا - إن أراد الجمهور فعلا إيقاف برنامج رامز جلال، أن يمتنع عن مشاهدة البرنامج، وليس أن يشاهده ثم ينتقده، بما أن عدم المشاهدة سيؤدي إلى انخفاض نسب المشاهدة، وبالتالي سيؤثر على قرار استمرار مُنتجي البرنامج والمُعلنين في تمويله.

لكن هل لدى المشاهد رفاهية عدم المشاهدة، بينما رامز جلال والبرامج والمسلسلات تحاصره من كل صوب؟

سرّ خالد يوسف!  

يطرح حضور المخرج المصري خالد يوسف في موسم رمضان هذا العام بمسلسل "سرّه الباتع"، السؤال نفسه عن مدى تأثير إرادة المُشاهد أو عدمها في فرض اختيارت فنية بعينها على المشاهدين. من المعروف أن يوسف كان قد ابتعد عن الأضواء، وغادر القاهرة، بعد تسريب يمسّ حياته الخاصة، ويمس حياة سيدتين. وقد أثر هذا التسريب، على حياة السيدتين أكثر مما على حياة المخرج الشهير، بحُكم أن النساء يدفعن الثمن أضعافا في المجتمعات العربية، إن مسّ الأمر حيواتهن الخاصة. المفارقة أن خالد يوسف نفسه، قد تعرّض للفكرة في أفلامه السابقة، وبدا من خلالها مناصرا واعيا بالتنكيل الذي تتعرض له النساء.

مشهد من مسلسل "سره الباتع"

لم يعد يوسف من الخارج باعتذار للفتاتين، أو لجمهوره، ولا أظن أن أحدا من هذا الجمهور قد طالبه أصلا باعتذار، كما لم يُطالبه بالعودة الفنية، وهذه هي النقطة التي تعنينا هنا. صحيح أن خالد يوسف مخرج شهير، وليس كل المخرجين مشاهير، لأن على المخرج بحُكم المهنة أن يكون خلف الكاميرا لا أمامها (وقد وقف خالد يوسف أمام الكاميرا في مناسبات عديدة، إلى حد صار معه شهيرا جدا) لكنه هو قرر هذه العودة، أو شجعه أحد عليها، ووجد من بين أصدقائه المخلصين مَنْ يدعمه ويحتفي به. والمشكلة لا تتعلق بأخلاقية هذه العودة، وهذا الاحتفاء، لكنها من جديد تتعلق بالتوجه الفني المخرج، القائم على اختصار الفن في الشعارات الكبيرة، وإحداث ضجة إعلامية ترافق صدور أعماله، وتجعل منها نوعا من "الترند"، وذلك حتى من قبل أن تظهر إلى النور فكرة الترند!

رامز جلال وخالد يوسف يثيران جدلا ويجددان نقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء حول مستوى المزاح "القاسي" عند الأول أو الخيارات الأسلوبية والفنية عند الثاني

والسؤال يُمكن صياغته على هذا النحو: مثّلت مدرسة خالد يوسف الفنية مرحلة من تاريخ السينما والصحافة في مصر، قبل تظاهرات 25 يناير 2011، لكن هل تناسب هذه المدرسة الفنية ما نحتاج إليه ونرغب في مشاهدته اليوم؟ تقول الحلقات الأولى من "سره الباتع" (ويوسف هو مؤلف السيناريو المأخوذ عن قصة ليوسف إدريس بالاشتراك مع خالد كساب ومصطفى إبراهيم) إن خالد يوسف عائد بأسلوبه الفني نفسه وأفكاره القديمة التي يجوز لنا أن نقول إن العصر قد تجاوزها، فقد تغيّرت مفاهيم كثيرة في السنوات الأخيرة، وإن لم تكن هذه المفاهيم قد استقرت بعد، وربما لن تستقر قريبا، فقد انقطعت صلتها على أي حال بالخطابات المباشرة المُبسطة، المتأثرة بلون مُعين من صحافة المعارضة التي لم يعد لها حضور وازن. فضلا عن هذا، أثارت طريقة تنفيذ بعض لقطات المسلسل، والحوارات التي تدور بالعامية المصرية بين أفراد الجيش الفرنسي زمن الحملة على مصر سخرية رواد التواصل  الاجتماعي الذين استخدموا بعض هذه اللقطات لصناعة "ميمز" تسخر من العمل الذي تتسم بعض تفاصيله بعدم الإقناع وها هو يلعب مجددا على إثارة المشاعر الوطنية للمشاهدين.

على أي حال، من المُتسحسن إعطاء "سرّه الباتع" فرصته الكاملة للمشاهدة، حتى نهاية الشهر، ما دام أن صناعته لم تكن من اختيارنا على أي حال.

 

الجديد؟

إذا هل من جديد في هذا الموسم؟

وهذا هو السؤال الثاني، أو لعلها الأمنية التي من أجلها نجلس إلى هذه المأدبة، تاركين لبعض الوقت مشاغلنا وأحلامنا وخيباتنا ربما، أمنية أن نعثر على عملٍ يجذبنا، يُمتعنا، على دورٍ يُشبهنا، أو لا يُشبهنا على الإطلاق، لكنه يُخاطبنا بجدية، حتى لو بشكل كوميدي، فلا تتحول مشاهداتنا إلى محض إضاعة للوقت في الشهر الكريم، فنحن نُضيع الكثير من الوقت فعلا على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي متاعب الحياة الحقيقية. قد يكون في ذلك بعض اختيارنا، سواء أردنا أن ننسى واقعنا أو أن ننخرط فيه.

في الحقيقة، كان رواج المنصات الخاصة التي تتطلب مشاهدة أعمالها دفع اشتراك شهري، طوال الأعوام الماضية، عاملا مؤثرا سواء على تجربة التلقي أو على تجربة الإنتاج نفسها. من ناحية، لم نعد خاضعين لمواعيد عرض الأعمال الفنية على القنوات الفضائية، ولا مُضطرين لاحتمال كل تلك الإعلانات، صار بإمكاننا حتى أن نتحكم في تجربة العرض، قد نشاهد حلقة مُقسمة على عدة جلسات، وقد نشاهد عدة حلقات بشكل متتال في جلسة واحدة. من ناحية أخرى، أدّى رواج هذه المنصات بين المشاهدين، بفضل التسهيلات الاقتصادية التي أتاحتها لمشتركيها، إلى الدفع لإنتاج أعمال فنية بمعايير مختلفة، سواء على مستوى الشكل إذ صارت هناك أعمال تتكون من ست حلقات فقط، أو على مستوى المضمون، حيث دخل مخرجو السينما من بوابة المنصات وارتفع إلى حد ما هامش الحرية المتاحة لطرح بعض الموضوعات، التي لم تكن تُطرح من قبل، واستجابة لهذا التغيير، طوّر بعض صناع الدراما أدواتهم من أجل التعامل مع الوسيط الذي ليس جديدا تماما، لكنه أيضا أحدث تغييرا في الوسيط القديم.

هذا العام، هناك أكثر من مسلسل، لا تصل عدد حلقاته إلى الثلاثين حلقة كما كان المعتاد في ماضي مسلسلات رمضان، يُعطينا هذا أملا في إمكانية تكثيف الأحداث دون الاستغراق في تفاصيل لا داعي لها، تؤدّي إلى الملل. سيطرت كذلك ورش العمل الجماعية على عملية كتابة الحلقات، منها ورشة سرد مريم نعوم، التي تُشرف على كتابة أكثر من مسلسل هذا العام منها "رسالة الإمام" و"الهرشة السابعة"، ولورش العمل فوائد، كما لها عيوب، لكن أهم الفوائد على الإطلاق قد يكون الاستفادة من تنوع الآراء ووجهات النظر والخروج من مأزق الأحادية الفكرية.

 لا يدّعي "الهرشة السابعة" أنه يحمل أي شعارات كبيرة، بل على العكس من ذلك تماما يتناول الحياة اليومية، العادية جدا، لكنها النفيسة جدا في الوقت ذاته

ورشة.. وهرشة

هل يعني ذلك أن أمانينا في الدراما الرمضانية قابلة للتحقق وليست محض أحلام؟

منذ حلقاته الأولى، لفت مسلسل "الهرشة السابعة" أنظار المشاهدين، على الرغم من أنه لا يضم ممثلا مفتول العضلات، ينتصر على أعدائه في مشاهد أكشن مصطنعة أو يُلقي نكاتا قديمة مُضيفا إليها نبرة ثقة تستند إلى وسامته، هنا لا يوجد الميل الميلودرامي المُبالغ فيه الذي يسم أعمالا أخرى هذا الموسم، كما أن "الهرشة السابعة" لا يدّعي لحُسن الحظ أنه يحمل أي شعارات كبيرة، بل على العكس من ذلك تماما يتناول الحياة اليومية، العادية جدا، لكنها النفيسة جدا في الوقت ذاته. يتكلم عن العلاقات العاطفية والزوجية بسعاداتها الكبيرة وإحباطاتها التي لا تُحتمل، لكنه لا يكتفي بالكلام عنها، إنما يفعل ذلك بخبرة ومقاربة الأجيال الأحدث التي صارت ترفض مؤسسة الزواج بشكلها التقليدي، وتبحث عن آفاق أخرى للحب والعمل وربما التشافي من جراح الطفولة، التي ساهمت في حدوثها الأجيال الأقدم. إضافة إلى هذا التناول، نجح العمل من البداية في ربط المشاهد إلى حالته الخاصة، وهذا لا يعني أنه لا يُمكن توجيه أي نقد للمسلسل، فالغاية ليست إنتاج أعمال لا تُنتقد، بل فقط أعمال تستحق المتابعة وتستحق الانتقاد.

مشهد من مسلسل "الهرشة السابعة"

المسلسل يغلب عليه كتابة العنصر النسائي، فهو من فكرة وإشراف الكتابة مريم نعوم أيضا، ورئيسة فريق الكتابة دينا نجم، والحلقات نفسها من كتابة راجيه حسن وندى عزت، وشاركت في التطوير مريم سعد الدين، وهو من إخراج كريم الشناوي. أما البطولة فهي لأمينة خليل وعلي قاسم ومحمد شاهين وأسماء جلال ومحمد محمود وعايدة رياض وأحمد كمال وحنان سليمان.

إن "الهرشة السابعة" بالتأكيد ليس النموذج الإيجابي الوحيد حتى الآن، لكنه أحد النماذج المُبشرة على مستوى صناعة الدراما، وعلى مستوى اختيارات الجمهور أيضا.

font change

مقالات ذات صلة